حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
سير أعلام النبلاء

مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ

مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ الْإِمَامُ ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ ، أَبُو بَكْرٍ الْأَنْصَارِيُّ ، الْأَنَسِيُّ الْبَصْرِيُّ ، مَوْلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، خَادِمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ سَبْيِ جَرْجَرَايَا تَمَلَّكَهُ أَنَسٌ ، ثُمَّ كَاتَبَهُ عَلَى أُلُوفٍ مِنَ الْمَالِ ، فَوَفَّاهُ وَعَجَّلَ لَهُ مَالَ الْكِتَابَةِ قَبْلَ حُلُولِهِ ، فَتَمَنَّعَ أَنَسٌ مِنْ أَخْذِهِ لَمَّا رَأَى سِيرِينَ قَدْ كَثُرَ مَالُهُ مِنَ التِّجَارَةِ ، وَأَمَلَ أَنْ يَرِثَهُ ، فَحَاكَمَهُ إِلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأَلْزَمَهُ تَعْجِيلَ الْمُؤَجَّلِ . قَالَ أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ : وُلِدَ أَخِي مُحَمَّدٌ لِسَنَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ وَوُلِدْتُ بَعْدَهُ بِسَنَةٍ قَابِلَةٍ . سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، وَعِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ، وَابْنَ عَبَّاسٍ ، وَعَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ، وَابْنَ عُمَرَ ، وَعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيَّ ، وَشُرَيْحًا الْقَاضِيَ ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، وَخَلْقًا سِوَاهُمْ .

رَوَى عَنْهُ : قَتَادَةُ ، وَأَيُّوبُ ، وَيُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ، وَابْنُ عَوْنٍ ، وَخَالِدٌ الْحَذَّاءُ ، وَهِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، وَعَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ ، وَقُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ ، وَمَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ ، وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، وَأَبُو هِلَالٍ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ ، وَيَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصَمُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَأَبُو بَكْرٍ سُلْمَى الْهُذَلِيُّ ، وَحَيَّانُ بْنُ حُصَيْنٍ ، وَشَبِيبُ بْنُ شَيْبَةَ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، وَخُلَيْدُ بْنُ دَعْلَجٍ . قَالَ خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ : وُلِدَ أَخِي مُحَمَّدٌ لِسَنَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ . قَالَ الْحَاكِمُ : هَكَذَا وَجَدْتُ فِي كِتَابِي : عُمَرَ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : عُثْمَانَ .

قُلْتُ : الثَّانِي أَشْبَهُ ، وَلَوْ كَانَ أَوْلَاهُمَا الْأَوَّلُ لَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ فِي سِنٍّ الْحَسَنِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُحَمَّدًا كَانَ أَصْغَرَ بِسَنَوَاتٍ ، لَكِنْ يَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ قَوْلُ عَارِمٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ : عَاشَ ابْنُ سِيرِينَ نَيِّفًا وَثَمَانِينَ سَنَةً . وَيَشْهَدُ لِلثَّانِي قَوْلُ مَيْسَرَةَ ، عَنْ مُعَلَّى بْنِ هِلَالٍ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ : مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً . حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : حَجَّ بِنَا أَبُو الْوَلِيدِ فَمَرَّ بِنَا عَلَى الْمَدِينَةِ ، فَأَدْخَلَنَا عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَنَحْنُ سَبْعَةٌ وَلَدُ سِيرِينَ ، فَقَالَ لَهُ : هَؤُلَاءِ بَنُو سِيرِينَ ، فَقَالَ زَيْدٌ : هَذَانِ لِأُمٍّ ، وَهَذَانِ لِأُمٍّ ، وَهَذَانِ لِأُمٍّ ، وَهَذَا مِنْ أُمٍّ .

قَالَ : فَمَا أَخْطَأَ . وَكَانَ يَحْيَى أَخَا مُحَمَّدٍ مِنْ أُمِّهِ . وَقِيلَ : بَلْ مَعْبَدٌ كَانَ أَخَا مُحَمَّدٍ لِأُمِّهِ .

قَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ : أَدْرَكَ مُحَمَّدٌ ثَلَاثِينَ صَحَابِيًّا . عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَطِيَّةَ : رَأَيْتُ ابْنَ سِيرِينَ قَصِيرًا عَظِيمَ الْبَطْنِ ، لَهُ وَفْرَةٌ ، يَفْرُقُ شَعْرَهُ ، كَثِيرَ الْمُزَاحِ وَالضَّحِكِ ، يَخْضِبُ بِالْحِنَّاءِ . قَالَ ابْنُ عَوْنٍ : كَانَ مُحَمَّدٌ يَأْتِي بِالْحَدِيثِ عَلَى حُرُوفِهِ ، وَكَانَ الْحَسَنُ صَاحِبَ مَعْنَى .

عَوْنُ بْنُ عُمَارَةَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، حَدَّثَنِي أَصْدَقُ مَنْ أَدْرَكْتُ ، مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ . قَالَ حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ : كُنْتُ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ طَاوُسٍ ، فَقَالَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ وَكَانَ جَالِسًا : وَاللَّهِ لَوْ رَأَى مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ لَمْ يَقُلْهُ . مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ : سَمِعْتُ ابْنَ عَوْنٍ يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ مِثْلَ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ .

وَعَنْ خُلَيْفِ بْنِ عُقْبَةَ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ سِيرِينَ نَسِيجَ وَحْدِهِ . وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ ، قَالَ : لَمْ يَكُنْ بِالْبَصْرَةِ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِالْقَضَاءِ مِنِ ابْنِ سِيرِينَ . وَعَنْ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ ، قَالَ : كَانَ الشَّعْبِيُّ يَقُولُ لَنَا : عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ الْأَصَمِّ - يَعْنِي ابْنَ سِيرِينَ .

وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ : كَانَ ابْنُ سِيرِينَ أَفْطَنَ مِنَ الْحَسَنِ فِي أَشْيَاءَ . وَقَالَ عَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ : كَانَ ابْنُ سِيرِينَ حَسَنَ الْعِلْمِ بِالْفَرَائِضِ وَالْقَضَاءِ وَالْحِسَابِ . حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، سَمِعْتُ مُوَرِّقًا الْعِجْلِيَّ يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَفْقَهَ فِي وَرَعِهِ ، وَلَا أَوْرَعَ فِي فِقْهِهِ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ .

وَقَالَ عَاصِمٌ : وَذُكِرَ مُحَمَّدٌ عِنْدَ أَبِي قِلَابَةَ ، فَقَالَ : اصْرِفُوهُ كَيْفَ شِئْتُمْ ، فَلَتَجِدُنَّهُ أَشَدَّكُمْ وَرَعًا ، وَأَمْلَكَكُمْ لِنَفْسِهِ . حَمَّادٌ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ : وَمَنْ يَسْتَطِيعُ مَا يُطِيقُ ؟! مُحَمَّدٌ يَرْكَبُ مِثْلَ حَدِّ السِّنَانِ . النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ : ثَلَاثَةٌ لَمْ تَرَ عَيْنَايَ مِثْلَهُمْ : ابْنَ سِيرِينَ بِالْعِرَاقِ ، وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ بِالْحِجَازِ ، وَرَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ بِالشَّامِ ، كَأَنَّهُمُ الْتَقَوْا فَتَوَاصَوْا .

وَقَدْ وَقَفَ عَلَى ابْنِ سِيرِينَ دَيْنٌ كَثِيرٌ مِنْ أَجْلِ زَيْتٍ كَثِيرٍ أَرَاقَهُ ؛ لِكَوْنِهِ وَجَدَ فِي بَعْضِ الظُّرُوفِ فَأْرَةً . حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، قَالَ لِي مُحَمَّدٌ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ، لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُنِي مِنْ مُجَالَسَتِكُمْ إِلَّا مَخَافَةَ الشُّهْرَةِ ، فَلَمْ يَزَلْ بِيَ الْبَلَاءُ حَتَّى قُمْتُ عَلَى الْمصْطَبَةِ . فَقِيلَ : هَذَا ابْنُ سِيرِينَ ، أَكَلَ أَمْوَالَ النَّاسِ ، وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ كَثِيرٌ .

وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ : رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ فِي السُّوقِ ، فَمَا رَآهُ أَحَدٌ إِلَّا ذَكَرَ اللَّهَ . مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْبَاهِلِيُّ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : لَمْ يَكُنْ كُوفِيٌّ وَلَا بَصْرِيٌّ لَهُ مِثْلُ وَرَعِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ . وَعَنْ زُهَيْرٍ الْأَقْطَعِ : كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ إِذَا ذُكِرَ الْمَوْتُ ، مَاتَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ عَلَى حِدَةٍ .

وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ : كَانَ مُحَمَّدٌ يَرَى أَنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ أَسْرَعُ النَّاسِ رِدَّةً ، وَأَنَّ هَذِهِ نَزَلَتْ فِيهِمْ : وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْخَى نَفْسًا مِنِ ابْنِ عَوْنٍ . مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ قُرَّةَ ، قَالَ : أَكَلْتُ عِنْدَ ابْنِ سِيرِينَ فَقَالَ : إِنَّ الطَّعَامَ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ يُقْسَمَ عَلَيْهِ . وَعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، قَالَ : كَانَ الْحَسَنُ مُتَوَارِيًا مِنَ الْحَجَّاجِ ، فَمَاتَتْ بِنْتٌ لَهُ ، فَبَادَرْتُ إِلَيْهِ رَجَاءَ أَنْ يَقُولَ لِي صَلِّ عَلَيْهَا ، فَبَكَى حَتَّى ارْتَفَعَ نَحِيبُهُ ، ثُمَّ قَالَ لِي : اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، فَقُلْ لَهُ لِيُصِلِّ عَلَيْهَا .

فَعُرِفَ حِينَ جَاءَ الْحَقَائِقُ أَنَّهُ لَا يَعْدِلُ بِابْنِ سِيرِينَ أَحَدًا . الْأَنْصَارِيُّ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ ، قَالَ : كَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيُّ يَأْتُونَ بِالْحَدِيثِ عَلَى الْمَعَانِي ، وَكَانَ الْقَاسِمُ وَابْنُ سِيرِينَ وَرَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ ، يُقَيِّدُونَ الْحَدِيثَ عَلَى حُرُوفِهِ . خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : مَا رَأَيْتُ سُودَ الرُّؤُوسِ أَفْقَهَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَّا أَنَّ فِيهِمْ حِدَّةً .

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ : كَانَ ابْنُ سِيرِينَ فَقِيهًا ، عَالِمًا ، وَرِعًا أَدِيبًا ، كَثِيرَ الْحَدِيثِ ، صَدُوقًا ، شَهِدَ لَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ بِذَلِكَ ، وَهُوَ حُجَّةٌ . حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ . الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيُّ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : نَزَلَ بِنَا أَبُو قَتَادَةَ ، فَبَيْنَا هُوَ عَلَى سَطْحٍ لَنَا - قَالَ : وَنَحْنُ عَشَرَةٌ مِنْ وَلَدِ سِيرِينَ - فَانْقَضَّ كَوْكَبٌ مِنَ السَّمَاءِ ، فَأَتْبَعْنَاهُ أَبْصَارَنَا ، فَنَهَانَا أَبُو قَتَادَةَ عَنْ ذَلِكَ .

وَعَنْ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ ، قُلْتُ لِابْنِ سِيرِينَ : مَا تَرَى فِي السَّمَاعِ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ ؟ قَالَ : لَا نَسْمَعُ مِنْهُمْ وَلَا كَرَامَةَ . الْحَاكِمُ : حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ جَعْفَرٍ الْبَصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ الْأَهْوَازِيُّ بِالْبَصْرَةِ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّاذَكُونِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُهُ الرَّجُلُ فَلَا يُقْبِلُ عَلَيْهِ ، وَيَقُولُ : مَا أَتَّهِمُكَ ، وَلَا الَّذِي يُحَدِّثُكَ ، وَلَكِنْ مَنْ بَيْنَكُمَا أَتَّهِمُهُ . قَالَ سُلَيْمَانُ : إِنَّمَا يَقَعُ الْكَذِبَ بِالَّذِي وَضَعَ الْحَدِيثَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وَقَالَ قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ : سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ : ذَهَبَ الْعِلْمُ وَبَقِيَتْ مِنْهُ شَذَرَاتٌ فِي أَوْعِيَةٍ شَتَّى . خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ : حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ ، قَالَ : رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَيُرِينَ يُحَدِّثُ بِأَحَادِيثِ النَّاسِ ، وَيُنْشِدُ الشِّعْرَ ، وَيَضْحَكُ حَتَّى يَمِيلَ ، فَإِذَا جَاءَ بِالْحَدِيثِ مِنَ الْمُسْنَدِ ، كَلَحَ وَتَقَبَّضَ . أَشْهَلُ بْنُ حَاتِمٍ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : قَالَ عُمَرَ لِابْنِ مَسْعُودٍ ، أَوْ لِأَبِي مَسْعُودٍ : إِنَّكَ تُفْتِي النَّاسَ وَلَسْتَ بِأَمِيرٍ ، وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا .

قَالَ : وَقَالَ حُذَيْفَةُ : إِنَّمَا يُفْتِي النَّاسَ أَحَدُ ثَلَاثَةٍ : مَنْ يَعْلَمُ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ ، قَالُوا : وَمَنْ يَعْلَمُ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ ؟ قَالَ : عُمَرُ ، أَوْ أَمِيرٌ لَا يَجِدُ بُدًّا ، أَوْ أَحْمَقُ مُتَكَلِّفٌ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَلَسْتُ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ ، وَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ الثَّالِثَ . يَزِيدُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : كَانَ مُعَاوِيَةُ لَا يُتَّهَمُ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

قَالَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ ، عَنْ سَبَبِ الدَّيْنِ الَّذِي رَكِبَ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ حَتَّى حُبِسَ بِهِ ؟ فَقَالَ : كَانَ بَاعَ مِنْ أُمِّ مُحَمَّدٍ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ جَارِيَةً ، فَرَجَعَتْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَشَكَتْ أَنَّهَا تُعَذِّبُهَا ، فَأَخَذَهَا مُحَمَّدٌ وَكَانَ قَدْ أَنْفَقَ ثَمَنَهَا ، فَهِيَ الَّتِي حَبَسَتْهُ ، وَهِيَ الَّتِي تَزَوَّجَهَا سَلْمُ بْنُ زِيَادٍ ، وَأَخْرَجَهَا إِلَى خُرَاسَانَ ، وَكَانَ أَبُوهَا يُلَقَّبُ كَرْكَرَةَ . وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ كَانَ سَبَبُ حَبْسِهِ أَنَّهُ أَخَذَ زَيْتًا بِأَرْبَعِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، فَوَجَدَ فِي زِقٍّ مِنْهُ فَأْرَةً ، فَظَنَّ أَنَّهَا وَقَعَتْ فِي الْمَعْصَرَةِ ، وَصَبَّ الزَّيْتَ كُلَّهُ . وَكَانَ يَقُولُ : إِنِّي ابْتُلِيتُ بِذَنْبٍ أَذْنَبْتُهُ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً .

قَالَ : فَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُ عَيَّرَ رَجُلًا بِفَقْرٍ . إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : لَقَدْ أَتَى عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ وَمَا يُسْأَلُ عَنْ إِسْنَادِ الْحَدِيثِ ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ سُئِلَ عَنْ إِسْنَادِ الْحَدِيثِ ، فَينُظِرَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ ، تُرِكَ حَدِيثُهُ . قَالَ أَشْعَثُ : كَانَ ابْنُ سِيرِينَ إِذَا سُئِلَ عَنِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ حَتَّى تَقُولَ : كَأَنَّهُ لَيْسَ بِالَّذِي كَانَ .

وَقَالَ يُونُسُ : كَانَ ابْنُ سِيرِينَ صَاحِبَ ضَحِكٍ وَمُزَاحٍ . هُشَيْمٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ : كَانَ مُحَمَّدٌ يَضْحَكُ حَتَّى تَدْمَعَ عَيْنَاهُ ، وَكَانَ الْحَسَنُ يُحَدِّثُنَا وَيَبْكِي . سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ : حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ : كُنَّا فِي جِنَازَةِ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ، فَوُضِعَتِ الْجِنَازَةُ وَدَخَلَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ صِهْرِيجًا يَتَوَضَّأُ ، فَقَالَ الْحَسَنُ : أَيْنَ هُوَ ؟ قَالُوا : يَتَوَضَّأُ صَبًّا صَبًّا ، دَلْكًا دَلْكًا ، عَذَابٌ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى أَهْلِهِ .

حَمَّادٌ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ : سَمِعَ ابْنَ سِيرِينَ يَنْهَى عَنِ الْجِدَالِ ، إِلَّا رَجَاءَ إِنْ كَلَّمْتَهُ أَنْ يَرْجِعَ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يَقُولُ : كَاتَبَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَبِي أَبَا عَمْرَةَ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ . فَأَدَّاهَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ .

قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ : هَذِهِ مُكَاتَبَةُ سِيرِينَ عِنْدَنَا ، وَكَانَ قَيْنًا . قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : دَخَلْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ بِوَاسِطٍ ، فَلَمْ أَرَ أَجْبَنَ مِنْ فَتْوَى مِنْهُ ، وَلَا أَجْرَأَ عَلَى رُؤْيَا مِنْهُ . قَالَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ : لَمْ يَكُنْ يُعْرَضُ لِمُحَمَّدٍ أَمْرَانِ فِي ذِمَّتِهِ إِلَّا أَخَذَ بِأَوْثَقِهِمَا .

قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى أَوْرَعِ مَنْ أَدْرَكْنَا ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ . وَقَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ : كَانَ مُحَمَّدٌ يَتَّجِرُ ، فَإِذَا ارْتَابَ فِي شَيْءٍ تَرَكَهُ . وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ : كَانَ مُحَمَّدٌ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ إِزْرَاءً عَلَى نَفْسِهِ .

وَقَالَ غَالِبٌ الْقَطَّانُ : خُذُوا بِحِلْمِ ابْنِ سِيرِينَ ، وَلَا تَأْخُذُوا بِغَضَبِ الْحَسَنِ . حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، قَالَ : كَانَ مُحَمَّدٌ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا . وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ : كَانَ مُحَمَّدٌ يَصُومُ عَاشُورَاءَ يَوْمَيْنِ ثُمَّ يُفْطِرُ بَعْدَ ذَلِكَ يَوْمَيْنِ .

قَالَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ : كُنْتُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ، فَذَكَرَ رَجُلًا ، فَقَالَ : ذَاكَ الْأَسْوَدُ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّا لِلَّهِ ، إِنِّي اغْتَبْتُهُ . مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ : عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعَثَ إِلَى الْحَسَنِ فَقَبِلَ ، وَبَعَثَ إِلَى ابْنِ سِيرِينَ فَلَمْ يَقْبَلْ . ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنْ رَجَاءٍ قَالَ : كَانَ الْحَسَنُ يَجِيءُ إِلَى السُّلْطَانِ وَيَعِيبُهُمْ ، وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ لَا يَجِيءُ إِلَيْهِمْ وَلَا يَعِيبُهُمْ .

قَالَ هِشَامٌ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا عِنْدَ السُّلْطَانِ أَصْلَبَ مِنِ ابْنِ سِيرِينَ . حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ : رَأَيْتُ الْحَسَنَ فِي النَّوْمِ مُقَيَّدًا ، وَرَأَيْتُ ابْنَ سِيرِينَ فِي النَّوْمِ مُقَيَّدًا . أَبُو شِهَابٍ الْحَنَّاطُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ اشْتَرَى بَيْعًا مِنْ مَنُونِيَا فَأَشْرَفَ فِيهِ عَلَى رِبْحِ ثَمَانِينَ أَلْفًا ، فَعَرَضَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ فَتَرَكَهُ ، قَالَ هِشَامٌ : مَا هُوَ وَاللَّهِ بِرِبًا .

مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ : سَأَلْتُ الْأَنْصَارِيَّ عَنْ سَبَبِ الدَّيْنِ الَّذِي رَكِبَ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ حَتَّى حُبِسَ ؟ قَالَ : اشْتَرَى طَعَامًا بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا ، فَأُخْبِرَ عَنْ أَصْلِ الطَّعَامِ بِشَيْءٍ ، فَكَرِهَهُ فَتَرَكَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ ، فَحُبِسَ عَلَى الْمَالِ حَبَسَتْهُ امْرَأَةٌ ، وَكَانَ الَّذِي حَبَسَهُ مَالِكُ بْنُ الْمُنْذِرِ . وَقَالَ هِشَامٌ : تَرَكَ مُحَمَّدٌ أَرْبَعِينَ أَلْفًا فِي شَيْءٍ مَا يَرَوْنَ بِهِ الْيَوْمَ بَأْسًا . وَعَنْهُ ، قَالَ : قُلْتُ مَرَّةً لِرَجُلٍ : يَا مُفْلِسُ ، فَعُوقِبْتُ .

قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ وَبَلَغَهُ هَذَا فَقَالَ : قَلَّتْ ذُنُوبُ الْقَوْمِ فَعَرَفُوا مِنْ أَيْنَ أُتُوا ، وَكَثُرَتْ ذُنُوبُنَا فَلَمْ نَدْرِ مِنْ أَيْنَ نُؤْتَى . قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ السَّجَّانَ قَالَ لِابْنِ سِيرِينَ : إِذَا كَانَ اللَّيْلُ فَاذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَتَعَالَ . قَالَ : لَا وَاللَّهِ ، لَا أَكُونُ لَكَ عَوْنًا عَلَى خِيَانَةِ السُّلْطَانِ .

قَالَ مَعْمَرٌ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ سِيرِينَ فَقَالَ : رَأَيْتُ كَأَنَّ حَمَامَةً الْتَقَمَتْ لُؤْلُؤَةً ، فَخَرَجَتْ مِنْهَا أَعْظَمَ مَا كَانَتْ ، وَرَأَيْتُ حَمَامَةً أُخْرَى الْتَقَمَتْ لُؤْلُؤَةً فَخَرَجَتْ أَصْغَرَ مِمَّا دَخَلَتْ ، وَرَأَيْتُ أُخْرَى الْتَقَمَتْ لُؤْلُؤَةً فَخَرَجَتْ كَمَا دَخَلَتْ . فَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : أَمَّا الْأَوْلَى فَذَاكَ الْحَسَنُ ، يَسْمَعُ الْحَدِيثَ فَيُجَوِّدُهُ بِمَنْطِقِهِ ، وَيَصِلُ فِيهِ مِنْ مَوَاعِظِهِ . وَأَمَّا الَّتِي صَغُرَتْ فَأَنَا ، أَسْمَعَ الْحَدِيثَ فَأُسْقِطُ مِنْهُ .

وَأَمَّا الَّتِي خَرَجَتْ كَمَا دَخَلَتْ فَقَتَادَةُ ، فَهُوَ أَحْفَظُ النَّاسِ . ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ الْمَرْوَزِيِّ ، قَالَ : كُنْتُ أُجَالِسُ ابْنَ سِيرِينَ ، فَتَرَكْتُهُ وَجَالَسْتُ الْإِبَاضِيَّةَ ، فَرَأَيْتُ كَأَنِّي مَعَ قَوْمٍ يَحْمِلُونَ جِنَازَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَيْتُ ابْنَ سِيرِينَ فَذَكَرْتُهُ لَهُ ، فَقَالَ : مَا لَكَ جَالَسْتَ أَقْوَامًا يُرِيدُونَ أَنْ يَدْفِنُوا مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَعَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، قَالَ : قَصَّ رَجُلٌ عَلَى ابْنِ سِيرِينَ فَقَالَ : رَأَيْتُ كَأَنَّ بِيَدِي قَدَحًا مِنْ زُجَاجٍ فِيهِ مَاءٌ ، فَانْكَسَرَ الْقَدَحُ وَبَقِيَ الْمَاءُ .

فَقَالَ لَهُ : اتَّقِ اللَّهَ ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تَرَ شَيْئًا . فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ . قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : فَمَنْ كَذَبَ فَمَا عَلَيَّ ؛ سَتَلِدُ امْرَأَتُكَ وَتَمُوتُ ، وَيَبْقَى وَلَدُهَا .

فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلُ قَالَ : وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا . فَمَا لَبِثَ أَنْ وُلِدَ لَهُ وَمَاتَتِ امْرَأَتُهُ . قَالَ : وَدَخَلَ آخَرُ فَقَالَ : رَأَيْتُ كَأَنِّي وَجَارِيَةٌ سَوْدَاءُ نَأْكُلُ فِي قَصْعَةٍ سَمَكَةً .

قَالَ : أَتُهَيِّئُ لِي طَعَامًا وَتَدْعُونِي ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَفَعَلَ ، فَلَمَّا وُضِعَتِ الْمَائِدَةُ ، إِذَا جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ ! فَقَالَ لَهُ ابْنُ سِيرِينَ : هَلْ أَصَبْتَ هَذِهِ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَادْخُلْ بِهَا الْمَخْدَعَ ، فَدَخَلَ ، وَصَاحَ : يَا أَبَا بَكْرٍ ، رَجُلٌ وَاللَّهِ ، فَقَالَ : هَذَا الَّذِي شَارَكَكَ فِي أَهْلِكَ . أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ حَفْصٍ ، قَالَ : سُئِلَ ابْنُ سِيرِينَ ، فَقَالَ : رَأَيْتُ كَأَنَّ الْجَوْزَاءَ تَقَدَّمَتِ الثُّرَيَّا ، قَالَ : هَذَا الْحَسَنُ يَمُوتُ قَبْلِي ، ثُمَّ أَتْبَعُهُ ، وَهُوَ أَرْفَعُ مِنِّي . قَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ فِي التَّعْبِيرِ عَجَائِبُ يُطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهَا ، وَكَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ تَأْيِيدٌ إِلَهِيٌّ .

حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ قَالَ : كَانَ لِمُحَمَّدٍ سَبْعَةُ أَوْرَادٍ ، فَإِذَا فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ اللَّيْلِ قَرَأَهُ بِالنَّهَارِ . حَمَّادٌ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، أَنَّ مُحَمَّدًا كَانَ يَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ . قُلْتُ : كَانَ مَشْهُورًا بِالْوَسْوَاسِ .

قَالَ مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ : رَأَيْتُهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ بَلَغَ عَضَلَةَ سَاقَيْهِ . قَالَ قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ : كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ كُنْيَتَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَرَأَيْتُهُ يَتَخَتَّمُ فِي الشِّمَالِ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو : سَمِعْتُ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ : عَقَقْتُ عَنْ نَفْسِي بُخْتِيَّةً .

وَقَالَ مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ : رَأَيْتُ ابْنَ سِيرِينَ يَلْبَسُ طَيْلَسَانًا ، وَيَلْبَسُ كِسَاءً أَبْيَضَ فِي الشِّتَاءِ ، وَعِمَامَةً بَيْضَاءَ وَفَرْوَةً . وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ : رَأَيْتُ ابْنَ سِيرِينَ يَلْبَسُ الثِّيَابَ الثَّمِينَةَ وَالطَّيَالِسَ وَالْعَمَائِمَ . يَحْيَى بْنُ خُلَيْفٍ : حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ قَالَ : رَأَيْتُ ابْنَ سِيرِينَ يَتَعَمَّمُ بِعِمَامَةٍ بَيْضَاءَ لَاطِيَةٍ ، قَدْ أَرْخَى ذَوَائِبَهَا مِنْ خَلْفِهِ ، وَرَأَيْتُهُ يَخْضِبُ بِالصُّفْرَةِ .

قَالَ أَبُو الْأَشْهَبِ : رَأَيْتُ عَلَيْهِ ثِيَابَ كَتَّانٍ . مَعْنُ بْنُ عِيسَى : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو : رَأَيْتُ ابْنَ سِيرِينَ يَخْضِبُ بِحِنَّاء وَكَتَمٍ ، وَرَأَيْتُهُ لَا يُحْفِي شَارِبَهُ . قَالَ حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ : أَمَرَ ابْنُ سِيرِينَ سُوَيْدًا أَنْ يَجْعَلَ لَهُ حُلَّةً حِبَرَةً يُكَفَّنُ فِيهَا .

وَقَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ : حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ قَالَتْ : كَانَتْ وَالِدَةُ مُحَمَّدٍ حِجَازِيَّةً ، وَكَانَ يُعْجِبُهَا الصَّبْغُ ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ إِذَا اشْتَرَى لَهَا ثَوْبًا اشْتَرَى أَلْيَنَ مَا يَجِدُ ، فَإِذَا كَانَ عِيدٌ ، صَبَغَ لَهَا ثِيَابًا ، وَمَا رَأَيْتُهُ رَافِعًا صَوْتَهُ عَلَيْهَا ، كَانَ إِذَا كَلَّمَهَا كَالْمُصْغِي إِلَيْهَا . بَكَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، أَنَّ مُحَمَّدًا كَانَ إِذَا كَانَ عِنْدَ أُمِّهِ لَوْ رَآهُ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُهُ ؛ ظَنَّ أَنَّ بِهِ مَرَضًا مِنْ خَفْضِ كَلَامِهِ عِنْدَهَا . أَزْهَرُ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، قَالَ : كَانُوا إِذَا ذَكَرُوا عِنْدَ مُحَمَّدٍ رَجُلًا بِسَيِّئَةٍ ذَكَرَهُ هُوَ بِأَحْسَنِ مَا يَعْلَمُ .

وَجَاءَهُ نَاسٌ فَقَالُوا : إِنَّا نِلْنَا مِنْكَ فَاجْعَلْنَا فِي حِلٍّ . قَالَ : لَا أُحِلُّ لَكُمْ شَيْئًا حَرَّمَهُ اللَّهُ . جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، قَالَ : قَدِمْتُ الْكُوفَةَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ الْبَزَّ ، فَأَتَيْتُ ابْنَ سِيرِينَ بِالْكُوفَةِ ، فَسَاوَمْتُهُ ، فَجَعَلَ إِذَا بَاعَنِي صِنْفًا مِنْ أَصْنَافِ الْبَزِّ ، قَالَ : هَلْ رَضِيتَ ؟ فَأَقُولُ : نَعَمْ ، فَيُعِيدُ ذَلِكَ عَلَيَّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلَيْنِ فَيُشْهِدُهُمَا ، وَكَانَ لَا يَشْتَرِي وَلَا يَبِيعُ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ الْحَجَّاجِيَّةِ .

فَلَمَّا رَأَيْتُ وَرَعَهُ ، مَا تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ حَاجَتِي أَجِدُهُ عِنْدَهُ إِلَّا اشْتَرَيْتُهُ ، حَتَّى لَفَائِفَ الْبَزِّ . أَبُو كُدَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ سِيرِينَ إِذَا وَقَعَ عِنْدَهُ دِرْهَمُ زَيْفٍ ، أَوْ سَتُّوقٍ لَمْ يَشْتَرِ بِهِ ، فَمَاتَ يَوْمَ مَاتَ ، وَعِنْدَهُ خَمْسُ مِائَةٍ زُيُوفًا . وَسَتُّوقَةً .

عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ عَوْنٍ ، قَالَ : كَانَتْ وَصِيَّةُ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ : ذَكَرَ مَا أَوْصَى بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ أَهْلَهُ وَبَنِيهِ ، أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ وَيُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ ، وَأَنْ يُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ، وَأَوْصَاهُمْ بِمَا أَوْصَى بِهِ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَأَوْصَاهُمْ أَنْ لَا يَدَعُوا أَنْ يَكُونُوا إِخْوَانَ الْأَنْصَارِ وَمَوَالِيَهُمْ فِي الدِّينِ ؛ فَإِنَّ الْعَفَافَ وَالصِّدْقَ خَيْرٌ وَأَبْقَى وَأَكْرَمُ مِنَ الزِّنَا وَالْكَذِبِ ، وَأَوْصَى فِيمَا تَرَكَ : إِنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ قَبْلَ أَنْ أُغَيِّرَ وَصِيَّتِي . فَذَكَرَ الْوَصِيَّةَ . مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ : أَنْبَأَنَا بَكَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ السِّيرِينِيُّ ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : لَمَّا ضَمِنْتُ عَلَى أَبِي دَيْنَهُ ، قَالَ لِي بِالْوَفَاءِ ؟ قُلْتُ : بِالْوَفَاءِ .

فَدَعَا لِي بِخَيْرٍ . فَقَضَى عَبْدُ اللَّهِ عَنْهُ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، فَمَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ حَتَّى قَوَّمْنَا مَالَهُ ثَلَاثَ مِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ نَحْوَهَا . قَالَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ : أَنَا زَرَرْتُ عَلَى مُحَمَّدٍ الْقَمِيصَ - يَعْنِي لَمَّا كَفَّنَهُ .

وَرَوَى أَيُّوبُ ، عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ أَنْ يُجْعَلَ لِقَمِيصِ الْمَيِّتِ أَزْرَارٌ وَيُكَفَّنَ . قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ : مَاتَ مُحَمَّدٌ بَعْدَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ بِمِائَةِ يَوْمٍ ، سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ . خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ : مَاتَ ابْنُ سِيرِينَ لِتِسْعٍ مَضَيْنَ مِنْ شَوَّالٍ ، سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ .

أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ أَنَّ رَجُلَيْنِ تَآخَيَا فَتَعَاهَدَا : إِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ أَنْ يُخْبِرَهُ بِمَا وَجَدَ ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا ، فَرَآهُ الْآخَرُ فِي النَّوْمِ ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ؟ قَالَ : ذَاكَ مَلِكٌ فِي الْجَنَّةِ لَا يُعْصَى ، قَالَ : فَابْنُ سِيرِينَ ؟ قَالَ : ذَاكَ فِيمَا شَاءَ وَاشْتَهَى ، شَتَّانَ مَا بَيْنَهُمَا ، قَالَ : فَبِأَيِّ شَيْءٍ أَدْرَكَ الْحَسَنُ ؟ قَالَ بِشِدَّةِ الْخَوْفِ وَالْحُزْنِ . جَمَاعَةٌ سَمِعُوا الْمُحَارِبِيَّ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ دِينَارٍ ، قَالَ : كَانَ الْحَكَمُ بْنُ جَحْلٍ صَدِيقًا لِابْنِ سِيرِينَ ، فَحَزِنَ عَلَى ابْنِ سِيرِينَ حَتَّى كَانَ يُعَادُ ، ثُمَّ قَالَ : رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ فِي حَالِ كَذَا وَكَذَا ، فَسَأَلْتُهُ لَمَّا سَرَّنِي : مَا فَعَلَ الْحَسَنُ ؟ قَالَ : رُفِعَ فَوْقِي سَبْعِينَ دَرَجَةً ، قُلْتُ : بِمَ ؟ فَقَدْ كُنَّا نَرَى أَنَّكَ فَوْقَهُ ! قَالَ : بِطُولِ الْحُزْنِ . وَقَدْ كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ أَشَارَ عَلَيْهِ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ أَنْ يَرْتَحِلَ إِلَى الْبَصْرَةِ لِلُقِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، فَأَتَى ، فَوَجَدَهُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ ، فَعَادَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى .

وَبَلَغَنِي أَنَّ اسْمَ أُمِّهِ صَفِيَّةَ ، مَوْلَاةٌ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ .

موقع حَـدِيث