حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ
حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنُ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ . الْإِمَامُ الْبَطَلُ الضِّرْغَامُ أَسَدُ اللَّهِ أَبُو عُمَارَةَ ، وَأَبُو يَعْلَى الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ الْمَكِّيُّ ثُمَّ الْمَدَنِيُّ الْبَدْرِيُّ الشَّهِيدُ ، عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَخُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ لَمَّا أَسْلَمَ حَمْزَةُ ، عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِ امْتَنَعَ ، وَأَنَّ حَمْزَةَ سَيَمْنَعُهُ ، فَكَفُّوا عَنْ بَعْضِ مَا كَانُوا يَنَالُونَ مِنْهُ .
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ ، عَنْ عَلِيٍّ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : نَادِ حَمْزَةَ ، فَقُلْتُ : مَنْ هُوَ صَاحِبُ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ ؟ فَقَالَ حَمْزَةُ : هُوَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ . فَبَارَزَ يَوْمَئِذٍ حَمْزَةُ عُتْبَةَ فَقَتَلَهُ . وَرَوَى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، نِسَاءَ الْأَنْصَارِ يَبْكِينَ عَلَى هَلْكَاهُنَّ ، فَقَالَ : لَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بِوَاكِيَ لَهُ .
فَجِئْنَ فَبَكَيْنَ عَلَى حَمْزَةَ عِنْدَهُ ، إِلَى أَنْ قَالَ : مُرُوهُنَّ لَا يَبْكِينَ عَلَى هَالِكٍ بَعْدَ . الْيَوْمِ وَفِي كِتَابِ الْمُسْتَدْرَكِ لِلْحَاكِمِ : عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا : سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ ، فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ ، فَقَتَلَهُ . قُلْتُ : سَنَدُهُ ضَعِيفٌ .
الدَّغُولِيُّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ ، حَدَّثَنَا رَافِعُ بْنُ أَشْرَسَ ، حَدَّثَنَا خُلَيْدٌ الصَّفَّارُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ هَذَا غَرِيبٌ . أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ : عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، يَوْمَ أُحُدٍ ، فَسَمِعَ نِسَاءَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَبْكِينَ عَلَى هَلْكَاهُنَّ ، فَقَالَ : لَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بِوَاكِيَ لَهُ . فَجِئْنَ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ ، فَبَكَيْنَ عَلَى حَمْزَةَ عِنْدَهُ ، فَرَقَدَ ، فَاسْتَيْقَظَ وَهُنَّ يَبْكِينَ ، فَقَالَ : يَا وَيْحَهُنَّ ! أَهُنَّ هَاهُنَا حَتَّى الْآنَ ، مُرُوهُنَّ فَلْيَرْجِعْنَ ، وَلَا يَبْكِينَ عَلَى هَالِكٍ بَعْدَ الْيَوْمِ .
ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ ، قَالَ : خَرَجْتُ أَنَا وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ غَازِيَيْنِ ، فَمَرَرْنَا بِحِمْصَ - وَكَانَ وَحْشِيٌّ بِهَا - فَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : هَلْ لَكَ أَنْ نَسْأَلَ وَحْشِيًّا كَيْفَ قَتَلَ حَمْزَةَ . فَخَرَجْنَا نُرِيدُهُ ، فَسَأَلْنَا عَنْهُ ، فَقِيلَ لَنَا : إِنَّكُمَا سَتَجِدَانِهِ بِفِنَاءِ دَارِهِ عَلَى طِنْفَسَةٍ لَهُ ، وَهُوَ رَجُلٌ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْخَمْرُ ، فَإِنْ تَجِدَاهُ صَاحِيًا ، تَجِدَا رَجُلًا عَرَبِيًّا ، فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا نَحْنُ بِشَيْخٍ كَبِيرٍ أَسْوَدَ مِثْلِ الْبُغَاثِ عَلَى طِنْفَسَةٍ لَهُ ، وَهُوَ صَاحٍ ، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ ، فَقَالَ : ابْنٌ لِعَدِيٍّ وَاللَّهِ ابْنُ الْخِيَارِ أَنْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُكَ مُنْذُ نَاوَلْتُكَ أُمَّكَ السَّعْدِيَّةَ الَّتِي أَرْضَعَتْكَ بِذِي طُوَى ، وَهِيَ عَلَى بَعِيرِهَا ، فَلَمَعَتْ لِي قَدَمَاكَ .
