أحمد بن إبراهيم بن عمر بن الفرج
أحمد بن إبراهيم بن عمر بن الفرج بن أحمد بن سابور بن علي بن غنيمة ، الإمام ، المقرئ ، الواعظ ، المفسر ، الخطيب ، شيخ المشايخ عز الدين ، أبو العباس ابن الإمام الزاهد أبي محمد المصطفوي ، الفاروثي ، الواسطي ، الشافعي ، الصوفي . ولد بواسط في السادس والعشرين من ذي القعدة سنة أربع عشرة وستمائة ، وقرأ القراءات على والده وعلى الحسين بن أبي الحسن بن ثابت الطيبي ، عن أبي بكر ابن الباقلاني . وقدم بغداد سنة تسع وعشرين ، وسمع من عمر بن كرم الدينوري ، والشيخ شهاب الدين عمر السهروردي ولبس منه خرقة التصوف ، وأبي الحسن القطيعي ، وأبي علي الحسن ابن الزبيدي ، وأبي المنجى ابن اللتي ، وأبي صالح الجيلي ، وأبي الفضائل عبد الرزاق ابن سكينة ، والأنجب ابن أبي السعادات ، وأبي الحسن بن روزبة ، والحسين بن علي ابن رئيس الرؤساء ، وعلي بن كبة ، وأبي بكر بن بهروز ، وسعيد بن ياسين ، وأبي بكر ابن الخازن ، وأبي طالب ابن القبيطي وطائفة سواهم .
وسمع بواسط من أبي العباس أحمد بن أبي الفتح ابن المندائي والمرجى بن شقيرة . وسمع بأصبهان من الحسين بن محمود الصالحاني صاحب أبي جعفر الصيدلاني وغيره . وسمع بدمشق من التقي إسماعيل بن أبي اليسر ، وجماعة .
وروى الكثير بالحرمين ، والعراق ، ودمشق ، وسمع منه خلق كثير ، منهم : أبو محمد البرزالي ، فسمع منه بقراءته وقراءة غيره صحيح البخاري وكتابي عبد والدارمي ، وجامع الترمذي ، ومسند الشافعي ، و معجم الطبراني و سنن ابن ماجه ، و المستنير لابن سوار ، و المغازي لابن عقبة ، و فضائل القرآن لأبي عبيد ، ونحوًا من ثمانين جزءًا . ولبس منه الخرقة خلق . وقرأ عليه القراءات جماعة ، منهم : الشيخ جمال الدين إبراهيم البدوي ، والشيخ أحمد الحراني ، والشيخ شمس الدين الأعرج وشمس الدين بن غدير .
وكان فقيهًا ، سلفيًا ، مفتيًا ، مدرسًا ، عارفًا بالقراءات ووجوهها وبعض عللها ، خطيبًا واعظًا ، عابدًا ، صوفيًا ، صاحب أوراد وأخلاق وكرم وإيثار وإيثار ، ومروءة ، وفتوة ، وتواضع ، وعدم تكلف . له أصحاب ومريدون يقتدون بآدابه وينتفعون بصحبته في الدنيا والآخرة ، ويسعهم بخلقه وسخائه ، وبسطه ، وحلمه ، وماله ، وجاهه . وكان كبير القدر ، وافر الحرمة ، له القبول التام من الخاص والعام .
وله محبة في القلوب ، ووقع في النفوس . قدم دمشق من الحجاز ، بعد مجاورة مدة ، سنة تسعين ، فسمع من ابن البخاري ، وابن الواسطي . وكان حسن القراءة للحديث ، فولي مشيخة الحديث بالظاهرية والإعادة بالناصرية ، وتدريس النجيبية .
ثم ولي خطابة البلد بعد زين الدين ابن المرحل ، فكان يخطب من غير تكلف ولا تلعثم . ويخرج من الجمعة وعليه السواد ، فيمشي بها ويشيع جنازة ، أو يعود أحدًا ويعود إلى دار الخطابة . وله نوادر وسجع وحكايات حلوة في لبسه وخطابه وخطابته وكان ظريفًا ، حلو المجالسة ، طيب الأخلاق وكان الشجاعي نائب السلطنة قائلاً به ، معظمًا له .
وكان هو يمشي إليه إلى دار السعادة . وكان بعض الزهاد ينكر ذلك عليه . ثم إنه عزل عن الخطابة بموفق الدين ابن حبيش الحموي ، فتألم لذلك وترك الجهات ، وأودع بعض كتبه ، وكانت كثيرة جدًا ، وسار مع الركب الشامي سنة إحدى وتسعين فحج ، وسار مع حجاج العراق إلى واسط .
وكان لطيف الشكل ، صغير العمامة ، يتعانى الرداء على ظهره ، وكان قد انحنى وانتحل واندك من كثرة الجماع والاشتغال والمطالعة والتهجد في الشيخوخة . وخلف من الكتب ألفين ومائتي مجلدة . توفي بواسط في بكرة يوم الأربعاء سنة أربع في مستهل ذي الحجة ، وصلي عليه بدمشق صلاة الغائب بعد سبعة أشهر .
وسألت الشيخ علي الواسطي الزاهد عن نسبته المصطفوي ، فقال : كان والده الشيخ محيي الدين الفاروثي يذكر أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم ، وواخاه فلهذا كان يكتب المصطفوي . وحدثنا ابن مؤمن المقرئ أنه سمع الشيخ عز الدين لما قدم عليهم واسط وقيل له : كيف تركت الأرض المقدسة وجئت ؟ فقال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول لي : تحول إلى واسط لتموت بها وتدفن عند والدك . قال لي ابن مؤمن : وآخر درس عمله ، عمله بداره ، فطلب إليه الفقهاء ، وأنا حاضر ، فبقي يلقي الكلمات من درسه ثم يغيب من قوة الضعف .
وبقي يطلب إليه الفقهاء ويودعهم ويقول : قد عرض لنا سفر فاجعلونا في حل . وبقينا نتعجب من سفره وقد كبر وضعف ، فلما كان بعد ثلاثة أيام أو نحوها توفي إلى - رحمة الله - وعد ذلك من كراماته . ثم حدثني ابن مؤمن ، قال : حدثنا القدوة علي الواسطي ، قال : قال لنا الشيخ قبل موته بنحو أسبوع : قد عزمت على السفر إلى شيراز في يوم كذا ، وأظنني في ذلك اليوم أموت .
فاتفق موته في ذلك اليوم .