190 - أَبُو حَفْصٍ النَّيْسَابُورِيُّ الْإِمَامُ الْقُدْوَةُ الرَّبَّانِيُّ ، شَيْخُ خُرَاسَانَ ، أَبُو حَفْصٍ ، عَمْرُو بْنُ سَلْمٍ ، وَقِيلَ : عُمَرُ ، وَقِيلَ : عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ ، النَّيْسَابُورِيُّ الزَّاهِدُ . رَوَى عَنْ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَقِيهِ . أَخَذَ عَنْهُ : تِلْمِيذُهُ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْحِيرِيُّ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ حَمْدَانَ الْحَافِظُ ، وَحَمْدُونُ الْقَصَّارُ ، وَطَائِفَةٌ . قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو حَفْصٍ : الْمَعَاصِي بَرِيدُ الْكُفْرِ ، كَمَا أَنَّ الْحُمَّى بَرِيدُ الْمَوْتِ . وَحَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ قَالَ : كَانَ أَبُو حَفْصٍ حَدَّادًا ، فَكَانَ غُلَامُهُ يَنْفُخُ عَلَيْهِ الْكِيرَ مَرَّةً ، فَأَدْخَلَ أَبُو حَفْصٍ يَدَهُ ، فَأَخْرَجَ الْحَدِيدَ مِنَ النَّارِ ، فَغُشِيَ عَلَى الْغُلَامِ ، فَتَرَكَ أَبُو حَفْصٍ الْحَانُوتَ ، وَأَقْبَلَ عَلَى أَمْرِهِ . وَقِيلَ : إِنَّ أَبَا حَفْصٍ دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ ، فَقَالَ الْمَرِيضُ : آهٍ ، فَقَالَ أَبُو حَفْصٍ : مِمَّنْ؟ فَسَكَتَ . فَقَالَ أَبُو حَفْصٍ : مَعَ مَنْ؟ قَالَ : فَكَيْفَ أَقُولُ؟ قَالَ : لَا يَكُنْ أَنِينُكَ شَكْوَى ، وَلَا سُكُوتُكَ تَجَلُّدًا ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ . وَعَنْ أَبِي حَفْصٍ قَالَ : حَرَسْتُ قَلْبِي عِشْرِينَ سَنَةً ، ثُمَّ حَرَسَنِي عِشْرِينَ سَنَةً ، ثُمَّ وَرَدَتْ عَلَيَّ وَعَلَيْهِ حَالَةٌ صِرْنَا مَحْرُوسَيْنِ جَمِيعًا . قِيلَ لِأَبِي حَفْصٍ : مَنِ الْوَلِيُّ ؟ قَالَ : مَنْ أُيِّدَ بِالْكَرَامَاتِ ، وَغُيِّبَ عَنْهَا . قَالَ الْخُلْدِيُّ سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ ذَكَرَ أَبَا حَفْصٍ النَّيْسَابُورِيَّ ، فَقَالَ صَاحِبٌ لِلْحَلَّاجِ : نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، كَانَتْ لَهُ حَالٌ إِذَا لَبِسَتْهُ مَكَثَ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ ، لَا يُمْكِنُ أَحَدٌ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ ، فَكَانُوا يَدَعُونَهُ حَتَّى يَزُولَ ذَلِكَ عَنْهُ . وَبَلَغَنِي أَنَّهُ أَنَفَدَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ بِضْعَةَ عَشْرَ أَلْفَ دِينَارٍ يَفْتَكُّ بِهَا أَسْرَى ، فَلَمَّا أَمْسَى لَمْ يَكُنْ لَهُ عَشَاءٌ . قَالَ الْمُرْتَعِشُ : دَخَلْتُ مَعَ أَبِي حَفْصٍ عَلَى مَرِيضٍ ، فَقَالَ : مَا تَشْتَهِي ؟ قَالَ : أَنْ أَبْرَأَ . فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : احْمِلُوا عَنْهُ . فَقَامَ مَعَنَا ، وَأَصْبَحْنَا نُعَادُ فِي الْفُرُشِ . قَالَ السُّلَمِيُّ : أَبُو حَفْصٍ كَانَ حَدَّادًا ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ طَرِيقَةَ التَّصَوُّفِ بِنَيْسَابُورَ . سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ ، سَمِعْتُ أَبَا عَمْرِو بْنَ عِلْوَانَ ، وَسَأَلْتُهُ : هَلْ رَأَيْتَ أَبَا حَفْصٍ عِنْدَ الْجُنَيْدِ ؟ فَقَالَ : كُنْتُ غَائِبًا ، لَكِنْ سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ يَقُولُ : أَقَامَ أَبُو حَفْصٍ عِنْدِي سَنَةً مَعَ ثَمَانِيَةٍ ، فَكُنْتُ أُطْعِمُهُمْ طَعَامًا طَيِّبًا - وَذَكَرَ أَشْيَاءَ مِنَ الثِّيَابِ - فَلَمَّا أَرَادُوا السَّفَرَ كَسَوْتُهُمْ . فَقَالَ لِي : لَوْ جِئْتَ إِلَى نَيْسَابُورَ عَلَّمْنَاكَ السَّخَاءَ وَالْفُتُوَّةَ . ثُمَّ قَالَ : عَمَلُكَ كَانَ فِيهِ تُكَلُّفٌ ، إِذَا جَاءَ الْفُقَرَاءُ فَكُنْ مَعَهُمْ بِلَا تَكَلُّفٍ ، إِنْ جُعْتَ جَاعُوا ، وَإِنْ شَبِعَتْ شَبِعُوا . قَالَ الْخُلْدِيُّ : لَمَّا قَالَ أَبُو حَفْصٍ لِلْجُنَيْدِ : لَوْ دَخَلْتَ نَيْسَابُورَ عَلَّمْنَاكَ كَيْفَ الْفُتُوَّةُ ، قِيلَ لَهُ : مَا الَّذِي رَأَيْتَ مِنْهُ ؟ قَالَ : صَيَّرَ أَصْحَابِي مُخَنَّثِينَ ، كَانَ يَتَكَلَّفُ لَهُمُ الْأَلْوَانَ ، وَإِنَّمَا الْفُتُوَّةُ تَرْكُ التَّكَلُّفِ . وَقِيلَ : كَانَ فِي خِدْمَةِ أَبِي حَفْصٍ شَابٌّ يَلْزَمُ السُّكُوتَ ، فَسَأَلَهُ الْجُنَيْدُ عَنْهُ ، فَقَالَ : هَذَا أَنْفَقَ عَلَيْنَا مِائَةَ أَلْفٍ ، وَاسْتَدَانَ مِائَةَ أَلْفٍ مَا سَأَلَنِي مَسْأَلَةً إِجْلَالًا لِي . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الثَّقَفِيُّ : كَانَ أَبُو حَفْصٍ يَقُولُ : مَنْ لَمْ يَزِنْ أَحْوَالَهُ كُلَّ وَقْتٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَلَمْ يَتَّهِمْ خَوَاطِرَهُ ، فَلَا تَعُدَّهُ . وَفِي مُعْجَمِ بَغْدَادَ لِلسِّلَفِيِّ ، قِيلَ : قَدِمَ وَلَدَانِ لِأَبِي حَفْصٍ النَّيْسَابُورِيِّ ، فَحَضَرَا عِنْدَ الْجُنَيْدِ ، فَسَمِعَا قَوَّالِينَ ، فَمَاتَا . فَجَاءَ أَبُوهُمَا ، وَحَضَرَعِنْدَ الْقَوَّالِينَ ، فَسَقَطَا مَيِّتَيْنِ . ابْنُ نُجِيْدٍ : سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الزَّجَّاجِيَّ يَقُولُ : كَانَ أَبُو حَفْصٍ نُورَ الْإِسْلَامِ فِي وَقْتِهِ . وَعَنْ أَبِي حَفْصٍ : مَا اسْتَحَقَّ اسْمَ السَّخَاءِ مَنْ ذَكَرَ الْعَطَاءَ ، وَلَا لَمَحَهُ بِقَلْبِهِ . وَعَنْهُ : الْكَرَمُ طَرْحُ الدُّنْيَا لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا ، وَالْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ بِحَاجَتِكَ إِلَيْهِ . أَحْسَنُ مَا يَتَوَسَّلُ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى مَوْلَاهُ الِافْتِقَارُ إِلَيْهِ ، وَمُلَازَمَةُ السُّنَّةِ ، وَطَلَبُ الْقُوتِ مِنْ حِلِّهِ . تُوُفِّيَ الْأُسْتَاذُ أَبُو حَفْصٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ . وَقِيلَ : سَنَةَ خَمْسٍ . رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ .
المصدر: سير أعلام النبلاء
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-62/h/726162
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة