حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن ملاعب، حدثنا مالك بن إسماعيل، عن حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إني ممسك بحجزكم عن النار، وتقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب، ويوشك أن أرسل حجزكم، وأنا فرط لكم على الحوض، فتردون علي معا وأشتاتا - يقول: جميعا - فأعرفكم بأسمائكم وبسيمائكم، كما يعرف الرجل الغريبة من الإبل في إبله، فيذهب بكم ذات الشمال، وأناشد فيكم رب العالمين، فأقول: يا رب أمتي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم كانوا يمشون القهقرى بعدك. فلأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء ينادي: يا محمد يا محمد! فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغت. ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل بعيرا له رغاء، ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسا له حمحمة ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغت. ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل قشعا من أدم ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا . قال أبو محمد: قوله: آخذ بحجزكم عن النار الحجزة: مشد الإزار، وقد تقدم ذكرها. وقوله: يوشك أن أرسل حجزكم يقول: يوشك أن أفارقكم، ويحول الموت بيني وبينكم، ويوشك في معنى يسرع، وهو بكسر الشين، قال الشاعر ( من المنسرح ) : يوشك من فر من منيته في بعض غراته يوافقها وقوله: وأنا فرط لكم على الحوض يقول: أتقدمكم وأسبقكم إليه، وفارط القوم الذي يتقدمهم إلى الماء، وفعله: فرط يفرط فرطا. وقوله: فتردون علي معا وأشتاتا يقول: جميعا ومتفرقين، فأعرفكم بسيمائكم، السيماء العلامة التي يعرف بها الخير والشر من الإنسان، قال الله عز وجل : سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ (48|29) وقال : يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ (55|41) والسيماء مثله ممدود، وأنشدنا أبو خليفة، قال: أنشدنا التوزي ( من الطويل ) : غلام رماه الله بالحسن يافعا له سيمياء لا تشق على البصر وقوله: فيذهب بكم ذات الشمال، يعني طريق الحساب والعقاب، وقوله: أناشد فيكم رب العالمين يقول: أطلب إليه وأسأله العفو عنكم والتجاوز عن سيئاتكم، وهو كما يقول القائل: نشدتك بالله والرحم. وقوله: إنهم كانوا يمشون القهقرى بعدك معناه: كانوا يخالفون أمرك، ويسلكون غير سبيلك، والقهقرى: أن يمشي الإنسان موليا. وقوله: يحمل شاة لها ثغاء الثغاء: صوت الشاء، تقول: ثغت الشاة تثغو ثغاء، ورغا البعير يرغو رغاء، والحمحمة: صوت الفرس، وهو دون الصهيل. قال أبو عبيد: هو صوت الفرس للشعير، والقشع من أدم، وربما اتخذ من جلود الإبل، يحرز فيه أهل البدو أمتعتهم، وهو موضع الخزانة من أهل الحاضرة، قال متمم ( من الطويل ) : ولا برم تهدي النساء لعرسه إذا القشع من حس الشتاء تقعقعا يقول: إنه يخف في الشتاء للمحل، وهذا في الغلول، كما قال الله عز وجل : وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ (3|161). وقد تضمن الحديث تذكيرا، وتخويفا، وموعظة، يقع خطابها عاما، ومعناه الخصوص، وعلى هذا سائر الكلام المؤلف في الخطب والمواعظ، كقول الواعظ: كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق فيها على غيرنا وجب، وقد نسينا كل واعظة، وأمنا كل جائحة، وهذا من كلام يروى عنه صلى الله عليه وسلم في خطبة له معروفة، وهو من أخبر الله أن تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وأن: وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ من هذا الخطاب خارجون، وقال الله عز وجل: يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ والمراد بهذا الخطاب أهل البغي، وتقديره: يا أيها الباغون، فأما: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ فبعداء من البغي، خارجون من هذا النعت. وإنما استقصيت القول في هذا مع وضوحه وظهوره؛ لأن من الشيوخ من يتهيب رواية هذا الحديث مقدرا أنه يتعلق بشيء من ذم الصحابة أهل الهجرة والنصرة. وحضرت موسى بن هارون وهو يقرأ علينا كتاب الزهد لسيار بن حاتم، فمر بهذا الحديث فطواه وامتنع من روايته، وهذا مذهب من لا يتعلق من الحديث إلا