عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة
عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة ، شيخ الإسلام وبقية الأعلام ، شمس الدين ، أبو محمد وأبو الفرج ، ابن القدوة الشيخ أبي عمر ، المقدسي ، الجماعيلي ، ثم الصالحي ، الحنبلي ، الخطيب ، الحاكم . ولد في المحرم سنة سبعٍ وتسعين وخمسمائة بالدير المبارك بسفح قاسيون ، وسمع حضوراً من ست الكتبة بنت الطرّاح سنة تسعٍ وتسعين ، وسمع من أبيه وعمه الشيخ الموفق وعليه تفقه ، وعرض عليه المقنع وشرحه عليه ، وشرحه في عشر مجلدات . وسمع أيضاً من حنبل ، وعمر بن طبرزد ، وأبي اليمن الكندي ، وأبي القاسم ابن الحرستاني ، وأبي المحاسن محمد بن كامل ، والقاضي أبي المعالي أسعد بن المنجى ، وابن البناء ، وابن ملاعب ، وأبي الفتوح البكري ، وأبي الفتوح الجلاجلي ، والشيخ العماد ، والشهاب ابن راجح ، والشمس البخاري ، والبهاء عبد الرحمن ، والعزّ ابن الحافظ ، والشمس أبي القاسم العطار ، وأبي الحسين غالب بن عبد الخالق الحنفي ، وأحمد بن محمد بن سيدهم ، ومحمد بن وهب بن الزنف ، ونصر الله بن نوح المصري ، والموفق عبد اللطيف اللغوي ، وهبة الله الكهفي ، ويوسف بن أبي الحسين الزاهد .
وطلب الحديث بنفسه ، وكتب وقرأ على الشيوخ ، فقرأ على : ابن الزبيدي وجعفر الهمداني ، والضياء المقدسي وطائفة . وسمع بمكة من أبي المجد القزويني ، والتقي علي بن باسويه الواسطي ، وبالمدينة من أبي طالب عبد المحسن بن أبي العميد الخفيفي ، وبمصر من مرتضى بن أبي الجود ، وبركات بن ظافر بن عساكر ، وإبراهيم بن الجباب ، وجماعة وأجاز له : الإمام أبو الفرج ابن الجوزي ، وأبو جعفر الصيدلاني ، وأبو سعد عبد الله ابن الصفار ، وعفيفة الفارفانية ، وأبو الفتح المندائي وخلق كثير . روى عنه الأئمة أبو زكريا النواوي ، وأبو الفضل بن قدامة الحاكم ، وأبو العباس ابن تيمية ، وأبو محمد الحارثي ، وأبو الحسن ابن العطار ، وأبو الحجاج الكلبي ، وأبو إسحاق الفزاري ، وأبو الفداء إسماعيل الحراني ، وأبو عبد الله بن مسلم ، والبدر أبو عبد الله التّادفي ، والزَّين عبد الرحمن اليلداني ، وأبو عبد الله بن أبي الفتح ، وأبو محمد البرزالي وخلق كثير .
وتفقه عليه غير واحد ، ودرّس وأفتى ، وصنّف ، وانتفع به الناس ، وانتهت إليه رياسة المذهب في عصره ، وكان عديم النظير علماً وعملاً وزهداً وصلاحاً . ولقد بالغ نجم الدين ابن الخباز المحدث وتعب وجمع سيرة الشيخ في مائة وخمسين جزءاً ، تجيء ست مجلدات كبار ، ولعل ثلثها مما يختص بترجمة الشيخ ، والباقي في ترجمة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لكون الشيخ من أمته ، وفي ترجمة الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل وأصحابه ، وهلم جرا إلى زمان الشيخ . وذكر أنه حج ثلاث مرات ، الأولى سنة تسعٍ عشرة ، والثانية سنة إحدى وخمسين ، وحج معه شيخنا تقي الدين سليمان ، وكانت وقفة الجمعة ، والثالثة سنة ثمانٍ وسبعين لأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبه في المنام ، فقام بذلك .
