سنقر الأشقر
سنقر الأشقر ، الأمير الكبير ، الملك الكامل ، شمس الدين الصالحي ، من أعيان البحرية . حبسه الملك الناصر بحلب أو غيرها ، فلما استولى هولاكو على الشام وجده محبوسًا فأخرجه وأنعم عليه وأخذه معه ، فبقي عند التتار مكرمًا وتأهل وجاءته الأولاد ، ثم حرص الملك الظاهر خشداشه على خلاصه ، فوقع ابن صاحب سيس في أسره ، فاشترط على والده أن يسعى في خلاص سنقر الأشقر ، وجرت فصول قد ذكرناها ويسر الله وخلص وقدم ، فأكرمه الملك الظاهر وسر بقدومه وأعطاه مائة فارس ، ثم ولي نيابة دمشق سنة ثمان وسبعين ، ثم تسلطن بدمشق في آخر السنة ، وجرت له أمور ذكرنا أكثرها في الحوادث وآخر أمره أن الملك الأشرف صلاح الدين في آخر العام خنقه . رأيته شيخًا أشقر ، كبير اللحية ، ضخمًا ، سمينًا ، على عينيه شعرية من الرمد وكان بطلاً شجاعًا كريمًا محببًا إلى الرعية ، قليل الأذية ، خلف عدة أولاد وبعضهم أمراء ، وله ابن في التتار من مقدميهم ، وأما رنكه فجاخ أسود بين أبيضين ، ثم فوقه وتحته أحمر ، وكان يكتب عامته سنقر الأشقر ومات يوم مات وقد قارب السبعين أو جاوزها .
وكان مصافيًا للظاهر وهما أجناد وبينهما ود ، ثم كان نظيرًا للظاهر في أيام المعز ، ولما تملك الظاهر تذكر صحبته له واشتاق إليه وبلغه بقاؤه مع التتار فحرص على خلاصه كما ذكرنا . ذكر ذلك ابن عبد الظاهر ، فمن جملته أن السلطان من جملة ما خاطب الأمراء : يا أمراء لو وقعت في الأسر ما كنتم تفعلون ؟ فقبلوا الأرض وكان ولد صاحب سيس الذي في الأسر عزيزًا عند أبيه ، فلما أراد السلطان أن يبعثه بالغ في إكرامه وأعطاه من الآلات والنفائس جملة وحلفه له ، فلما وصل إلى أبيه طار عقل أبيه فرحًا به ، ونزل له عن سلطنة الأرمن وانعزل وبعث يقول للظاهر : قد نزلت عن الملك لعتيقك ولدي ، ولما قرب وصول سنقر الأشقر خرج الظاهر يتلقاه سرًا وما شعر الأمراء به إلا وقد خرجا معًا من المخيم ، ثم أعطاه من الأموال والعدد والخيل والغلمان ما أصبح به من أكبر الدولة ، حتى كأنه أصيل في الإمرة ، ثم بادر الأمراء بالتقادم إليه ، وبقي السلطان عدة أيام يسير إليه كل يوم خلعة بكلوتة زركش وكلابند ذهب وحياصة وفرس وبألف دينار ، حتى تعجب الناس ، وأقطعه مائة فارس وعمل نيابة دمشق ثم تسلطن بها ولم يطل ذلك ، ثم استولى على صهيون وشيزر وبلاطنس وبرزية ، ثم أخذت منه شيزر وعوض بأنطاكية ، والتزم بإقامة ستمائة فارس .