بالرواية، ويقول فيما يقوم في نفسه على تزوير الرواة والطعن عليهم. وكان بعض أصحابنا يزعم أن هذا الخطاب إنما هو لأهل الردة، الذين منعوا الصدقة؛ إذ كان الله قد أعلم نبيه أنهم يرتدون ويمنعون الصدقة، ويصرف قوله: يحمل شاة لها ثغاء، وبعيرا له رغاء إلى هذا الوجه، يقول: يمنع حق الله عز وجل فيها، ويمنع حق الله في فرسه في ارتباطه والجهاد عليه، وفيما يحرزه ويدخره في قشعه، وعلى أن بعض الفقهاء قد أوجب الصدقة في الخيل، وهو قول حماد بن أبي سليمان. وقال الأوزاعي: إذا كانت الدواب للبيع ففيها الصدقة، وقال أبو حنيفة: إذا كانت خيلا فيها إناث، فطلب نسلها ففيها الصدقة، في كل أربعين فرسا فرس، وقال بعضهم في الخيل السائمة: إن المصدق بالخيار، إن شاء أخذ من كل فرس دينارا، أو عشرة دراهم، وإن شاء قومها ثم أخذ من كل مائتي درهم خمسة دراهم، وهذا القول لزفر. قال أبو يوسف: ليس هذا بشيء. وفي قوله: يحمل شاة وبعيرا وفرسا، وجهان، أحدهما: أن يكون حمله له على التمثيل والمجاز، بمعنى أن يحمل وزره ويبوء بإثمه، والوجه الآخر: أن يكون على ظاهره، فيجعل حمله له عقوبة له ومثلة كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في مانع حق الله عز وجل في غنمه : أنه يبطح لها بقاع قرقر، تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها . وقال الله عز وجل في مانع الزكاة: يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ .
أمثال الحديث
أمثال الحديثص 30 أمثال الحديثص 36 حدثنا أبي، حدثنا أبو الخطاب الحساني، حدثنا يزيد بن زريع، حدثني روح بن القاسم، حدثني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما من عبد له مال، لا يؤدي زكاته، إلا جمع له يوم القيامة فيحمى عليه صفائح في جهنم، ويكوى بها جبينه من ظهره حتى يقضي الله عز وجل بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله: إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها، إلا يجاء بها يوم القيامة كأكبر ما كانت عليهن، يبطح لها بقاع قرقر تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء، كلما مضت عليه أخراها ردت عليه أولاها، حتى يقضي الله عز وجل بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار، قيل: يا رسول الله والخيل، قال: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، والخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولآخر ستر، ولآخر وزر، فأما التي هي له أجر، فرجل يحبسها ويعدها في سبيل الله، فما غيبت في بطونها فهو له أجر، ولو رعاها في مرج كان له فيما غيبت أجر، ولو استنت شرفا أو شرفين كان له بكل خطوة خطتها أجر، ولو عرض لها نهر فسقاها منه كان له بكل قطرة غيبتها في بطونها أجر، حتى إنه ليذكر الأجر في أرواثها وأبوالها، وأما التي هي له ستر فرجل يتخذها تعففا وتجملا وتكرما، ولا ينسى حق الله في ظهورها ولا بطونها في عسره ويسره، وأما التي هي عليه وزر فرجل يتخذها أشرا وبطرا ورياء الناس وبذخا، قيل: يا رسول الله، فالحمر؟ قال: ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ قال أبو محمد: قوله: في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فإني سمعت أبا عبد الله بن عرفة يقول: ذهب ناس إلى أن الله عز وجل يفعل فيه من الأفعال ما يفعل مثله في خمسين ألف سنة، قال: وأما كلام العرب فإنهم يصفون أيام الشدة ولياليها بالطول، وأيام الرخاء والسرور بالقصر، وإنما يراد شدة ذلك اليوم وثقله وعظمه وهوله، كما قال الشاعر ( من الطويل ) : تعالوا أعينوني على الليل إنه على كل عين لا تنام طويل فاعلم أنه يطول على الساهر لشدته عليه، ولا زيادة في الليل ولا نقصان في المقدار الذي قدره الله عز وجل، وقال آخر يذكر يوما بالشدة ( من الطويل ) : فقلت لأصحابي مشيرا إليهم أذا اليوم أم يوم القيامة أطول؟ وقال ابن أبي كاهل ( من الرمل ) : كلما قلت مضى أوله عطف الآخر منه فرجع وقال آخر في قصر أيام السرور ( من الطويل ) : تمتع بذا اليوم القصير فإنه رهين بأيام الشهور الأطاول وقال ابن أبي ربيعة ( من الطويل ) : فيا لك من ليل تقاصر طوله وما كان ليلي قبل ذلك يقصر وقال حميد بن ثور الهلالي ( من الطويل ) : وكائن لهونا من ربيع مسرة وصيف لهوناه قصير ظهائره