وحضر من الفتوحات : الشقيف في سنة ست وأربعين ، وصفد في سنة أربعٍ وستين ، والشقيف ويافا سنة ست وستين ، وحصن الأكراد سنة تسعٍ وستين . وكان كثير الذكر والتلاوة ، سريع الحفظ ، مليح الخط بمرة ، يصوم الأيام البيض وعشر ذي الحجة والمحرم ، وكان رقيق القلب ، غزير الدمعة ، سليم القلب ، كريم النفس ، كثير القيام بالليل والاشتغال بالله ، محافظاً على صلاة الضحى ، ويصلي بين العشاءين ما تيسر ، وكان يبلغه الأذى من جماعة فما أعرف أنه انتصر لنفسه ، وكان تأتيه صِلات من الملوك والأمراء ، فيفرّقها على أصحابه وعلى المحتاجين ، وكان متواضعاً عند العامة ، مترفِّعاً عند الملوك ، حسن الاعتقاد ، مليح الانقياد ، كل العالم يشهد بفضله ، ويعترف بنبله . وكان حَسَن المحاورة ، ظريف المجالسة ، محبوب الصورة ، بشوش الوجه ، صاحب أناة وحلم ووقار ولطف وفتوة وكرم ، وكان مجلسه عامراً بالفقهاء والمحدثين وأهل الدين ، وكان علامة وقته ، ونسيج وحده ، وريحانة زمانه ، قد أوقع الله محبته في قلوب الخلق ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، ولم أر أحداً يصلي صلاةً أحسن منه ، ولا أتم خشوعاً ، وكان يدعو بدعاءٍ حسن بعد قراءتهم لآيات الحرس بالجامع بعد العشاء .
وكان ربع القامة ، وليس بالقصير ، أزهر اللون ، واسع الوجه ، مشرَباً بحمرة ، واسع الجبين ، أزج الحاجبين ، أبلج ، أقنى الأنف ، كثّ اللحية ، سهل الخدين ، أشهل العينين ، رقيق البشرة ، متقارب الخطى ، تسرّى أولاً بجاريةٍ ولم تُقم عنده ، ثم بأخرى اسمها خطلو ، فولدت له أحمد في سنة خمسٍ وعشرين ، فصلى بالناس ، وحفظ المقنع ، وعاش ستة عشرة سنة ، ثم ولدت محمداً ، فمات سنة ثلاثٍ وأربعين ، وله أربع عشرة سنة ، وولدت له ثلاث بنات ، منهن فاطمة التي ماتت سنة خمسٍ وثمانين ، ثم تزوج خاتون بنت السديد عبد الرحمن بن بركات الإربلي في سنة ثمانٍ وثلاثين ، فولدت له الشرف عبد الله سنة تسعٍ وثلاثين ، والعزّ محمدا سنة ست وأربعين ، والقاضي نجم الدين أحمد سنة إحدى وخمسين ، ثم ست العرب التي توفيت سنة اثنتين وسبعين عن نحو ثلاثين سنة ، وخلّفت الفخر عبد الله ابن شمس الدين محمد ابن الخطيب شرف الدين عبد الله بن أبي عمر ، وتوفي الشمس أبو هذا سنة ثمانٍ وستين قبل أخيه الشيخ العز بيسير ، ثم تزوج الشيخ بحبيبة بنت التقي أحمد ابن العز ، فولدت له علياً ، فعاش ست سنين ، ومات ، ثم ولدت له عليا وعمر وزينب وخديجة ، فتوفي عمر سنة خمسٍ وثمانين ، وقُتل الفقيه علي سنة سبعمائة بأرض ماردين شهيداً . وقال أبو الفتح ابن الحاجب الحافظ : سألت الحافظ ابن عبد الواحد عن شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر فقال : فقيه ، إمام ، عالم ، خير ، دين ، حافظ ، تفقه على عمه ، وسمع على جماعة كثيرة . قال ابن الخباز : وكان كثير الاهتمام بأمور الناس كلهم ويسأل عن الأهل والجيران والأصحاب ، لا يكاد يسمع بمريض إلا افتقده ، ولا مات أحدٌ من أهل الجبل إلا شيّعه ، ولا سمع بمكانٍ شريف إلا زاره ودعا فيه .
