محمد بن عثمان بن أبي الرجاء
محمد بن عثمان بن أبي الرجاء ، الوزير الكبير الصاحب الأثير ، شمس الدين التنوخي الدمشقي ، التاجر ، ابن السلعوس وزير الملك الأشرف . كان في شبيبته يسافر في التجارة . وكان أشقر ، سمينًا ، أبيض ، معتدل القامة فصيح العبارة ، حلو المنطق ، وافر الهيبة والتؤدة ، سديد الرأي ، خليقًا للوزارة كامل الأدوات ، تام الخبرة ، زائد الحمق جدًا ، عظيم التيه والبأو .
وكان جارًا للصاحب تقي الدين البيع ، فصاحبه ورأى منه الكفاءة ، فأخذ له حسبة دمشق . ذهبت إليه مع الذهبيين ليحكم فيهم ، فأذاقنا ذلاً وقهرًا . ثم ذهب إلى مصر وتوكل للملك الأشرف في دولة أبيه فجرت عليه نكبة من السلطان ، ثم شفع مخدومه فيه ، فأطلق من الاعتقال .
وحج إلى بيت الله ، فتملك في غيبته مخدومه الملك الأشرف ، وعين له الوزارة . وكان محبًا فيه ، معتمدًا عليه ، فعمل الوزارة في مستحقها . وكان إذا ركب تمشي الأمراء والكبار في خدمته .
ودخل دمشق يوم قدومهم من عكا في دست عظيم وكبكبة من القضاة والمفتين والرؤساء والكتاب ، فلم يتخلف أحد . وكان الشجاعي فمن دونه يقفون بين يديه ، وجميع أمور المملكة منوطة به . وإذا ركب ركب في عدة مماليك ورؤساء وأمراء ، ولا يكاد يرفع رأسه إلى أحد ولا يتكلم إلا الكلمة بعد الكلمة ، قد قتله العجب وأهلكه الكبر ، فنعوذ بالله من مقت الله .
وكان صحيح الإسلام ، جيد العقيدة . فيه ديانة وسنة في الجملة . فارق السلطان كما ذكرنا وسار إلى الإسكندرية في تحصيل الأموال ، وفي خدمته مثل الأمير علم الدين الدواداري ، فصادر متولي الثغر وعاقبه ، فلم ينشب أن جاءه الخبر بقتل مخدومه ، فركب لليلته منها هو وكاتبه الرئيس شرف الدين ابن القيسراني - وقال للوالي : افتح لي الباب حتى أخرج لزيارة قبر القباري .
ففتح له وسافر . وبلغني فيما بعد أن الوالي عرف الحال وشتم الوزير ، ثم أخرجه في ذلة ، وجاء إلى المقس ليلاً ، فنزل بزاوية شيخنا ابن الظاهري ، ولم ينم معظم الليل . واستشار الشيخ في الاختفاء ، فقال له : أنا قليل الخبرة بهذه الأمور ، وأشير عليه بالاختفاء ، فقوى نفسه وقال : هذا لا نفعله ولو فعله عامل من عمالنا لكان قبيحًا .
وقال : هم محتاجون إلي ، وما أنا محتاج إليهم . ثم ركب بكرة ودخل في أبهة الوزارة إلى داره ، فاستمر بها خمسة أيام ، ثم طلب في اليوم السادس إلى القلعة ، وأنزل إلى البلد ماشيًا ، فسلم من الغد إلى عدوه مشد الصحبة الأمير بهاء الدين قراقوش ، سلمه إليه الشجاعي ، فقيل : إنه ضربه ألفًا و مائة مقرعة ، ثم سلم إلى الأمير بدر الدين المسعودي مشد مصر يومئذ حتى يستخلص منه ، فعاقبه وعذبه ، وحمل جملة وكتب تذكرة إلى دمشق بسبعة آلاف دينار مودعة عند جماعة ، فأخذت منهم . ثم مات من العقوبة في تاسع صفر ، وقد أنتن جسمه ، وقطع منه اللحم الميت قبل موته ، نسأل الله العفو والعافية .
ومات في عشر الخمسين أو أكثر .