حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة ثمان وسبعين وستمائة

سنة ثمان وسبعين وستمائة في المحرم ولي قضاء المالكية بدمشق الذي كان ينوب عن الشيخ زين الدين الزواوي ، وهو جمال الدين أبو يعقوب الزواوي . وفيه ولي ولاية دمشق عز الدين ابن أبي الهيجا ، وعزل الأمير ناصر الدين الحراني . وفي ربيع الأول وقع الخلف بين الخاصكية بدمشق وعجز السلطان عن تلافي ذلك ، وخرج عن طاعته نائبه الأمير سيف الدين كوندك وتقدم بالذين التفوا عليه نحو القطيفة ومعه نحو أربعمائة من الظاهرية ، وفيهم فرسان وشجعان ، فنزل بالقطيفة ينتظر الجيش الذين في سيس ، فقدموا واتصل بهم كوندك وأصحابه ونزل الكل بعذرا ، وراسلوا السلطان في معنى الخلف الذي حصل .

وكان كوندك مائلا إلى البيسري ، ولما اجتمع به وبالأمير سيف الدين قلاوون وغيرهما من الكبار أوحى إليهم ما وغر صدورهم وخوفهم من خواص الملك السعيد ، وأن نيتهم نحسة ، وأن السلطان موافق لما يختارونه وكثر القول ونفر الخواطر . فاقترح الأمراء على السعيد إبعاد الخاصكية عنه وتفريقهم ، فلم يجب إلى ذلك عجزا عنهم وخوفا من العاقبة ، وحار في أمره وصار وحيدا ، فرحل الجيش من عذرا وساروا على المرج إلى الكسوة ، وترددت الرسل بينهم . ثم ساروا إلى مرج الصفر ، ففارقهم نائب دمشق عز الدين أيدمر ومعه أكثر عسكر دمشق ، ودخلوا البلد ، فبعث السلطان أمه بنت بركة خان في محفة ، وفي خدمتها سنقر الأشقر ، فإنه كان مقيما بدمشق عند السلطان ، فتلقتها الأمراء وقبلوا الأرض أمام المحفة ، فكلمتهم في الصلح وحلفت لهم على بطلان ما نقل إليهم ، وأن السلطان يعرف حقهم ، فاشترطوا شروطا كثيرة التزمت لهم بها ، وعادت إلى ولدها وعرفته الصورة ، فمنعه من حوله من الخاصكية من الدخول تحت تلك الشروط وقالوا : قصدهم إبعادنا ليتمكنوا منك ويعزلوك .

ولم يتفق أمر ، وترحل العسكر طالبين الديار المصرية ، فساق السلطان جريدة في طلبهم ، فبلغ رأس الماء ، فوجدهم قد أبعدوا ، فعاد من آخر النهار ، ودخل القلعة ليلا ، وأصبح في غرة ربيع الآخر ، فسافر بمن بقي معه من الجيش المصري والشامي في طلبهم ، وسير والدته وخزائنه إلى الكرك . ووصل إلى بلبيس في خمسة عشر يوما . وقد دخل أولئك القاهرة ، ورجع نائب دمشق وأكثر الأمراء إلى الشام .

وساق هو إلى قلعة مصر ، فوجد العساكر محدقة بالقلعة وكان بها نائبه الأمير عز الدين الأفرم ، فحصل بينهم مقاتلة يسيرة ، وحمل به الأمير علم الدين سنجر الحلبي ، وشق الأطلاب ، وفتح له الأفرم وطلع إلى القلعة ، وقتل جماعة يسيرة ، وبقي جماعة ممن كان مع السلطان برا ، فاحتاجوا أن ينضموا إلى سائر العسكر . وأما سنقر الأشقر فإنه انعزل بالمطرية بطلبه ، وحاصروا القلعة ، وقطعوا عنها الماء الذي يطلع في المدارات وزحفوا عليها ، وجدوا في ذلك . فرأى السلطان تخلي من يرجو نصره عنه ، وتخاذل من بقي معه وأنه عاجز ، وكان مقدم الجيش الذي قام على الملك السعيد حموه الأمير سيف الدين قلاوون ، فجرت المراسلات على أنه يخلع نفسه ويسلطنوا أخاه سلامش ، وأن يعطوا للسعيد الكرك ، ويعطوا أخاه الشوبك - يعني نجم الدين خضر - فبعث علم الدين الحلبي وتاج الدين ابن الأثير الكاتب إليهم ، وحلفوا له على ذلك ، ونزل من القلعة ، وكان الحصار يومين ، فعقدوا له مجلسا لخلعه من الملك ، وأحضروا القضاة والعلماء والأمراء ، وعملوا محضرا بخلعه ، وكتبوا به نسخا ، ورتبوا في السلطنة أخاه بدر الدين سلامش ، وهو ابن سبع سنين ، وجعلوا أتابكه الأمير سيف الدين قلاوون ، وحلفت الأمراء له ولأتابكه ، وضربت السكة باسمه على وجه ، وباسم أتابكه على وجه ، ودعي لهما معا في الخطبة ، وتوجه السعيد إلى الكرك ، وقد زال ملكه وعليه صورة ترسيم .

ثم أعيد إلى القلعة من الغد لأمر أرادوه ، ثم سيروه ليلا ؛ وجاء سنقر الأشقر واجتمع بالأتابك سيف الدين ، وصار معه . وجاءت الأخبار إلى دمشق قبل وصول نائبها أيدمر ، فقدم دمشق في أول جمادى الأولى ، فخرج يتلقاه الأمير جمال الدين آقوش الشمسي ، فقبض هو وجماعة من الأمراء على نائب السلطنة عز الدين أيدمر عند المصلى ، وفصلوه عن الموكب ، ودخلوا به من باب الجابية ، ورسموا عليه بدار عند مأذنة فيروز إلى العشي ، وحبسوه بالقلعة ، وكان بها الأمير علم الدين الدويداري ، أعني بدمشق والقلعة ، قد استنابه السلطان الملك السعيد عليها مدة غيبة نائبها عز الدين . وفيه عزل قضاة مصر الثلاثة معا ، تقي الدين بن رزين الشافعي ، ونفيس الدين بن شكر المالكي ، ومعز الدين النعمان الحنفي .

وفي ثالث جمادى الآخرة قدم سنقر الأشقر نائبا على دمشق ، وقرر الدواداري مشدا كما كان . سلطنة السلطان الملك المنصور في الحادي والعشرين من رجب شالوا سلامش من السلطنة من غير نزاع ، وبايعوا المولى السلطان سيف الدين قلاوون الصالحي التركي المعروف بالألفي ، ولقب بالملك المنصور ، وحلف له الأمراء : البيسري والحلبي ، ولم يختلف عليه اثنان . وفي رجب قبض على الصاحب فتح الدين ابن القيسراني ، ثم وصل أمير يحلف أمراء الشام فحلفوا .

وقيل : إن سنقر الأشقر لما حلف الأمراء لم يحلف هو وكاسر ، ولم يرضه ما جرى ، ودقت البشائر بدمشق يوم السابع والعشرين من رجب وزين البلد . وفي شعبان عزل برهان الدين السنجاري عن وزارة مصر بالصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان صاحب ديوان الإنشاء . وفيه سير الأمير عز الدين أيدمر الظاهري من قلعة دمشق في محفة متمرضا إلى مصر ، فحبس بقلعتها .

وفي شوال خرج الركب الشامي وأميرهم عماد الدين يوسف ابن الشقاري ، وحج الشيخ شمس الدين شيخ الجبل وطائفة من الحنابلة ، وحج أبي وخالي ، وحدثني أبي أنهم رأوا الملك السعيد يسير بظاهر الكرك في أواخر شوال . قلت : ثم مات في منتصف ذي القعدة أو في عاشره ، وعمل عزاؤه بمصر ؛ وحضر السلطان وهو لابس البياض . وفي الرابع والعشرين من ذي الحجة ركب نائب السلطنة شمس الدين سنقر الأشقر الصالحي بعد العصر من دار السعادة وبين يديه جماعة من الأمراء والجند ودخل البلد ، فأتى باب القلعة فهجمها راكبا ، ودخل وجلس على تخت الملك ، وحلفوا له ، وتلقب بالملك الكامل .

ودقت البشائر بعد ساعة ، ونودي في البلد بسلطنته ، وكان محببا إلى الناس ، وحلف له القضاة والأكابر ، وقبض على الوزير تقي الدين البيع ، وكان له في الوزارة شهرا ونصفا ، واستوزر مجد الدين ابن كسيرات . ولم يحلف له الأمير ركن الدين الجالق ، فقبض عليه وحبسه . وقبض على نائب القلعة حسام الدين لاجين المنصوري الذي تسلطن .

وولى في المدينة علم الدين سلطان . وأما الكرك فرتب في السلطنة بها الملك خضر بعد أخيه ، وسار طائفة إلى الشوبك فتسلموها بالأمان بعد محاصرة أيام . وكان الذين بها قد عصوا على الملك المنصور لما نزح عنها الملك خضر ابن الملك الظاهر إلى عند أخيه الملك السعيد .

ثم أخربت أسوار الشوبك وأذهبت حصانة قلعتها .

موقع حَـدِيث