باب ما لقي أبي من المقاساة في طلب العلم من الشدة
الثالث كل يوم نمشي إلى الليل ، فإذا جاء المساء صلينا وألقينا بأنفسنا حيث كنا وقد ضعفت أبداننا من الجوع والعطش والعياء ، فلما أصبحنا اليوم الثالث جعلنا نمشي على قدر طاقتنا فسقط الشيخ مغشيا عليه ، فجئنا نحركه وهو لا يعقل فتركناه ومشينا أنا وصاحبي النيسابوري قدر فرسخ أو فرسخين فضعفت وسقطت مغشيا علي ومضى صاحبي وتركني فلم يزل هو يمشي إذ بصر من بعيد قوما قد قربوا سفينتهم من البر ونزلوا على بئر موسى صلى الله عليه وسلم ، فلما عاينهم لوح بثوبه إليهم فجاءوه معهم الماء في إداوة فسقوه وأخذوا بيده فقال لهم الحقوا رفيقين لي قد ألقوا بأنفسهم مغشيا عليهم فما شعرت إلا برجل يصب الماء على وجهي ففتحت عيني ، فقلت : اسقني ، فصب من الماء في ركوة أو مشربة شيئا يسيرا فشربت ورجعت إلي نفسي ولم يروني ذلك القدر فقلت : اسقني ، فسقاني شيئا يسيرا ، وأخذ بيدي ، فقلت : ورائي شيخ ملقى ، قال : قد ذهب إلى ذاك جماعة ، فأخذ بيدي وأنا أمشي أجر رجلي ويسقيني شيئا بعد شيء حتى إذا بلغت إلى عند سفينتهم وأتوا برفيقي الثالث الشيخ وأحسنوا إلينا أهل السفينة فبقينا أياما حتى رجعت إلينا أنفسنا ، ثم كتبوا لنا كتابا إلى مدينة يقال لها : راية إلى واليهم ، وزودونا من الكعك والسويق والماء ، فلم نزل نمشي حتى نفذ ما كان معنا من الماء والسويق والكعك ، فجعلنا نمشي جياعا عطاشا على شط البحر حتى وقعنا إلى سلحفاة قد رمى به البحر مثل الترس ، فعمدنا إلى حجر كبير فضربنا على ظهر السلحفاة ، فانفلق ظهره ، وإذا فيها مثل صفرة البيض فأخذنا من بعض الأصداف الملقى على شط البحر فجعلنا نغترف من ذلك الأصفر فنتحساه حتى سكن عنا الجوع والعطش ، ثم مررنا وتحملنا حتى دخلنا مدينة الراية وأوصلنا الكتاب إلى عاملهم ، فأنزلنا في داره وأحسن إلينا وكان يقدم إلينا كل يوم القرع ، ويقول لخادمه : هاتي لهم باليقطين المبارك ، فيقدم إلينا من ذاك اليقطين مع الخبز أياما ، فقال واحد منا بالفارسية : لا تدعو باللحم المشؤوم ؟ وجعل يسمع الرجل صاحب الدار ، فقال : أنا أحسن بالفارسية فإن جدتي كانت هروية فأتانا بعد ذلك باللحم ، ثم خرجنا من هناك وزودنا إلى أن بلغنا مصر .