ربيعة بن أبي عبد الرحمن
باب الراء (22 ) ربيعة بن أبي عبد الرحمن - واسم أبي عبد الرحمن فروخ القرشي التيمي التابعي - أبو عثمان ، المعروف بربيعة الرأي ، فقيه أهل المدينة ، أحد الأئمة الثقات ، وعنه أخذ مالك الفقه . يروي عن : أنس ، والسائب بن يزيد ، وابن المسيب ، والحارث بن بلال ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، وغيرهم . وعنه : مالك ، والليث ، والدراوردي ، وأبو ضمرة وإسماعيل بن جعفر ، وسفيان الثوري ، وسليمان بن بلال ، وغيرهم .
احتج به الشيخان . وأطلق أحمد بن حنبل ، والعجلي ، وأبو حاتم ، والنسائي ، ويعقوب بن شيبة القول بتوثيقه . زاد أحمد بن حنبل : أبو الزناد أعلم منه .
وزاد يعقوب : أحد مفتي المدينة ، وذكر : أن والده فروخ خرج في البعوث إلى خراسان أيام بني أمية غازيا ، وربيعة حمل في بطن أمه ، وخلف عند أمه ثلاثين ألف دينار فقدم المدينة بعد سبع وعشرين سنة ، وقد أنفقت المال عليه ، ولما خرج إلى المسجد ، وأبصر حلقته فيها أشراف أهل المدينة ، سر بذلك ، وقال لها : إنك لم تضيعي المال . وقال يحيى بن سعيد : ما رأيت أفطن من ربيعة . وقال عبيد الله بن عمر : هو صاحب معضلاتنا ، وعالمنا ، وأفضلنا .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : مكث دهرا طويلا يصلي الليل والنهار ، ثم جالس القوم فنطق بلب وعقل . وكان القاسم إذا سئل عن شيء فإن كان في كتاب الله ، أو سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - أخبرهم ، وإلا قال : سلوا عن هذا ربيعة ، أو سالما . وكان يحيى بن سعيد كثير الحديث ، فإذا حضر ربيعة كف إجلالا له ، ولم يكن ربيعة بأسن منه .
وقال سوار بن عبد الله العنبري : ما رأيت أعلم منه ، قيل له : ولا الحسن ، وابن سيرين ؟ قال : ولا الحسن وابن سيرين . وقال عبد العزيز بن أبي سلمة : لما جئت العراق قالوا لي : حدثنا عن ربيعة الرأي ، فقلت لهم : تقولون هذا ، والله ما رأيت أحدا أحفظ لسنة منه . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : صار ربيعة إلى فقه وفضل ، وما كان بالمدينة رجل أسخى منه ، كان يستصحب القوم ، فيأبى صحبة أحد إلا رجلا لا زاد معه ، ولم يكن في يده ما يحمل ذلك .
أمر له أبو العباس بجائزة فأبى أن يقبلها . وكان يذكر مع جلة التابعين في الفتوى بالمدينة ، وكان مالك يفضله ويثني عليه في الفقه والفضل ، على أنه ممن اعتزل حلقته لإغراقه في الرأي ، وكان يقول : ذهبت حلاوة الفقه مذ مات ربيعة . وعن ابن أبي أويس قال : سمعت خالي مالك بن أنس يقول : كانت أمي تلبسني الثياب ، وتعممني ، وأنا صبي وتوجهني إلى ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وتقول : يا بني إيت مجلس ربيعة ، فتعلم من سمته وأدبه قبل أن تتعلم من حديثه وفقهه .
وقال مالك : وجدت ربيعة يوما يبكي ، فقيل له : ما الذي أبكاك ؟ أمصيبة نزلت بك ؟ فقال : لا ، ولكن أبكاني أنه استفتي من لا علم له . وكان عبد العزيز بن أبي سلمة يجلس إلى ربيعة ، فلما حضرت ربيعة الوفاة ، قال له عبد العزيز : يا أبا عثمان ، إنا قد تعلمنا منك ، وربما جاءنا من يستفتينا في الشيء لم نسمع فيه شيئا ، فنرى أن رأينا له خير من رأيه لنفسه فنفتيه ؟ فقال ربيعة : أجلسوني ، فجلس ، ثم قال : ويحك يا عبد العزيز ، لأن تموت جاهلا خير لك من أن تقول في شيء بغير علم ، لا ، لا ، ثلاث مرات . وعن الدراوردي قال : إذا قال مالك : وعليه أدركت أهل بلدنا ، وأهل العلم ببلدنا ، والأمر المجتمع عليه عندنا ، فإنه يريد ربيعة ، وابن هرمز .
وقال مالك : لما خرج ربيعة إلى العراق ، قال لي : إن سمعت أني حدثتهم شيئا أو أفتيتهم فلا تعدني شيئا ، قال : فكان كما قال . وقال لبعض من يفتي : هاهنا أحق بالسجن من السراق . قال ابن الصلاح : قيل : إنه تغير في آخر عمره ، وترك الاعتماد عليه لذلك ، انتهى .
قال الأبناسي : وما تعرض أحد لاختلاطه ، ووثقه الجماعة ، إلا أن النباتي أورده في ذيل الكامل وقال : إن البستي - وهو ابن حبان - ذكر في الزيادات مقتصرا على قول ربيعة لابن شهاب : إن حالي ليست تشبه حالك ، أنا أقول برأي من شاء أخذه . وذكر البخاري قول ربيعة هذا في التاريخ الكبير . وقال ابن سعد بعد توثيقه : كانوا يتقونه لموضع الرأي ، انتهى .
وقال ابن عبد البر : وكان سفيان بن عيينة ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل لا يرضون عن رأيه ؛ لأن كثيرا منه يوجد له بخلاف المسند الصحيح ؛ لأنه لم يتسع فيه ، فضحه فيه ابن شهاب ، وكان أبو الزناد معاديا له ، وكان أعلم منه ، وكان ربيعة أورع ، وقد ذمه جماعة من أهل الحديث لإغراقه في الرأي . انتهى . وروى ابن عبد البر أيضا في كتاب جامع بيان العلم بإسناده إلى مالك قال : قال لي ابن هرمز : لا تمسك على شيء مما سمعت مني من هذا الرأي ، فأنا أفتخر به أنا وربيعة ، فلا تتمسك به .
قال : والذين ابتدعوا الرأي ثلاثة وكلهم من أبناء سبايا الأمم وهم ربيعة بالمدينة ، وعثمان البتي بالبصرة ، وفلان بالكوفة . قال : وذكر العقيلي في التاريخ الكبير بإسناده إلى الليث قال : رأيت ربيعة في المنام فقلت له : ما حالك ؟ فقال : صرت إلى خير إلا أني لم أحمد على كثير مما خرج مني من الرأي . انتهى .
قال الأبناسي : لم يتكلم فيه أحد إلا من جهة الرأي لا من جهة الاختلاط ، مع أنه قد يراه غير واحد من الرأي . انتهى . روى له : البخاري ، ومسلم بفخ ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي وابن ماجه .
وتوفي بالمدينة سنة ست وثلاثين ومائة .