بركة بن توشي بن جنكزخان
بركة بن توشي بن جنكزخان ، المغلي ، ملك القفجاق ، وصحراء سوداق . وهي مملكة متسعة مسيرة أربعة أشهر ، وأكثرها براري ومروج ، وبينها وبين أذربيجان باب الحديد في الدربند المعروف . وهو بابٌ عظيم مغلوقٌ بين المملكتين مسلَّم إلى أمير كبير .
وبركة هو ابن عم هولاكو . توفي في هذه السنة ، وكان قد أسلم ، وكاتب الملك الظاهر ، وبعث رسوله في البحر فسار إلى أن وصل إلى الإسكندرية وطلع منها . تملك بعده منكوتمر بن طغان بن سرطق بن توشي بن جنكزخان ، فجمع عساكره ، وبعثها مع مقدم لقصد أبغا ، فجمع أبغا جيشه أيضاً ، وسار إلى أن نزل على نهر كور ، وأحضر المراكب والسلاسل ، وعمل جسرين على النهر ثم عدى إلى جهة منكوتمر ، وسار حتى نزل على النهر الأبيض .
فعدّى منكوتمر ، وساق إلى النهر الأبيض ، ونزل من جانبه الشرقي ، ونزل أبغا في الجانب الغربي ، ثم لبسوا السلاح وتراسلوا ، ثم بعد ثلاث ساعات حرك أبغا كوساته ، وقطع النهر ، وحمل على منكوتمر فكسره ، وساق وراءه ، والسّيف يعمل في عسكر منكوتمر . ثم تناخى عسكر منكوتمر ، ورجعوا عليهم فثبت أبغا في عسكره ، ودام الحرب إلى العشاء الآخرة ، ثم انهزم منكوتمر ، واستظهر أبغا ، وغنم جيشه شيئاً كثيراً ، وعدّى على الجسورة المنصوبة ، ونزل على نهر كور . ثم جمع كبراء دولته ، وشاورهم في عمل سورٍ من خشب على هذا النهر ، فأشاروا بذلك ، فقام وقاس النهر من حد تفليس ، فكان جزء كل مقدم مائة : عشرين ذراعاً .
فشرعوا في عمله . ففرغ السور في سبعة أيام . ثم ارتحل فنزل المقدم دغان ، وشتى هناك .
قال قطب الدّين : كان بركة يميل إلى المسلمين ، وله عساكر عظيمة ، ومملكته تفوق مملكة هولاكو من بعض الوجوه . وكان يعظم العلماء ، ويعتقد في الصالحين ، ولهم حرمة عنده . ومن أعظم الأسباب لوقوع الحرب بينه ، وبين هولاكو كونه قتل الخليفة .
وكان يميل إلى صاحب مصر ، ويعظم رسله ، ويحترمهم ، وتوجه إليه طائفةٌ من أهل الحجاز فوصلهم ، وبالغ في احترامهم ، وأسلم هو وكثيرٌ من جيشه . وكانت المساجد التي من الخيم تحمل معه ، ولها أئمة ومؤذنون ، وتقام فيها الصلوات الخمس . قال : وكان شجاعاً ، جواداً ، حازماً ، عادلاً ، حسن السيرة ، يكره الإكثار من سفك الدماء ، والإفراط في خراب البلاد .
وعنده حلم ، ورأفة ، وصفح ، توفي بأرضه في عشر الستين من عمره . قلت : توفي في ربيع الآخر . وقد سافر من سقسين سنة نيفٍ وأربعين إلى بخارى لزيارة الشيخ سيف الدّين الباخرزي ، فقام على باب الزاوية إلى الصباح ، ثم دخل وقبّل رجل الشيخ .
وأسلم معه جماعة من أمرائه ، وهذا في ترجمة الباخرزي ، نقله ابن الفوطي .