قُلْنَا : إِنَّا أَتَيْنَا لِتُحَدِّثَنَا كَيْفَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ . قَالَ : سَأُحَدِّثُكُمَا بِمَا حَدَّثْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُنْتُ عَبْدَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، وَكَانَ عَمُّهُ طُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَقَالَ لِي : إِنْ قَتَلْتَ حَمْزَةَ ، فَأَنْتَ حُرٌّ ، وَكُنْتُ صَاحِبَ حَرْبَةٍ أَرْمِي قَلَّمَا أُخْطِئُ بِهَا ، فَخَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ ، فَلَمَّا الْتَقَوْا ، أَخَذْتُ حَرْبَتِي ، وَخَرَجْتُ أَنْظُرُ حَمْزَةَ ، حَتَّى رَأَيْتُهُ فِي عُرْضِ النَّاسِ مِثْلَ الْجَمَلِ الْأَوْرَقِ يَهُدُّ النَّاسَ بِسَيْفِهِ هَدًّا مَا يُلِيقُ شَيْئًا ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَتَهَيَّأُ لَهُ إِذْ تَقَدَّمَنِي إِلَيْهِ سِبَاعُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى الْخُزَاعِيُّ ، فَلَمَّا رَآهُ حَمْزَةُ ، قَالَ : هَلُمَّ إِلَيَّ يا ابْنَ مُقَطَّعَةِ الْبُظُورِ . ثُمَّ ضَرَبَهُ حَمْزَةُ ، فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ مَا أَخْطَأَ رَأْسَهُ ، مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ كَانَ أَسْرَعَ مِنْ سُقُوطِ رَأْسِهِ .
فَهَزَزْتُ حَرْبَتِي ، حَتَّى إِذَا رَضِيتُ عَنْهَا ، دَفَعْتُهَا عَلَيْهِ ، فَوَقَعَتْ فِي ثُنَتِهِ حَتَّى خَرَجَتْ بَيْنَ رِجْلَيْهِ فَوَقَعَ ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ فَغُلِبَ ، فَتَرَكْتُهُ وَإِيَّاهَا ، حَتَّى إِذَا مَاتَ قُمْتُ إِلَيْهِ ، فَأَخَذْتُ حَرْبَتِي ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى الْعَسْكَرِ فَقَعَدْتُ فِيهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِي حَاجَةٌ بِغَيْرِهِ . فَلَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ ، هَرَبْتُ إِلَى الطَّائِفِ . فَلَمَّا خَرَجَ وَفْدُ الطَّائِفِ لِيُسْلِمُوا ، ضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ، وَقُلْتُ : أَلْحَقُ بِالشَّامِ ، أَوْ الْيَمَنِ ، أَوْ بَعْضِ الْبِلَادِ .
فَوَاللَّهِ إِنِّي لَفِي ذَلِكَ مِنْ هَمِّي ، إِذْ قَالَ رَجُلٌ : وَاللَّهِ إِنْ يَقْتُلُ مُحَمَّدٌ أَحَدًا دَخَلَ فِي دِينِهِ . فَخَرَجْتُ حَتَّى قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَقَالَ : وَحْشِيٌّ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ .
قَالَ : اجْلِسْ ، فَحَدِّثْنِي كَيْفَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ . فَحَدَّثْتُهُ كَمَا أُحَدِّثُكُمَا ، فَقَالَ : وَيْحَكَ ! غَيِّبْ عَنِّي وَجْهَكَ ، فَلَا أَرَيَنَّكَ . فَكُنْتُ أَتَنَكَّبُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ كَانَ ، حَتَّى قُبِضَ .
فَلَمَّا خَرَجَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى مُسَيْلِمَةَ خَرَجْتُ مَعَهُمْ بِحَرْبَتِي الَّتِي قَتَلْتُ بِهَا حَمْزَةَ ، فَلَمَّا الْتَقَى النَّاسُ ، نَظَرْتُ إِلَى مُسَيْلِمَةَ وَفِي يَدِهِ السَّيْفُ ، فَوَاللَّهِ مَا أَعْرِفُهُ ، وَإِذَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُرِيدُهُ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى ، فَكِلَانَا يَتَهَيَّأُ لَهُ ، حَتَّى إِذَا أَمْكَنَنِي ، دَفَعْتُ عَلَيْهِ حَرْبَتِي ، فَوَقَعَتْ فِيهِ ، وَشَدَّ الْأَنْصَارِيُّ عَلَيْهِ ، فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ ، فَرَبُّكَ أَعْلَمُ أَيُّنَا قَتَلَهُ ، فَإِنْ أَنَا قَتَلْتُهُ ، فَقَدْ قَتَلْتُ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقَتَلْتُ شَرَّ النَّاسِ . وَبِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ : قَتَلَهُ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ يَعْنِي مُسَيْلِمَةَ . أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، عَلَى حَمْزَةَ وَقَدْ جُدِعَ وَمُثِّلَ بِهِ ، فَقَالَ : لَوْلَا أَنْ تَجِدَ صَفِيَّةُ فِي نَفْسِهَا ، لَتَرَكْتُهُ حَتَّى يَحْشُرَهُ اللَّهُ مِنْ بُطُونِ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ .
وَكُفِّنَ فِي نَمِرَةٍ إِذَا خُمِّرَ رَأْسُهُ ، بَدَتْ رِجْلَاهُ ، وَإِذَا خُمِّرَتْ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ ، وَقَالَ : أَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ ، وَكَانَ يَجْمَعُ الثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ ، وَالِاثْنَيْنِ فَيَسْأَلُ : أَيُّهُمَا أَكْثَرُ قُرْآنًا؛ فَيُقَدِّمُهُ فِي اللَّحْدِ ، وَكَفَّنَ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي ثَوْبٍ . ابْنُ عَوْنٍ : عَنْ عُمَيْرِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، قَالَ : كَانَ حَمْزَةُ يُقَاتِلُ يَوْمَ أُحُدٍ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَيْفَيْنِ وَيَقُولُ : أَنَا أَسَدُ اللَّهِ . رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ عُمَيْرٍ ، مُرْسَلًا ، وَزَادَ : فَعَثَرَ فَصُرِعَ مُسْتَلْقِيًا ، وَانْكَشَفَتِ الدِّرْعُ عَنْ بَطْنِهِ ، فَزَرَقَهُ الْعَبْدُ الْحَبَشِيُّ ، فَبَقَرَهُ .
عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمَاجُشُونِ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرٍو الضَّمْرِيِّ ، قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ ابْنِ الْخِيَارِ إِلَى الشَّامِ ، فَسَأَلْنَا عَنْ وَحْشِيٍّ ، فَقِيلَ : هُوَ ذَاكَ فِي ظِلِّ قَصْرِهِ كَأَنَّهُ حَمِيتٌ . فَجِئْنَا ، فَسَلَّمْنَا وَوَقَفْنَا يَسِيرًا . وَكَانَ ابْنُ الْخِيَارِ مُعْتَجِرًا بِعِمَامَتِهِ مَا يَرَى وَحْشِيٌّ إِلَّا عَيْنَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، فَقَالَ : يَا وَحْشِيُّ ، تَعْرِفُنِي ؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ ، إِلَّا أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ عَدِيَّ بْنَ الْخِيَارِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ قِتَالٍ بِنْتُ أَبِي الْعِيصِ ، فَوَلَدَتْ غُلَامًا بِمَكَّةَ ، فَاسْتَرْضَعَتْهُ ، فَحَمَلْتُهُ مَعَ أُمِّهِ ، فَنَاوَلْتُهَا إِيَّاهُ ، لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَدَمَيْكَ .
قَالَ : فَكَشَفَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ وَجْهِهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَلَا تُخْبِرُنَا عَنْ قَتْلِ حَمْزَةَ . قَالَ : نَعَمْ ، إِنَّهُ قَتَلَ طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ بِبَدْرٍ ، فَقَالَ لِي مَوْلَايَ جُبَيْرٌ : إِنْ قَتَلْتَ حَمْزَةَ بِعَمِّي فَأَنْتَ حُرٌّ . فَلَمَّا خَرَجَ النَّاسُ عَنْ عَيْنَيْنِ - وَعَيْنُونُ ، جَبَلٌ تَحْتَ أُحُدٍ ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُحُدٍ وَادٍ - قَالَ سِبَاعٌ : هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ ؟ فَقَالَ حَمْزَةُ : يَا ابْنَ مُقَطَّعَةِ الْبُظُورِ ، تُحَادُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ؟ ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ ، فَكَانَ كَأَمْسِ الذَّاهِبِ .
فَكَمَنْتُ لِحَمْزَةَ تَحْتَ صَخْرَةٍ حَتَّى مَرَّ عَلَيَّ فَرَمَيْتُهُ فِي ثُنَتِهِ حَتَّى خَرَجَتِ الْحَرْبَةُ مِنْ وَرِكِهِ . إِلَى أَنْ قَالَ : فَكُنْتُ بِالطَّائِفِ ، فَبَعَثُوا رُسُلًا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقِيلَ : إِنَّهُ لَا يُهَيِّجُ الرُّسُلَ . فَخَرَجْتُ مَعَهُمْ ، فَلَمَّا رَآنِي ، قَالَ : أَنْتَ وَحْشِيٌّ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ .
قَالَ : الَّذِي قَتَلَ حَمْزَةَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَدْ كَانَ الْأَمْرُ الَّذِي بَلَغَكَ . قَالَ : مَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّبَ عَنِّي وَجْهَكَ ؟ قَالَ : فَرَجَعْتُ .
فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَخَرَجَ مُسَيْلِمَةُ قُلْتُ : لَأَخْرُجَنَّ إِلَيْهِ لَعَلِّي أَقْتُلُهُ ، فَأُكَافِيَ بِهِ حَمْزَةَ . فَخَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا كَانَ ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي ثُلْمَةِ جِدَارٍ كَأَنَّهُ جَمَلٌ أَوْرَقُ ، ثَائِرٌ رَأْسُهُ ، فَأَرْمِيهِ بِحَرْبَتِي ، فَأَضَعُهَا بَيْنَ ثَدْيَيْهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ ، وَوَثَبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ عَلَى هَامَتِهِ . قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ : فَسَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ : قَالَتْ جَارِيَةٌ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ : قَتَلَهُ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ .
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : ثُمَّ انْتَشَرَ الْمُسْلِمُونَ يَبْتَغُونَ قَتْلَاهُمْ فَلَمْ يَجِدُوا قَتِيلًا إِلَّا وَقَدْ مَثَّلُوا بِهِ ، إِلَّا حَنْظَلَةَ بْنَ أَبِي عَامِرٍ ، وَكَانَ أَبُوهُ أَبُو عَامِرٍ مَعَ الْمُشْرِكِينَ ، فَتُرِكَ لِأَجْلِهِ . وَزَعَمُوا أَنَّ أَبَاهُ وَقَفَ عَلَيْهِ قَتِيلًا ، فَدَفَعَ صَدْرَهُ بِرِجْلِهِ ثُمَّ قَالَ : دِينَانِ قَدْ أَصَبْتَهُمَا ، قَدْ تَقَدَّمْتُ إِلَيْكَ فِي مَصْرَعِكَ هَذَا يَا دُنَيْسُ ، وَلَعَمْرُ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ لَوَاصِلًا لِلرَّحِمِ بَرًّا بِالْوَالِدِ . وَوَجَدُوا حَمْزَةَ قَدْ بُقِرَ بَطْنُهُ ، وَاحْتَمَلَ وَحْشِيٌّ كَبِدَهُ إِلَى هِنْدٍ فِي نَذْرٍ نَذَرَتْهُ حِينَ قَتَلَ أَبَاهَا يَوْمَ بَدْرٍ .
فَدُفِنَ فِي نَمِرَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ ، إِذَا رُفِعَتْ إِلَى رَأْسِهِ ، بَدَتْ قَدَمَاهُ ، فَغَطَّوْا قَدَمَيْهِ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّجَرِ . ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي بُرَيْدَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَئنْ ظَفِرْتُ بِقُرَيْشٍ لَأُمَثِّلَنَّ بِثَلَاثِينَ مِنْهُمْ . فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا بِهِ مِنَ الْجَزَعِ قَالُوا : لَئنْ ظَفِرْنَا بِهِمْ ، لَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يُمَثِّلْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ بِأَحَدٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ .
فَعَفَا رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ : عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَمَّا قُتِلَ حَمْزَةُ أَقْبَلَتْ صَفِيَّةُ أُخْتُهُ ، فَلَقِيَتْ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ ، فَأَرَيَاهَا أَنَّهُمَا لَا يَدْرِيَانِ ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ : فَإِنِّي أَخَافُ عَلَى عَقْلِهَا ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهَا وَدَعَا لَهَا ، فَاسْتَرْجَعَتْ وَبَكَتْ . ثُمَّ جَاءَ فَقَامَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ ، فَقَالَ : لَوْلَا جَزَعُ النِّسَاءِ لَتَرَكْتُهُ حَتَّى يُحْشَرَ مِنْ حَوَاصِلِ الطَّيْرِ وَبُطُونِ السِّبَاعِ ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْقَتْلَى ، فَجَعَلَ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ وَيُرْفَعُونَ ، وَيُتْرَكُ حَمْزَةُ ، ثُمَّ يُجَاءُ بِسَبْعَةٍ ، فَيُكَبِّرُ عَلَيْهِمْ سَبْعًا حَتَّى فَرَغَ مِنْهُمْ .
يَزِيدُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، وَقَوْلُ جَابِرٍ : لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ أَصَحُّ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ، فَهَذَا كَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأَيَّامٍ وَيُرْوَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لئنْ ظَفِرْتُ بِقُرَيْشٍ ، لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنْهُمْ فَنَزَلَتْ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ الْآيَةَ . عَبْدَانُ : أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ عُبَيْدٍ الْكِنْدِيُّ ، حَدَّثَنِي رَبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَةِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ أُصِيبَ مِنَ الْأَنْصَارِ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ .
قَالَ : فَمَثَّلُوا بِقَتْلَاهُمْ ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ : لَئنْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ ، لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ . فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ ، نَادَى رَجُلٌ لَا يُعْرَفُ : لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ . مَرَّتَيْنِ .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ الْآيَةَ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُفُّوا عَنِ الْقَوْمِ . يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ : عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : جَاءَتْ صَفِيَّةُ يَوْمَ أُحُدٍ مَعَهَا ثَوْبَانِ لِحَمْزَةَ ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، كَرِهَ أَنْ تَرَى حَمْزَةَ عَلَى حَالِهِ .
فَبَعَثَ إِلَيْهَا الزُّبَيْرَ يَحْبِسُهَا ، وَأَخَذَ الثَّوْبَيْنِ . وَكَانَ إِلَى جَنْبِ حَمْزَةَ قَتِيلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَكَرِهُوا أَنْ يَتَخَيَّرُوا لِحَمْزَةَ فَقَالَ : أَسْهِمُوا بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا طَارَ لَهُ أَجْوَدُ الثَّوْبَيْنِ فَهُوَ لَهُ . فَأَسْهَمُوا بَيْنَهُمَا ، فَكُفِّنَ حَمْزَةُ فِي ثَوْبٍ ، وَالْأَنْصَارِيُّ فِي ثَوْبٍ .
ابْنُ إِسْحَاقَ : عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ ، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا ، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَمَقِيلِهِمْ ، قَالُوا : مَنْ يُبْلِغُ إِخْوَانَنَا عَنَّا أَنَّنَا أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ نُرْزَقُ لِئَلَّا يَنْكُلُوا عِنْدَ الْحَرْبِ وَلَا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ ، قَالَ اللَّهُ : أَنَا أُبْلِغُهُمْ عَنْكُمْ ، فَأُنْزِلَتْ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا . ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابُ أُحُدٍ : أَمَا وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي غُودِرْتُ مَعَ أَصْحَابِ فَحْصِ الْجَبَلِ يَقُولُ : قُتِلْتُ مَعَهُمْ . وَجَاءَ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا رَأَى حَمْزَةَ قَتِيلًا بَكَى ، فَلَمَّا رَأَى مَا مُثِّلَ بِهِ شَهِقَ .