وكان كثير التردد إلى مغارة الدم ، ومغارة الجوع ، وكهف جبريل ، وكان يقصد زيارة قبر والده وجده بعد العصر في كل جمعة ، ويقرأ يس و الواقعة وما تيسر ويهديه ويدعو للمسلمين . وحدثني التاج عبد الدائم بن أحمد بن عبد الدائم أن شيخنا رحل إلى يونين ، وأقام بها أربعين يوماً يعبد الله ويسأله ويتضرع إليه ، وكان معه العز أحمد ابن العماد ، قال : وأملى علينا الإمام مفتي الشام محيي الدين يحيى النواوي بدار الحديث ، قال : شيخنا الإمام العلامة ، ذو الفنون من أنواع العلوم والمعارف ، وصاحب الأخلاق الرضية ، والمحاسن واللطائف ، أبو الفرج ، وأبو محمد عبد الرحمن بن أبي عمر المقدسي ، سمع الكثير وأسمعه وأسمع قديماً في حياة شيوخه ، وهو الإمام المتَّفَق على إمامته وبراعته وورعه وزهادته وسيادته ، ذو العلوم الباهرة ، والمحاسن المتظاهرة . قال : وحدثنا الإمام أبو إسحاق اللوري المالكي ، قال : كان شيخنا شيخ الإسلام ، قدوة الأنام ، حسنة الأيام ، الرباني ، شمس الدين عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام أبي عمر ممن تفتخر به دمشق على سائر البلدان ، بل يزهو به عصره على متقدم العصور والأزمان ، لما جمع الله له من المناقب والفضائل والمكارم التي أوجبت للأواخر الافتخار على الأوائل ، منها : التواضع مع عظمته في الصدور ، وترك التنازع فيما يفضي إلى التشاجر والنفور ، والاقتصاد في كل ما يتعاطاه من جميع الأمور ، لا عجرفة في كلامه ، ولا تقعر ، ولا تعظُّم في مشيته ولا تبختر ، ولا شطط في ملبسه ولا تكثر ، ومع هذا فكانت له صدور المجالس والمحافل ، وإلى قوله المنتهى في الفصل بين العشائر والقبائل ، مع ما أمده الله به من سعة العلم ، وفطره عليه من الرأفة والحلم ، ألحق الأصاغر بالأكابر في رواية الحديث ، إلى أن قال : لا يوفر جانبه عمن قصده قريبا كان أو أجنبيا ، ولا يدخر شفاعته عمن اعتمده مسلماً كان أو ذمياً ، ينتاب بابه الأمراء والملوك ، فيساوي في إقباله عليهم بين المالك والمملوك .
وسمعت فخر الدين عمر بن يحيى الكرجي يقول : يا أخي ، الشيخ أشهر من أن يوصف ، بل أقول: تعذَّر وجود مثله في أعصارٍ كثيرة على ما بلغني من سيرة العلماء . ولي الشيخ قضاء القضاة في جمادى الأولى سنة أربعٍ وستين على كرهٍ منه ، سمعت عماد الدين يحيى بن أحمد الحسني الشريف يقول : الشيخ عندي في الرتبة على قدم أبي بكر والشيخ زين الدين الزواوي على قدم عمر ، فما رأت عيني مثلهما . وقال أيضاً : كان الشيخ والله رحمةً على المسلمين ، ولولاه راحت أملاك الناس لما تعرَّض إليها السلطان ركن الدين ، فقام فيها مقام المؤمنين الصديقين ، وأثبتها لهم ، وبذل مجهوده معهم ، وعاداه جماعة الحكام ، وعملوا في حقه المجهود ، وتحدثوا فيه بما لا يليق ، ونصره الله عليهم بحسن نيته ، يكفيه هذا عند الله .
سمعت الإمام عماد الدين محمد بن عباس بن أحمد الرَّبعي بالبيمارستان النُّوري يقول : رحمة الله على الشيخ شمس الدين ، كان كبير القدر ، جعله الله رحمةً على المسلمين ، ولولاه كانت أملاك الناس أُخِذت منهم . ثم ساق ابن الخباز ثناء جماعةٍ كثيرة من الفضلاء على الشيخ ، وساق فصلاً طويلاً في نحو من مائتي ورقة ، فيه منامات مرئية من عدد كثير للشيخ ، كلها تدل على حسن حاله ، وأنه من أهل الجنة . وقد أثنى عليه الشيخ قطب الدين ، وقال : ولي القضاء مكرهاً وباشر مدة ، ثم عزل نفسه ، وتوفر على العبادة ، والتدريس والتصنيف ، وكان أوحد زمانه في تعدُّد الفضائل ، والتفرد بالمحامد ، وحج غير مرة ، ولم يكن له نظير في خُلُقه وما هو عليه ، وكان على قدم السلف الصالح في معظم أحواله ، ورثاه غير واحد .
قلت : رثاه قريب ثلاثين شاعراً ، وكانت جنازته مشهودة ، لم يسمع بمثلها من دهرٍ طويل ، حضرها أممٌ لا يحصون ، وكان مقتصداً في ملبسه وله عمامة صغيرة بعذَبةٍ بين يديه ، وثوب مقصور ، وعلى وجهه نور وجلالة ، وكان ينزل البلد على بهيمةٍ ، ويحكم بالجامع . ولا يسع هذا الكتاب منتخب ما أورده ابن الخباز ، وربما اختصر ذلك ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وقد أجاز لي مروياته ، ولله الحمد ، وتمرض أياماً ، ثم انتقل إلى الله تعالى ليلة الثلاثاء سلخ ربيع الآخر ، بمنزله بالدير ، ودفن عند والده ، وقد رثاه القاضي شهاب الدين محمود ، الكاتب بقصيدةٍ طويلة أولها : ما للوجود وقد علاه ظلام أعراه خطب أم عداه مرام وهي نيف وستون بيتاً . ورثاه الأديب البارع شمس الدين محمد الصائغ بقصيدة أولها : الحال من شكوى المصيبة أعظمُ حيث الرّدى خصمٌ بعيد يخصم وهي ستة وخمسون بيتاً .
ورثاه المولى علاء الدين ابن غانم بقصيدةٍ حسنة ، ورثاه الشيخ محمد ابن الأرموي بقصيدةٍ قرأتها عليه ، ورثاه البرهان ابن عبد الحافظ بقصيدة قرأتها عليه أيضاً ، ورثاه مجد الدين ابن المهتار بقصيدةٍ ، ورثاه نجم الدين علي بن عبد الرحمن بن فليتة التميمي الحنفي بقصيدة ، ولم يخلف بعده مثله في جملته . وقال شمس الدين محمد بن أبي الفتح رحمه الله : مرض شيخنا سبعة عشر يوماً بالبطن ، فهو شهيد . أخبرني شيخنا فخر الدين البعلبكي أنه منذ عرفه ما رآه غضب ، وعرفه نحو خمسين سنة .
قال ابن أبي الفتح : وكان مع ذلك زاهداً في الدنيا والمناصب ، ولي القضاء أكثر من اثنتي عشرة سنة ، لم يتناول على ذلك رزقاً ، ثم تركه بعد ، حدث بالمسند عن حنبل وبكتابي : أبي داود و الترمذي عن ابن طبرزد ، و بسنن ابن ماجه عن الشيخ الموفق ، و بالبخاري عن ابن الزبيدي ، و بالدارمي عن ابن اللتي ، ولي منه إجازة بخطه بسائر مروياته ، وحدثني عنه طائفة من العلماء ، رحمه الله تعالى .