147 - هولاكو بن تولي قان ابن الملك جنكزخان ، ملك التتار ، ومقدمهم . ذكره الشيخ قطب الدّين فقال : كان من أعظم ملوك التتر . وكان شجاعاً حازماً مدبراً ، ذا همة عالية ، وسطوة ومهابة ، ونهضة تامة ، وخبرة بالحروب ، ومحبة في العلوم العقلية من غير أن يتعقل منها شيئاً ، اجتمع له جماعةٌ من فضلاء العالم ، وجمع حكماء مملكته ، وأمرهم أن يرصدوا الكواكب . وكان يطلق الكثير من الأموال والبلاد . وهو على قاعدة المغل في عدم التقيّد بدين ، لكن زوجته تنصرت ، وكان سعيداً في حروبه وحصاراته . طوى البلاد ، واستولى على الممالك في أيسر مدة ، ففتح بلاد خراسان ، وفارس ، وأَذْرَبيجان ، وعراق العجم ، وعراق العرب ، والشام ، والجزيرة ، والروم ، وديار بكر . كذا قال الشيخ قطب الدّين ، والذي افتتح خراسان ، وعراق العجم غيره ، وهو جنكزخان وأولاده ، وهذا الطاغية فافتتح العراق ، والجزيرة ، والشام ، وهزم الجيوش ، وأباد الملوك ، وقتل الخليفة ، وأمراء العراق ، وصاحب الشام ، وصاحب مَيَّافارقين . قال لي الظهير الكازروني : حكى لي النجم أحمد ابن البواب النقاش نزيل مراغة قال : عزم هولاكو على زواج بنت ملك الكرج ، قالت : حتى تسلم ، فقال : عرفوني ما أقول . فعرضوا عليه الشهادتين فأقر بهما ، وشهد عليه بذلك خواجا نصير الطوسي ، وفخر الدّين المنجم . فلما بلغها ذلك أجابت . فحضر القاضي فخر الدّين الخلاطي ، فتوكل لها النصير ، وللسلطان الفخر المنجم ، وعقدوا العقد باسم تامار خاتون بنت الملك داود بن إيواني على ثلاثين ألف دينار ، قال لي ابن البواب : وأنا كتبت الكتاب في ثوبٍ أطلس أبيض ، فعجبت من إسلامه . قلت : إن صح هذا فلعله قالها بفمه لعدم تقيّده بدين ، ولم يدخل الإسلام إلى قلبه ، فالله أعلم . قال قطب الدّين : كان هلاكه بعلة الصرع ، فإنه حصل له الصرع منذ قتل الملك الكامل صاحب ميافارقين ، فكان يعتريه في اليوم المرة والمرتين . ولما عاد من كسرة بركة له أقام يجمع العساكر ، وعزم على العود لقتال بركة ، فزاد به الصرع ، ومرض نحواً من شهرين ، وهلك ، فأخفوا موته ، وصبّروه ، وجعلوه في تابوت ، ثم أظهروا موته . وكان ابنه أبغا غائباً فطلبوه ثم ملكوه ، وهلك هولاكو ، وله ستون سنة أو نحوها . وقد أباد أُمماً لا يحصيهم إلا الله ، ومات في هذه السنة . وقيل : في سابع ربيع الآخر سنة ثلاثٍ وستين ببلد مراغة ، ونقل إلى قلعة تلا ، وبنوا عليه قبة . وخلف من الأولاد سبعة عشر ابناً سوى البنات ، وهم : أبغا ، وأشموط ، وتمشين ، وتكشي - وكان تكشي فاتكاً جباراً - وأجاي ، ويستز ، ومنكوتمر الذي التقى هو والملك المنصور على حمص ، وانهزم جريحاً ، وباكودر ، وأرغون ، ونغابي دمر ، والملك أحمد . قلت : وكان القاءان الكبير قد جعل أخاه هولاكو نائباً على خراسان ، وأذربيجان ، فأخذ العراق ، والشام وغير ذلك ، واستقل بالأمر مع الانقياد للقاءان ، والطاعة له ، والبُردُ واصلةٌ إليه منه في الأوقات . وتفاصيل الأمور لم تبلغنا كما ينبغي ، وقد جمع صاحب الديوان كتاباً في أخبارهم في مجلدتين . ووالد هولاكو هو تولي خان الذي عمل معه السلطان جلال الدّين مصافاً في سنة ثماني عشرة ، فنصر جلال الدّين ، وقتل في الوقعة تولي إلى لعنة الله . وكان القاءان الأعظم في أيام هولاكو أخاه مونكوقا بن تولي بن جنكزخان ، فلما هلك جلس على التخت بعده أخوهما قبلاي ، فامتدت دولته ، وطالت أيامه ، ومات سنة خمسٍ وتسعين بخان بالق أم بلاد الخطا ، وكرسيّ مملكة التتار ، وكانت دولة قبلاي نحواً من أربعين سنة . في آخر أيامه أسلم قازان على يد شيخنا صدر الدّين ابن حمويه الجويني . وقال الظهير الكازروني : عاش هولاكو نحو خمسين سنة . وكان عارفاً بغوامض الأمور ، وتدبير الملك ، فاق على من تقدمه . وكان يحب العلماء ، ويعظمهم ، ويشفق على رعيته ، ويأمر بالإحسان إليهم . قلت : وهل يسع مؤرخاً في وسط بلاد سلطانٍ عادلٍ أو ظالٍم أو كافرٍ إلا أن يثني عليه ، ويكذب ، فالله المستعان ؛ فلو أُثني على هولاكو بكل لسانٍ لاعترف المثني بأنه مات على ملة آبائه ، وبأنه سفك دم ألف ألفٍ أو يزيدون ، فإن كان الله مع هذا قد وفقه للإسلام فيا سعادته ، لكن حتى يصح ذلك .
المصدر: تاريخ الإسلام
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-57/h/674437
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة