عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى (ع) الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ الْحَافِظُ ، أَبُو عِيسَى الْأَنْصَارِيُّ الْكُوفِيُّ ، الْفَقِيهُ ، وَيُقَالُ : أَبُو مُحَمَّدٍ ، مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ ، وُلِدَ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ . وَحَدَّثَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَبِلَالٍ ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبِ ، وَصُهَيْبٍ ، وَقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، وَالْمِقْدَادِ ، وَأَبِي أَيُّوبَ ، وَوَالِدِهِ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - وَمَا إِخَالُهُ لَقِيَهُ ، مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ . وَقِيلَ : بَلْ وُلِدَ فِي وَسَطِ خِلَافَةِ عُمَرَ ، وَرَآهُ يَتَوَضَّأُ وَيَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ .
حَدَّثَ عَنْهُ : عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ ، وَحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَالْأَعْمَشُ ، وَطَائِفَةٌ سِوَاهُمْ . وَقِيلَ : إِنَّهُ قَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى عَلِيٍّ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : جَلَسْتُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَصْحَابُهُ يُعَظِّمُونَهُ كَأَنَّهُ أَمِيرٌ .
وَقَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ : كُنَّا إِذَا قَعَدْنَا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ لِرَجُلٍ : اقْرَأِ الْقُرْآنَ ; فَإِنَّهُ يَدُلُّنِي عَلَى مَا تُرِيدُونَ ، نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي كَذَا ، وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي كَذَا . وَرَوَى عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ : أَدْرَكْتُ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْأَنْصَارِ ، إِذَا سُئِلَ أَحَدُهُمْ عَنْ شَيْءٍ وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِابْنِ أَبِي لَيْلَى فَقَالَ : مَا شَعَرْتُ أَنَّ النِّسَاءَ وَلَدْنَ مِثْلَ هَذَا .
شُعْبَةُ : عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ : صَحِبْتُ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، وَأَكْثَرُ مَا يَتَحَدَّثُونَ عَنْهُ بَاطِلٌ . قَالَ الْأَعْمَشُ : رَأَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى وَقَدْ ضَرَبَهُ الْحَجَّاجُ ، وَكَأَنَّ ظَهْرَهُ مِسْحٌ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى ابْنِهِ ، وَهُمْ يَقُولُونَ : الْعَنِ الْكَذَّابِينَ ! فَيَقُولُ : لَعَنَ اللَّهُ الْكَذَّابِينَ . يَقُولُ : اللَّهُ اللَّهُ ، عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ .
قَالَ : وَأَهْلُ الشَّامِ كَأَنَّهُمْ حَمِيرٌ لَا يَدْرُونَ مَا يَقْصِدُ ، وَهُوَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ اللَّعْنِ . قُلْتُ : ثُمَّ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ كِبَارِ مَنْ خَرَجَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَشْعَثِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ ، وَكَانَ لَهُ وِفَادَةٌ عَلَى مُعَاوِيَةَ ذَكَرَهَا وَلَدُهُ الْقَاضِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى . أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ الصَّفَّارُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ خَلِيلٍ ، حَدَّثَنَا اللَّبَّانُ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ ، أَنْبَأَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، قَالَ : كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى يُصَلِّي ، فَإِذَا دَخَلَ الدَّاخِلُ ، نَامَ عَلَى فِرَاشِهِ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ مِهْرَانَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، قَالَ : رَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ مَحْلُوقًا عَلَى الْمِصْطَبَةِ وَهُمْ يَقُولُونَ لَهُ : الْعَنِ الْكَذَّابِينَ ، وَكَانَ رَجُلًا ضَخْمًا بِهِ رَبْوٌ فَقَالَ : اللَّهُمَّ الْعَنِ الْكَذَّابِينَ ، آهْ - ثُمَّ يَسْكُتُ - عَلِيٌّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَالْمُخْتَارُ . اسْمُ وَالِدِهِ أَبِي لَيْلَى : يَسَارٌ ، وَقِيلَ : بِلَالٌ . وَقِيلَ : دَاوُدُ بْنُ أَبِي أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ بْنِ الْحَرِيشِ بْنِ جَحْجَبِيِّ بْنِ كُلْفَةَ .
ابْنُ عُيَيْنَةَ : عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : كَانَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى بَيْتُ فِيهِ مَصَاحِفُ يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ فِيهِ الْقُرَّاءُ ، قَلَّمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا عَنْ طَعَامٍ ، فَأَتَيْتُهُ وَمَعِي تِبْرٌ ، فَقَالَ : أَتُحَلِّي بِهِ سَيْفًا؟ قُلْتُ : لَا . قَالَ : فَتُحِلِّي بِهِ مُصْحَفًا؟ قُلْتُ : لَا . قَالَ : فَلَعَلَّكَ تَجْعَلُهَا أَخْرَاصًا فَإِنَّهَا تُكْرَهُ .
