ما ذكر من علم الأوزاعي وفقهه
ومن العلماء الجهابذة النقاد من أهل الشام . عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ما ذكر من علم الأوزاعي وفقهه حدثنا عبد الرحمن ، نا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي ، حدثني محمد بن عبد الوهاب ، قال : كنت عند أبي إسحاق الفزاري ، فذكر الأوزاعي فقال : إن ذاك الرجل كان شأنه عجب ، كان يسأل عن الشيء الذي عندنا فيه الأثر فيقول للسائل : ما عندي فيه شيء ، فيبتلى بلجاجته حتى يرد عليه الجواب ، فلا يعدو الأثر الذي عندنا . فقال آخر : يا أبا إسحاق ، هذا شبيه بالوحي ، فغضب ، ثم قال : من هذا تعجب ؟ كان والله يرد على الجواب كما هو عندنا في الأثر ، لا يقدم منه مؤخرا ولا يؤخر منه مقدما .
حدثنا عبد الرحمن ، نا أبي ، نا أحمد بن إبراهيم الدورقي ، حدثني القاسم بن سلام قال : أخبرني عبد الرحمن بن مهدي قال : ما كان بالشام أحد أعلم بالسنة من الأوزاعي . حدثنا عبد الرحمن ، ثنا أبو عبد الله الطهراني قال : سمعت عبد الرزاق يقول : أول من صنف الكتب ابن جريج ، وصنف الأوزاعي حين قدم على يحيى بن أبي كثير كتبه . حدثنا عبد الرحمن ، نا العباس بن الوليد بن مزيد ، أخبرني دحيم قال : سمعت أبا مسهر يقول : أخبرني هقل بن زياد أن الأوزاعي أجاب في سبعين ألف مسألة .
حدثنا عبد الرحمن أنا العباس بن الوليد بن مزيد ، نا العباس بن نجيح ، نا عون بن حكيم قال : خرجت مع الأوزاعي حاجا فلما أتينا المدينة أتى الأوزاعي المسجد وبلغ مالكا مقدمه ، فأتاه مسلما عليه فجلسا من بعد صلاة الظهر يتذاكران العلم فلم يذكرا بابا من أبوابه إلا غلب الأوزاعي عليه فيه ، ثم حضرت صلاة العصر فصليا ثم جلسا وعاودا المذاكرة كل ذلك يغلب عليه الأوزاعي فيما يتذاكران ، فلما اصفرت الشمس ناظره في باب المكاتب والمدبر فخانقه مالك بن أنس فيه . حدثنا عبد الرحمن ، نا العباس بن الوليد بن مزيد قال : سمعت أبي يقول : ما سمعت كلام متكلم إلا وإذا كررته خلق غير كلام الأوزاعي ؛ فإنك كلما كررت النظر فيه زاد حلاوة . حدثنا عبد الرحمن ، نا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي ، نا محمد بن هلال ، حدثني عبد الحميد بن حبيب - يعني : ابن أبي العشرين - قال : قلت لمحمد بن شعيب بن شابور : أنشدك الله ومقامك بين يديه لقيت أفقه في دين الله من الأوزاعي ؟ قال : اللهم لا ، قال : قلت : فأورع منه ؟ قال : لا ، قلت : فأحلم منه ؟ قال : ولا .
حدثنا عبد الرحمن ، نا العباس بن الوليد بن مزيد ، حدثني عبيد بن حيان قال : أتيت مجلس مالك بن أنس وهو عنه غائب ، فقلت لأصحاب مالك : ما يقول أبو عبد الله في مسألة كذا وكذا ؟ فأجابوا فيه ، فقلت : ما هكذا قال أبو عمرو ، قالوا : وما قال أبو عمرو ؟ قلت : كذا وكذا بخلاف ما قالوه ، قال : فتضاحكوا بي فإني لكذلك إذ أقبل مالك ، فلما جلس قالوا : يا أبا عبد الله ألا تسمع ما يحدث الشامي عن الأوزاعي ؟ قال : فقلت : ما تقول أنت في مسألة كذا وكذا ؟ فأجاب بمثل جوابهم ، فقلت : ما هكذا قال أبو عمرو . فقال : كلف الشيخ فتكلف ، فتضاحكوا ، فمر بي ساعة الله أعلم ، وعلت مالكا سكتة فأخلد برأسه الأرض مليا ثم رفع رأسه وقال : القول ما قال أبو عمرو ، فرأيتهم وقد عاد ما كان بي بهم . حدثنا عبد الرحمن ، سمعت أبي يقول وسئل عن الأوزاعي ، فقال : الأوزاعي فقيه متبع لما سمع .
حدثنا عبد الرحمن ، نا العباس بن الوليد بن مزيد ، نا أبي ، حدثني يزيد بن عبد الله بن صالح البيروتي قال : كان سبب طلب الأوزاعي العلم أنه ضرب عليه بعث - يعني : إلى اليمامة - فلما دخلوا مسجدها ويحيى بن أبي كثير جالس في المسجد فنظر إليهم ، فقال : أما إنه إن كان عند أحد من هؤلاء القوم خير فهو عند هذا الفتى - يعني : الأوزاعي - ثم مر به وهو قائم يصلي فقال لجلسائه : ما رأيت مصليا قط أشبه بعمر بن عبد العزيز بصلاته من هذا الفتى . قال : فلقيه شيخ كان جليسا ليحيى فقال : يا فتى ، إن شيخنا لا يزال يحسن ذكرك ، قال : فأتاه الأوزاعي كأنه أراد أن يقضي ذمامه ، فلما سمع العلم ونشفه قلبه رفض الديوان وأقبل على يحيى ، يعني ابن أبي كثير . حدثنا عبد الرحمن ، نا العباس بن الوليد بن مزيد ، حدثني عبد الحميد بن بكار قال : كنت عند سعيد بن عبد العزيز ، فجاءه رجل فقال : يا أبا محمد ، متى أبان الرواح إلى الجمعة ؟ فقال له : أتيت بيروت ؟ قال : نعم ، قال : فرأيت ابن عمرو ؟ قال : نعم ، قال : فقد كفاك من كان قبله .
حدثنا عبد الرحمن ، نا العباس بن الوليد قال : سمعت أبي يقول : كفانا الأوزاعي من كان قبله . حدثنا عبد الرحمن ، نا أبي ، نا دحيم قال : قال أبو مسهر : لما توفي مكحول جلسوا إلى يزيد بن يزيد بن جابر وكان طويل السكوت ، فلما رأوا سكوته جلسوا إلى سليمان بن موسى ، فلما توفي سليمان بن موسى جلسوا إلى العلاء بن الحارث ، فلما ولي ابن سراقة قال : من فقيه الجند ؟ قالوا : قيس الأعمى . قال : لقد ضاع جند فقيهها قيس الأعمى .
قال : فبعث إلى الأوزاعي فأقدمه من بيروت ، فكان يفتي بها ، يعني : بدمشق . حدثنا عبد الرحمن ، نا محمد بن أحمد بن البراء قال : قال علي ابن المديني : نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة : الزهري وعمرو بن دينار وقتادة ويحيى بن أبي كثير وأبو إسحاق الهمداني والأعمش ، ثم صار علم هؤلاء الستة من أهل الشام إلى عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي .