أحمد بن محمد بن منصور بن القاسم بن مختار
أحمد بن محمد بن منصور بن القاسم بن مختار ، القاضي ، العلامة ، ناصر الدين ، ابن المنير الجذامي ، الجروي ، الإسكندراني ، المالكي ، قاضي الإسكندرية وعالمها وأخو شيخنا زين الدين علي . ولد سنة عشرين وستمائة ، كان مع علومه له يدٌ طولى في الأدب وفنونه ، وله مصنفات مفيدة ، وكنيته أبو العباس ابن الإمام العدل وجيه الدين أبي المعالي بن أبي علي ، وقد ذكر أبوه في سنة ست وخمسين . ولناصر الدين ديوان خُطب ، وله تفسير حديث الإسراء في مجلد ، على طريقة المتكلمين لا على طريقة السلف ، وله تفسير نفيس ، وهو سبط الصاحب نجيب الدين أحمد بن فارس ، فالشيخ كمال الدين ابن فارس شيخ القراء خاله ، وقد سمع الحديث من أبيه ، ومن : يوسف ابن المخيلي ، وابن رواج وغيرهم ، وكان لا يناظر تعظيماً لفضيلته ، بل تورد الأسولة بين يديه ، ثم يسمع ما يجيب فيها ، وله تأليف على تراجم صحيح البخاري ، وقد ولي قضاء الإسكندرية وخطابتها مرتين ، درس بعدة مدارس .
وقيل : إن الشيخ عز الدين ابن عبد السلام كان يقول : ديار مصر تفتخر برجلين في طرفيها ، ابن المنير بالإسكندرية ، وابن دقيق العيد بقوص . وله خطبة خطب بها لما دخل هولاكو الشام . الحمد لله الذي يرحم العيون إذا دمعت ، والقلوب إذا خشعت ، والنفوس إذا خضعت ، والعزائم إذا اجتمعت ، الموجود إذا الأسباب انقطعت ، المقصود إذا الأبواب امتنعت ، اللطيف إذا صدمت الخطوب وصدعت ، رُبَّ أقضيةٍ نزلت فما تقدمت حتى جاءت ألطافٌ دفعت ، فسبحان من وسعت رحمته كلَّ شيء ، وحقّ لها إذا وسِعت ، وسعت إلى طاعته السماوات والأرض حين قال ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا فأطاعت وسمعت ، أحمده لصفاتٍ بهرت ، وأشكره على نعمٍ ظهرت ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادةً عن اليقين صدرت ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، بعثه والفتنة قد احتدَّت والحاجة قد اشتدَّت ، ويد الضلال قد امتدَّت ، وظلمات الظلم قد اسودَّت ، والجاهلية قد أخذت نهايتها وبلغت غايتها ، فجاء بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم ، فملك عِنانها وكبت أعيانها , وظهرت آياته في الجبابرة ، فهلكت فرسانها ، وفي القياصرة فنكّست صلبانها ، وفي الأكاسرة فصدّعت إيوانها ، فأوضح على يده المحجّة وأبانها ، صلى الله عليه وعلى آله فروع الأصل الطيب ، فما أثبتها شجرة وأكرم أغصانها .
أيها الناس ، خافوا الله تأمنوا في ضمان وعده الوفي ، ولا تخافوا الخلق وإن كثروا ، فإن الخوف منهم شركٌ خفي ، ألا وإن من خاف الله ، خاف منه كل شيء ، ومن لم يخفِ الله خاف من كل شيء , وإنما يخاف عز الربوبية من عرف من نفسه ذُلّ العبودية ، والاثنان لا يجتمعان في القلب ، ولا تنعقد عليهما النية ، فاختاروا لأنفسكم ، إما الله وإما هذه الدنيا الدنية ، فمن كانت الدنيا أكبر همه لم يزل مهموماً ، ومن كانت زهرتها نصب عينه لم يزل مهزوماً ، ومن كانت جِدّتها غاية وجده لم يزل معدماً حتى يصير معدوماً ، فالله الله عباد الله ، الاعتبار الاعتبار ، فأنتم السعداء إذا وعظتم بالأغيار ، أصلحوا ما فسد ، فإن الفساد مقدمة الدمار ، واسلكوا الجد تنجوا في الدنيا من العار ، وفي الآخرة من النار ، اتقوا الله وأصلحوا تفلحوا ، وسلموا تَسلموا ، وعلى التوبة صمموا واعزموا ، فما أشقى من عقد التوبة بعد هذه العبر ثم حلها ، ألا وإن ذنباً بعد التوبة أقبح من سبعين قبلها . توفي ابن المنير في مستهل ربيع الأول بالثغر .