قَالَ ثَابِتٌ : كَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ نَشَرَ الْمُصْحَفَ ، وَقَرَأَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ . شَرِيكٌ : عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ : كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَعْمَلُ بِمِسْحَاةٍ لَهُ ، فَأَصَابَ أَبَاهُ ، فَشَجَّهُ ، فَقَالَ : لَا يَصْحَبُنِي مَنْ فَعَلَ بِأَبِي مَا فَعَلَ ، فَقَطَعَ يَدَهُ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ; ثُمَّ إِنَّ ابْنَةَ الْمَلِكِ أَرَادَتْ أَنْ تُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَقَالَ : مَنْ نَبْعَثُ بِهَا؟ قَالُوا : فَلَانٌ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : أَعْفِنِي ، قَالَ : لَا ، قَالَ : فَأَجِّلْنِي إذًا أَيَّامًا . قَالَ : فَذَهَبَ فَقَطَعَ مَذَاكِيرَهُ فِي حُقٍّ ثُمَّ جَاءَ بِهِ خَاتَمُهُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : هَذِهِ وَدِيعَتِي عِنْدَكَ فَاحْفَظْهَا .
قَالَ : وَنَزَّلَهَا الْمَلِكُ مَنْزِلًا مَنْزِلًا ، اَنْزَلَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا ; وَيَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا ، فَوَقَّتَ لَهُ وَقْتًا . فَلَمَّا سَارَ جَعَلَتِ ابْنَةُ الْمَلِكِ لَا تَرْتَقِعُ بِهِ ، فَتَنْزِلُ حَيْثُ شَاءَتْ ، وَتَرْتَحِلُ مَتَى شَاءَتْ ، وَجَعَلَ إِنَّمَا هُوَ يَحْرُسُهَا وَيَنَامُ عِنْدَهَا ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ ، قَالُوا لَهُ : إِنَّمَا كَانَ يَنَامُ عِنْدَهَا ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ : خَالَفْتَ ! وَأَرَادَ قَتْلَهُ ; فَقَالَ : ارْدُدْ عَلَيَّ وَدِيعَتِي . فَلَمَّا رَدَّهَا ، فَتَحَ الْحُقَّ ، وَتَكَشَّفَ عَنْ مِثْلِ الرَّاحَةِ ، فَفَشَا ذَلِكَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ .
قَالَ : فَمَاتَ قَاضٍ لَهُمْ ، فَقَالُوا : مَنْ نَجْعَلُ مَكَانَهُ؟ قَالُوا : فَلَانٌ ، فَأَبَى ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى قَالَ : دَعُونِي حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِي . فَكَحَلَ عَيْنَيْهِ بِشَيْءٍ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهُ . قَالَ : ثُمَّ جَلَسَ عَلَى الْقَضَاءِ ، فَقَامَ لَيْلَةً فَدَعَا اللَّهَ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ ، إِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي صَنَعْتُ لَكَ رِضًى ، فَارْدُدْ عَلَيَّ خَلْقِي أَصَحَّ مَا كَانَ .
فَأَصْبَحَ وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ وَمُقْلَتَيْهِ أَحْسَنَ مَا كَانَتَا وَيَدَهُ وَمَذَاكِيرَهُ . أَنْبَأَنَا بِهَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَامَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَكَارِمِ التَّيْمِيِّ ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ ، أَنْبَأَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ - يَعْنِي الْعَسَّالَ - فِي كِتَابِهِ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، فَذَكَرَهَا . وَبِهِ : إِلَى أَبِي نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ ، فَأَتَاهُ رَاكِبٌ ، فَزَعَمَ أَنَّهُ رَأَى الْهِلَالَ هِلَالَ شَوَّالٍ ، فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ أَفْطِرُوا ، ثُمَّ قَامَ إِلَى عُسٍّ مِنْ مَاءٍ ، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى مُوقَيْنِ لَهُ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ ، فَقَالَ لَهُ الرَّاكِبُ : مَا جِئْتُكَ إِلَّا لِأَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا ، أَشَيْئًا رَأَيْتَ غَيْرَكَ يَفْعَلُهُ؟ قَالَ : نَعَمْ ، رَأَيْتُ خَيْرًا مِنِّي وَخَيْرَ الْأُمَّةِ ، رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ ذَلِكَ .
تَفَرَّدَ بِهِ إِسْرَائِيلُ . رُوِيَ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ ، أَنَّ الْحَجَّاجَ اسْتَعْمَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى عَلَى الْقَضَاءِ ثُمَّ عَزَلَهُ ، ثُمَّ ضَرَبَهُ لِيَسُبَّ أَبَا تُرَابٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكَانَ قَدْ شَهِدَ النَّهْرَوَانَ مَعَ عَلِيٍّ . وَقَالَ شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ : قَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، فَاقْتَحَمَ بِهِمَا فَرَسُهُمَا الْفُرَاتَ فَذَهَبَا ، يَعْنِي غَرِقَا .
وَأَمَّا أَبُو نُعَيْمٍ الْمُلَائِيُّ فَقَالَ : قُتِلَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى بِوَقْعَةِ الْجَمَاجِمِ ، يَعْنِي سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ . وَقِيلَ : سَنَةَ ثَلَاثٍ .