طرنطاي الأمير الكبير حسام الدين
طرنطاي ، نائب المملكة ، الأمير الكبير حسام الدين ، أبو سعيد المنصوري ، السيفي . كان من رجال العالم رأياً وحزماً ودهاء وذكاءً وشجاعة وسياسة وهيبةً وسطوة ، اشتراه المنصور في حال إمريته من أولاد الموصلي ، فرآه نجيباً لبيباً ، فترقَّى عنده إلى أن جعله أستاذ داره ، وفوّض إليه جميع أموره واعتمد عليه . فلمّا ولي السلطنة جعله نائبه ورد إليه أمر الممالك ، فكان ليس فوق يده يد .
وكان له أثرٌ ظاهر يوم وقعة حمص . وكان السلطان لا يكاد يفارقه إلا لضرورة . وقد سيّره إلى الأمير شمس الدين سُنقُر الأشقر ولمحاصرته ، فدخل دمشق دخولاً مشهوداً لا يكاد يدخله إلا سلطان من التجمُّل والزينة ولعب النِّفط .
ثم سار إلى صهيون وانتزع من سنقر الأشقر بلاده , وحلف له وأنزله ورجع وهو معه . وقد حصل طرنطاي من الأموال والخيل والمماليك والأملاك وغير ذلك ما يفوق الإحصاء . وبنى مدرسةً بالقاهرة ووقف على الأسرى .
وكان مليح الشكل ، مهيباً لم يتكهل . ولمّا تسلطن الملك الأشرف استبقاه أياماً حتى رتب أموره واستقل بالملك ، ثم قبض عليه وكان في نفسه منه ، فبسط عليه العذاب إلى أن أتلفه وصبر المسكين صبراً جميلاً ، فقيل إنه عُصر إلى أن هلك ولم يسمع منه كلمة . وكان بينه وبين علم الدين الشجاعي منافسة وإحن ، فقيل : إن الملك الأشرف سلّمه إليه ليعذبه , ولما مات حُمل إلى زاوية الشيخ عمر السعودي ، فغسلوه وكفّنوه ودفن بظاهر الزاوية ، فذكر فقير من الزاوية قال : لما أتوا به كان له رائحة منكرة جداً ، ولما غسلوه تهرأ وتزايلت أعضاؤه وذكر أن جوفه كان مشقوقاً ، قال ذلك الشيخ قطب الدين .
ثم قال : رحمه الله وعفا عنه فلقد كان معدوم النظير ولولا شُحُّه وبذاذة لسانه لكان أوحد زمانه ، قيل : إنه خلَّف من العين المصري ألف ألف دنيار وستمائة ألف دينار , ومن الكلوتات والحوائص والأواني والأسلحة والمتاجر والخيول والغلمان والأملاك ما لا يحصى كثرةً ، فاستولى الأشرف على المجموع ، وأفضى الحال بأولاده وحُرمه إلى أن بقوا بلا قوت إلا ما يُسيّره لهم بعض الأعيان على سبيل الصلة . إن في ذلك لعبرة . وتوفي ولم يبلغ الخمسين .
قلت : لم يذكر وفاته في أي شهر .