خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ
خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ ( ت ) الْإِمَامُ الْمُحَدِّثُ الْفَقِيهُ ، مُفْتِي الْمَشْرِقِ ، أَبُو سَعِيدٍ الْعَامِرِيُّ الْبَلْخِيُّ الْحَنَفِيُّ الزَّاهِدُ ، عَالِمُ أَهْلِ بَلْخَ . تَفَقَّهَ عَلَى الْقَاضِي أَبِي يُوسُفَ . وَسَمِعَ مِنَ : ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَعَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ ، وَمَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ ، وَطَائِفَةٍ .
وَصَحِبَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ مُدَّةً . حَدَّثَ عَنْهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو كُرَيْبٍ ، وَعَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ اللَّبَقِيُّ ، وَأَهْلُ بَلَدِهِ . وَقَدْ لَيَّنَهُ مِنْ جِهَةِ إِتْقَانِهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ .
قَالَ أَبُو عِيسَى فِي جَامِعِهِ فِي بَابِ تَفْضِيلِ الْفِقْهِ عَلَى الْعِبَادَةِ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ عَوْفٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ : حُسْنُ سَمْتٍ ، وَفِقْهٌ فِي الدِّينِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : تَفَرَّدَ بِهِ خَلَفٌ ، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ هُوَ . قَالَ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمُذَكِّرَ ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْبِيكَنْدِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ مَشَايِخَنَا يَذْكُرُونَ أَنَّ السَّبَبَ لِثَبَاتِ مُلْكِ آلِ سَامَانَ ، أَنَّ أَسَدَ بْنَ نُوحٍ خَرَجَ إِلَى الْمُعْتَصِمِ ، وَكَانَ شُجَاعًا عَاقِلًا ، فَتَعَجَّبُوا مِنْ حُسْنِهِ وَعَقْلِهِ ، فَقَالَ لَهُ الْمُعْتَصِمُ : هَلْ فِي أَهْلِ بَيْتِكَ أَشْجَعُ مِنْكَ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَهَلْ فِيهِمْ أَعْلَمُ وَأَعْقَلُ مِنْكَ ؟ قَالَ : لَا ، فَلَمْ يُعْجِبِ الْمُعْتَصِمَ ، ثُمَّ سَأَلَهُ : لِمَ قُلْتَ ؟ قَالَ : لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي أَهْلِ بَيْتِي مَنْ وَطِئَ بِسَاطَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَرَآهُ غَيْرِي ، فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ ، وَوَلَّاهُ بَلْخَ ، فَكَانَ يَتَوَلَّى الْخُطْبَةَ بِنَفْسِهِ ، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ عُلَمَاءَ بَلْخَ ، فَذَكَرُوا لَهُ خَلَفَ بْنَ أَيُّوبَ ، فَتَحَيَّنَ مَجِيئَهُ لِلْجُمُعَةِ ، وَرَكِبَ إِلَى نَاحِيَتِهِ ، فَلَمَّا رَآهُ ، تَرَجَّلَ وَقَصَدَهُ ، فَقَعَدَ خَلَفٌ ، وَخَمَّرَ وَجْهَهُ ، فَقَالَ لَهُ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، فَأَجَابَهُ ، وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهِ ، فَرَفَعَ الْأَمِيرُ رَأَسَهُ إِلَى السَّمَاءِ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا الْعَبْدَ الصَّالِحَ يُبْغِضُنَا فِيكَ .
وَنَحْنُ نُحِبُّهُ فِيكَ ، ثُمَّ رَكِبَ . قَالَ : وَمَرِضَ خَلَفٌ ، فَعَادَهُ الْأَمِيرُ أَسَدٌ ، وَقَالَ : هَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ أَنْ لَا تَعُودَ إِلَيَّ ، وَإِنْ مُتُّ فَلَا تُصَلِّ عَلَيَّ وَعَلَيْكَ السَّوَادُ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ ، شَيَّعَهُ ، وَنَزَعَ سَوَادَهُ ، فَقِيلَ : إِنَّهُ سَمِعَ صَوْتًا : بِتَوَاضُعِكَ وَإِجْلَالِكَ خَلَفًا بَنَيْتُ الدَّوْلَةَ فِي عَقِبِكَ . هَذِهِ حِكَايَةٌ غَرِيبَةٌ ، فَإِنْ صَحَّتْ ، فَلَعَلَّ وِفَادَةَ أَسَدٍ عَلَى الْمَأْمُونِ حَتَّى يَسْتَقِيمَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ خَلَفًا مَاتَ فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ ، سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَتَيْنِ .
وَقِيلَ عَاشَ تِسْعًا وَسِتِّينَ سَنَةً .