مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ
مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ ( 4 ) عَلَمُ الْعُلَمَاءِ الْأَبْرَارِ ، مَعْدُودٌ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ ، وَمِنْ أَعْيَانِ كَتَبَةِ الْمَصَاحِفِ ، كَانَ مِنْ ذَلِكَ بُلْغَتُهُ . وُلِدَ فِي أَيَّامِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَمِعَ مِنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، فَمَنْ بَعْدَهُ ، وَحَدَّثَ عَنْهُ ، وَعَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَعِدَّةٍ . حَدَّثَ عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَوْذَبٍ ، وَهَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ، وَأَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ ، وَعَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ ، وَالْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ ، وَطَائِفَةٌ سِوَاهُمْ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَسَاطِينِ الرِّوَايَةِ .
وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ ، وَحَدِيثُهُ فِي دَرَجَةِ الْحَسَنِ . قَالَ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : لَهُ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا . قَالَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ : سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ يَقُولُ : وَدِدْتُ أَنَّ رِزْقِي فِي حَصَاةٍ أَمْتَصُّهَا لَا أَلْتَمِسُ غَيْرَهَا ، حَتَّى أَمُوتَ .
وَقَالَ : مُذْ عَرَفْتُ النَّاسَ لَمْ أَفْرَحْ بِمَدْحِهِمْ ، وَلَمْ أَكْرَهْ ذَمَّهُمْ ; لِأَنَّ حَامِدَهُمْ مُفْرِطٌ ، وَذَامَّهُمْ مُفْرِطٌ ، إِذَا تَعَلَّمَ الْعَالِمُ الْعِلْمَ لِلْعَمَلِ كَسَرَهُ ، وَإِذَا تَعَلَّمَهُ لِغَيْرِ الْعَمَلِ ، زَادَهُ فَخْرًا . الْأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : مَرَّ الْمُهْلَّبُ عَلَى مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ مُتَبَخْتِرًا ، فَقَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهَا مِشْيَةٌ يَكْرَهُهَا اللَّهُ إِلَّا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ ؟ ! فَقَالَ الْمُهَلَّبُ : أَمَا تَعْرِفُنِي ؟ قَالَ : بَلَى ، أَوَّلُكَ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ ، وَآخِرُكَ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ ، وَأَنْتَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ تَحْمِلُ الْعَذِرَةَ . فَانْكَسَرَ ، وَقَالَ : الْآنَ عَرَفْتَنِي حَقَّ الْمَعْرِفَةِ .
قَالَ حَزْمٌ الْقُطَعِيُّ : دَخَلْنَا عَلَى مَالِكٍ وَهُوَ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ ، فَرَفَعَ طَرَفَهُ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أُحِبُّ الْبَقَاءَ لِبَطْنٍ وَلَا فَرْجٍ . قِيلَ : كَانَ أَبُوهُ دِينَارٌ مِنْ سَبْيِ سِجِسْتَانَ ، وَكَنَّاهُ النَّسَائِيُّ أَبَا يَحْيَى ، وَقَالَ : ثِقَةٌ . قَالَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ : إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَلْبِ حُزْنٌ خَرِبَ ، وَعَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ : مَنْ تَبَاعَدَ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا ، فَذَاكَ الْغَالِبُ هَوَاهُ .
وَرَوَى رِيَاحٌ الْقَيْسِيُّ عَنْهُ قَالَ : مَا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ شَيْءٌ ، إِلَّا وَدُونَهُ عُقَيْبَةٌ ، فَإِنْ صَبَرَ صَاحِبُهَا ، أَفْضَتْ بِهِ إِلَى رُوحٍ ، وَإِنَّ جَزِعَ ، رَجَعَ . وَقِيلَ : دَخَلَ عَلَيْهِ لِصٌّ ، فَمَا وَجَدَ مَا يَأْخُذُ ، فَنَادَاهُ مَالِكٌ : لَمْ تَجِدْ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا ، فَتَرْغَبَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْآخِرَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : تَوَضَّأْ ، وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ، فَفَعَلَ ثُمَّ جَلَسَ وَخَرَحَ إِلَى الْمَسْجِدِ .
فَسُئِلَ مَنْ ذَا ؟ قَالَ : جَاءَ لِيَسْرِقَ فَسَرَقْنَاهُ . عَنْ سَلَم الْخَوَّاصِّ قَالَ : قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ : خَرَجَ أَهْلُ الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَذُوقُوا أَطْيَبَ شَيْءٍ فِيهَا ، قِيلَ : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى . وَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : إِنَّ الصِّدِّيقِينَ إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ طَرِبَتْ قُلُوبُهُمْ إِلَى الْآخِرَةِ .
ثُمَّ يَقُولُ : خُذُوا ، فَيَتْلُو ، وَيَقُولُ : اسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ الصَّادِقِ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ : مَالِكٌ ثِقَةٌ ، قَلِيلُ الْحَدِيثِ ، كَانَ يَكْتُبُ الْمَصَاحِفَ . وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ قَالَ : أَتَيْنَا أَنَسًا أَنَا وَثَابِتٌ وَيَزِيدُ الرُّقَاشِيُّ ، فَنَظَرَ إِلَيْنَا فَقَالَ : مَا أَشْبَهَكُمْ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَأَنْتُمْ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عِدَّةِ وَلَدِي إِلَّا أَنْ يَكُونُوا فِي الْفَضْلِ مِثْلَكُمْ ، إِنِّي لَأَدْعُوَ لَكُمْ فِي الْأَسْحَارِ .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ ثِقَةٌ ، وَلَا يَكَادُ يُحَدِّثُ عَنْهُ ثِقَةٌ . قَالَ السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى : قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ : إِنَّهُ لَتَأْتِي عَلَيَّ السَّنَةُ لَا آكُلُ فِيهَا لَحْمًا إِلَّا مِنْ أُضْحِيَتِي يَوْمَ الْأَضْحَى . قَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ : مَا أَدْرَكْتُ أَحَدًا أَزْهَدَ مِنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ .
جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ : وَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ الْخَلَائِقَ ، فَيَأْذَنُ لِي أَنْ أَسْجُدَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَأَعْرِفُ أَنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنِّي ، فَيَقُولُ لِي : كُنْ تُرَابًا . قَالَ رِيَاحُ بْنُ عَمْرٍو الْقَيْسِيُّ : سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ يَقُولُ : دَخَلَ عَلِيَّ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَأَنَا أَكْتُبُ ، فَقَالَ : يَا مَالِكُ مَا لَكَ عَمَلٌ إِلَّا هَذَا ؟ تَنْقُلُ كِتَابَ اللَّهِ ، هَذَا وَاللَّهِ الْكَسْبُ الْحَلَالُ . وَعَنْ شُعْبَةَ ، قَالَ : كَانَ أُدْمُ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِفَلْسَيْنِ مِلْحٍ .
قَالَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ : كَانَ يَنْسَخُ الْمُصْحَفَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَيَدَعُ أُجْرَتَهُ عِنْدَ الْبَقَّالِ فَيَأْكُلُهُ . وَعَنْهُ : لَوِ اسْتَطَعْتُ لَمْ أَنَمْ مَخَافَةَ أَنْ يَنْزِلَ الْعَذَابُ . يَا أَيُّهَا النَّاسُ النَّارَ النَّارَ .
قَالَ مُعَلَّى الْوَرَّاقُ : سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ يَقُولُ : خَلَطْتُ دَقِيقِي بِالرَّمَادِ فَضَعُفْتُ عَنِ الصَّلَاةِ . قَالَ السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى : تُوُفِّيَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ .