عُبَيْدَةُ بْنُ عَمْرٍو
عُبَيْدَةُ بْنُ عَمْرٍو السَّلْمَانِيُّ ، الْفَقِيهُ الْمُرَادِيُّ ، الْكُوفِيُّ ، أَحَدُ الْأَعْلَامِ . وَسَلْمَانُ جَدُّهُمْ . هُوَ ابْنُ نَاجِيَةَ بْنِ مُرَادٍ .
أَسْلَمَ عُبَيْدَةُ فِي عَامِ فَتْحِ مَكَّةَ بِأَرْضِ الْيَمَنِ ، وَلَا صُحْبَةَ لَهُ ، وَأَخَذَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَغَيْرِهِمَا ، وَبَرَعَ فِي الْفِقْهِ ، وَكَانَ ثَبْتًا فِي الْحَدِيثِ . رَوَى عَنْهُ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ ، وَمُسْلِمٌ أَبُو حَسَّانَ الْأَعْرَجُ ، وَآخَرُونَ . قَالَ الشَّعْبِيُّ كَانَ عُبَيْدَةُ يُوَازِي شُرَيْحًا فِي الْقَضَاءِ .
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : مَا رَأَيْتُ رَجُلًا كَانَ أَشَدَّ تَوَقِّيًا مِنْ عُبَيْدَةَ . وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ مُكْثِرًا عَنْهُ . قَالَ أَحْمَدُ الْعِجْلِيُّ : كَانَ عُبَيْدَةُ أَحَدَ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الَّذِينَ يُقْرِئُونَ وَيُفْتُونَ .
وَكَانَ أَعْوَرَ . قَرَأْتُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَطِيبِ عَامَ سَبْعِمِائَةٍ : أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ ، أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ السِّلَفِيُّ ، أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّوَّاقُ ، أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ حَامِدٍ الرُّخَجِيُّ ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَلَفٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عُبَيْدَةَ ، قَالَ : صَلَّيْتُ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَنَتَيْنِ وَلَمْ أَرَهُ . قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ رُوِّينَا عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْفَلَّاسِ ، أَنَّهُ قَالَ : أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ ابْنُ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ .
قُلْتُ : لَا تَفَوُّقَ لِهَذَا الْإِسْنَادِ مَعَ قُوَّتِهِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، وَلَا عَلَى الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، ثم إِنْ هَذَيْنَ الْإِسْنَادَيْنِ رُوِيَ بِهِمَا أَحَادِيثُ جَمَّةٌ فِي الصِّحَاحِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَوَّلُ ، فَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ لِعُبَيْدَةَ عَنْ عَلِيٍّ سِوَى حَدِيثٍ وَاحِدٍ . وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ حَدِيثٌ آخَرُ مَوْقُوفٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَانْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِحَدِيثٍ آخَرَ سَأَرْوِيهِ بَعْدُ . قَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ : كُنْيَةُ عُبَيْدَةَ ، أَبُو مُسْلِمٍ ، وَأَبُو عَمْرٍو .
وَرَوَى هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عُبَيْدَةَ ، قَالَ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْأَشْرِبَةِ فَمَا لِي شَرَابٌ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً إِلَّا الْعَسَلُ وَاللَّبَنُ وَالْمَاءُ . قَالَ مُحَمَّدُ : وَقُلْتُ لِعُبَيْدَةَ : إِنَّ عِنْدَنَا مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا مِنْ قِبَلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، فَقَالَ : لَأَنْ يَكُونَ عِنْدِي مِنْهُ شَعْرَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ . قُلْتُ : هَذَا الْقَوْلُ مِنْ عُبَيْدَةَ هُوَ مِعْيَارُ كَمَالِ الْحُبِّ ، وَهُوَ أَنْ يُؤْثِرَ شَعْرَةً نَبَوِيَّةً عَلَى كُلِّ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ بِأَيْدِي النَّاسِ .
وَمِثْلُ هَذَا يَقُولُ هَذَا الْإِمَامُ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَمْسِينَ سَنَةً ، فَمَا الَّذِي نَقُولُهُ نَحْنُ فِي وَقْتِنَا لَوْ وَجَدْنَا بَعْضَ شَعْرِهِ بِإِسْنَادٍ ثَابِتٍ ، أَوْ شِسْعَ نَعْلٍ كَانَ لَهُ ، أَوْ قُلَامَةَ ظُفْرٍ ، أَوْ شَقَفَةً مِنْ إِنَاءٍ شَرِبَ فِيهِ . فَلَوْ بَذَلَ الْغَنِيُّ مُعْظَمَ أَمْوَالِهِ فِي تَحْصِيلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَهُ ، أَكُنْتَ تُعِدُّهُ مُبَذِّرًا أَوْ سَفِيهًا؟ كَلَّا . فَابْذُلْ مَالَكَ فِي زَوْرَةِ مَسْجِدِهِ الَّذِي بَنَى فِيهِ بِيَدِهِ وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ حُجْرَتِهِ فِي بَلَدِهِ ، وَالْتَذَّ بِالنَّظَرِ إِلَى أُحُدِهِ وَأَحِبَّهُ ; فَقَدْ كَانَ نَبِيُّكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّهُ ، وَتَمَلَّأْ بِالْحُلُولِ فِي رَوْضَتِهِ وَمَقْعَدِهِ ، فَلَنْ تَكُونَ مُؤْمِنًا حَتَّى يَكُونَ هَذَا السَّيِّدُ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ وَوَلَدِكَ وَأَمْوَالِكَ وَالنَّاسِ كُلِّهِمْ .
وَقَبِّلْ حَجَرًا مُكَرَّمًا نَزَلَ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَضَعْ فَمَكَ لَاثِمًا مَكَانًا قَبَّلَهُ سَيِّدُ الْبَشَرِ بِيَقِينٍ ، فَهَنَّأَكَ اللَّهُ بِمَا أَعْطَاكَ ، فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ مَفْخَرٌ؟ وَلَوْ ظَفِرْنَا بِالْمِحْجَنِ الَّذِي أَشَارَ بِهِ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْحَجْرِ ثُمَّ قَبَّلَ مِحْجَنَهُ ، لَحُقَّ لَنَا أَنْ نَزْدَحِمَ عَلَى ذَلِكَ الْمِحْجَنِ بِالتَّقْبِيلِ وَالتَّبْجِيلِ . وَنَحْنُ نَدْرِي بِالضَّرُورَةِ أَنَّ تَقْبِيلَ الْحَجَرِ أَرْفَعُ وَأَفْضَلُ مِنْ تَقْبِيلِ مِحْجَنِهِ وَنَعْلِهِ . وَقَدْ كَانَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ إِذَا رَأَى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَخَذَ يَدَهُ فَقَبَّلَهَا ، وَيَقُولُ : يَدٌ مَسَّتْ يَدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَنَقُولُ نَحْنُ إِذْ فَاتَنَا ذَلِكَ : حَجَرٌ مُعْظَّمٌ بِمَنْزِلَةِ يَمِينِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ مَسَّتْهُ شَفَتَا نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَاثِمًا لَهُ .
فَإِذَا فَاتَكَ الْحَجُّ وَتَلَقَّيْتَ الْوَفْدَ فَالْتَزِمِ الْحَاجَّ وَقَبِّلْ فَمَهُ وَقُلْ : فَمٌ مَسَّ بِالتَّقْبِيلِ حَجَرًا قَبَّلَهُ خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، قَالَ عَلِيٌّ : يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ ، أَتَعْجِزُونَ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَ السَّلْمَانِيِّ وَالْهَمْدَانِيِّ؟ - يَعْنِي الْحَارِثَ بْنَ الْأَزْمَعِ وَلَيْسَ بِالْأَعْوَرِ - إِنَّمَا هُمَا شَطْرَا رَجُلٍ . قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ : وَكَانَ عُبَيْدة أَعْوَرَ .
قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : كَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْهُمْ مَنْ يُقَدِّمُ عُبَيْدَةَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَدِّمُ عَلْقَمَةَ ، وَلَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ شُرَيْحًا آخِرُهُمْ . قَالَ الثَّوْرِيُّ : عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ قَيْسٍ ، قَالَ : دَعَا عُبَيْدَةُ بِكُتُبِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ فَمَحَاهَا وَقَالَ أَخْشَى أَنْ تَضَعُوهَا عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا . قَالَ عَاصِمٌ : عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، جَاءَ قَوْمٌ إِلَى عُبَيْدَةَ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ ، فَقَالَ : لَا أَقُولُ حَتَّى تُؤَمِّرُونِي .
عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ : حَدَّثَنَا النُّعْمَانُ بْنُ قَيْسٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، قُلْتُ لِعُبَيْدَةَ : بَلَغَنِي أَنَّكَ تَمُوتُ ، ثُمَّ تَرْجِعُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، تَحْمِلُ رَايَةً فُيَفْتَحُ لَكَ فَتْحٌ . قَالَ : لَئِنْ أَحْيَانِي اللَّهُ اثْنَتَيْنِ ، وَأَمَاتَنِي اثْنَتَيْنِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، مَا أَرَادَ بِي خَيْرًا . قَالَ أَبُو حُصَيْنٍ : أَوْصَى عُبَيْدَةُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ، فَقَالَ الْأَسْوَدُ : عَجِّلُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ الْكِتَابُ - يَعْنِي الْمُخْتَارَ .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ التَّمِيمِيُّ ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمُعِزِّ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَنْبَأَنَا تَمِيمُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ، أَنْبَأَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ ، أَنْبَأَنَا أَبُو يَعْلَى ، حَدَّثَنَا الْقَوَارِيرِيُّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ ، عَنْ عُبَيْدَةَ ، قَالَ : ذَكَرَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَهْلَ النَّهْرَوانِ فَقَالَ : فِيهِمْ رَجُلٌ مُودَنُ الْيَدِ أَوْ مُثْدَنُ الْيَدِ أَوْ مُخَدَجُ الْيَدِ ، لَوْلَا أَنْ تَبْطِرُوا ، لَأَنْبَأْتُكُمْ مَا وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ يَقْتُلُونَهُ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قُلْتُ : أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْهُ؟ قَالَ : إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، رَوَاهُ ابْنُ عُلَيَّةَ أَيْضًا عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ .
وَفِي وَفَاةِ عُبَيْدَةَ أَقْوَالٌ ، أَصَحُّهَا فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ .