ابْنُ قُتَيْبَةَ
ابْنُ قُتَيْبَةَ الْعَلَّامَةُ الْكَبِيرُ ، ذُو الْفُنُونِ أَبُو مُحَمَّدٍ ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ ، وَقِيلَ : الْمَرْوَزِيُّ ، الْكَاتِبُ ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ . نَزَلَ بَغْدَادَ ، وَصَنَّفَ وَجَمَعَ ، وَبَعُدَ صَيْتُهُ . حَدَّثَ عَنْ : إِسْحَاقَ ابْنِ رَاهْوَيْهِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ زِيَادِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الزِّيَادِيِّ ، وَزِيَادِ بْنِ يَحْيَى الْحَسَّانِيِّ ، وَأَبِي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ ، وَطَائِفَةٍ .
حَدَّثَ عَنْهُ : ابْنُهُ الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، بِدِيَارِ مِصْرَ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ السُّكَّرِيُّ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَكْرٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دُرُسْتُوَيْهِ النَّحْوِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ : كَانَ ثِقَةً دَيِّنًا فَاضِلًا . ذِكْرُ تَصَانِيفِهِ : غَرِيبُ الْقُرْآنِ ، غَرِيبُ الْحَدِيثِ ، كِتَابُ الْمَعَارِفِ ، كِتَابُ مُشْكِلِ الْقُرْآنِ ، كِتَابُ مُشْكِلِ الْحَدِيثِ ، كِتَابُ أَدَبِ الْكَاتِبِ ، كِتَابُ عُيُونِ الْأَخْبَارِ ، كِتَابُ طَبَقَاتِ الشُّعَرَاءِ ، كِتَابُ إِصْلَاحِ الْغَلَطِ ، كِتَابُ الْفُرْسِ ، كِتَابُ الْهَجْوِ ، كِتَابُ الْمَسَائِلِ ، كِتَابُ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ ، كِتَابُ الْمَيْسِرِ ، كِتَابُ الْإِبِلِ ، كِتَابُ الْوَحْشِ ، كِتَابُ الرُّؤْيَا ، كِتَابُ الْفِقْهِ ، كِتَابُ مَعَانِي الشِّعْرِ ، كِتَابُ جَامِعِ النَّحْوِ ، كِتَابُ الصِّيَامِ ، كِتَابُ أَدَبِ الْقَاضِي ، كِتَابُ الرَّدِّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ ، كِتَابُ إِعْرَابِ الْقُرْآنِ ، كِتَابُ الْقِرَاءَاتِ ، كِتَابُ الْأَنْوَاءِ ، كِتَابُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ ، كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ .
وَقَدْ وَلِيَ قَضَاءَ الدِّينَوَرِ ، وَكَانَ رَأْسًا فِي عِلْمِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ ، وَالْأَخْبَارِ وَأَيَّامِ النَّاسِ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ : كَانَ يَرَى رَأْيَ الْكَرَّامِيَّةِ . وَنَقَلَ صَاحِبُ مِرْآةِ الزَّمَانِ ، بِلَا إِسْنَادٍ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : كَانَ ابْنُ قُتَيْبَةَ يَمِيلُ إِلَى التَّشْبِيهِ .
قُلْتُ : هَذَا لَمْ يَصِحَّ ، وَإِنْ صَحَّ عَنْهُ ، فَسُحْقًا لَهُ ، فَمَا فِي الدِّينِ مُحَابَاةٌ . وَقَالَ مَسْعُودٌ السِّجْزِيُّ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمَ يَقُولُ : أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْقُتَبِيَّ كَذَّابٌ . قُلْتُ : هَذِهِ مُجَازَفَةٌ وَقِلَّةُ وَرَعٍ ، فَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا اتَّهَمَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ هَذِهِ الْقَوْلَةِ ، بَلْ قَالَ الْخَطِيبُ : إِنَّهُ ثِقَةٌ .
وَقَدْ أَنْبَأَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَلَامَةَ ، عَنْ حَمَّادٍ الْحَرَّانَيِّ أَنَّهُ سَمِعَ السِّلَفِيَّ يُنْكِرُ عَلَى الْحَاكِمِ فِي قَوْلِهِ : لَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ . وَيَقُولُ : ابْنُ قُتَيْبَةَ مِنَ الثِّقَاتِ ، وَأَهْلِ السُّنَّةِ . ثُمَّ قَالَ : لَكِنَّ الْحَاكِمَ قَصَدَهُ لِأَجْلِ الْمَذْهَبِ .
قُلْتُ : عَهْدِي بِالْحَاكِمِ يَمِيلُ إِلَى الْكَرَّامِيَّةِ ، ثُمَّ مَا رَأَيْتُ لِأَبِي مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِ مُشْكِلِ الْحَدِيثِ مَا يُخَالِفُ طَرِيقَةَ الْمُثْبِتَةِ وَالْحَنَابِلَةِ ، وَمِنْ أَنَّ أَخْبَارَ الصِّفَاتِ تُمَرُّ وَلَا تُتَأَوَّلُ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَكَانَ ابْنُهُ أَحْمَدُ حُفَظَةً ، فَحَفِظَ مُصَنَّفَاتِ أَبِيهِ ، وَحَدَّثَ بِهَا بِمِصْرَ لَمَّا وَلِيَ قَضَاءَهَا مِنْ حِفْظِهِ ، وَاجْتَمَعَ لِسَمَاعِهَا الْخَلْقُ سَنَةَ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثَ مِائَةٍ ، وَكَانَ يَقُولُ : إِنَّ وَالِدَهُ أَبَا مُحَمَّدٍ لَقَّنَهُ إِيَّاهَا . وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ بِأَصَحِّ إِسْنَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيِّ ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ ، فَقَدْ كَفَرَ ، وَمَنْ أَنْكَرَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ ، فَقَدْ كَفَرَ ، وَلَيْسَ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَلَا رَسُولَهُ تَشْبِيهًا .
قُلْتُ : أَرَادَ أَنَّ الصِّفَاتِ تَابِعَةٌ لِلْمَوْصُوفِ ، فَإِذَا كَانَ الْمَوْصُوفُ تَعَالَى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ ، فَكَذَلِكَ صِفَاتُهُ لَا مَثْلَ لَهَا ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَوْلِ فِي الذَّاتِ وَالْقَوْلِ فِي الصِّفَاتِ ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ . قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْمُنَادِي : مَاتَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ فُجَاءَةً ، صَاحَ صَيْحَةً سُمِعَتْ مِنْ بُعْدٍ ، ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ، وَكَانَ أَكْلَ هَرِيسَةً ، فَأَصَابَ حَرَارَةً ، فَبَقِيَ إِلَى الظُّهْرِ ، ثُمَّ اضْطَرَبَ سَاعَةً ، ثُمَّ هَدَأَ ، فَمَا زَالَ يَتَشَهَّدُ إِلَى السَّحَرِ ، وَمَاتَ - سَامَحَهُ اللَّهُ - وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَجَبٍ ، سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ . وَالرَّجُلُ لَيْسَ بِصَاحِبِ حَدِيثٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ ، عِنْدَهُ فُنُونٌ جَمَّةٌ ، وَعُلُومٌ مُهِمَّةٌ .
قَرَأْتُ عَلَى مُسْنِدِ حَلَبَ أَبِي سَعِيدٍ سُنْقُرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّطِيفِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الْمُرَقَّعَاتِيُّ ، أَخْبَرَنَا جَدِّي لِأُمِّي ثَابِتُ بْنُ بُنْدَارٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ اللَّبَّانُ ، فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَافِظُ ، أَخْبَرَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ بِبُخَارَى سَنَةَ 334 ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ ، حَدَّثَنِي الزِّيَادِيُّ ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبَدِ خَيْرٍ ، قَالَ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ أَعْلَى الْقَدَمِ أَحَقُّ مِنْ بَاطِنِهَا ، حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ عَلَى قَدَمَيْهِ قَالَ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ : سمعت ابْنَ قُتَيْبَةَ يَقُولُ : أَنَا أَكْثَرُ أَوْضَاعًا مِنْ أَبِي عُبَيْدٍ ، لَهُ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ وَضْعًا ، وَلِي سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ . ثُمَّ قَالَ قَاسِمُ : وَلَهُ فِي الْفِقْهِ كِتَابٌ ، وَلَهُ عَنِ ابْنِ رَاهْوَيْهِ شَيْءٌ كَثِيرٌ قِيلَ لِابْنِ أَصْبَغَ : فَكِتَابُهُ فِي الْفِقْهِ كَانَ يُنْفِقُ عَنْهُ قَالَ : لَا وَاللَّهِ ، لَقَدْ ذَاكَرْتُ الطَّبَرِيَّ ، وَابْنَ سُرَيْجٍ ، وَكَانَا مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ ، وَقُلْتُ : كَيْفَ كِتَابُ ابْنِ قُتَيْبَةَ فِي الْفِقْهِ ؟ فَقَالَا : لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَلَا كِتَابُ أَبِي عُبَيْدٍ فِي الْفِقْهِ ، أَمَا تَرَى كِتَابَهُ فِي الْأَمْوَالِ ، وَهُوَ أَحْسَنُ كُتُبِهِ ، كَيْفَ بُنِيَ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ ، وَاحْتَجَّ بِغَيْرِ صَحِيحٍ ؟ ثُمَّ قَالَا : لَيْسَ هَؤُلَاءِ لِهَذَا ، بِالْحَرِيِّ أَنْ تَصِحَّ لَهُمَا اللُّغَةُ ، فَإِذَا أَرَدْتَ الْفِقْهَ ، فَكُتُبُ الشَّافِعِيِّ وَدَاوُدَ وَنُظَرَائِهِمَا . قَالَ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ : كُنَّا عِنْدَ ابْنِ قُتَيْبَةَ ، فَأَتَوْهُ بِأَيْدِيهِمُ الْمَحَابِرُ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ سَلِّمْنَا مِنْهُمْ .
فَقَعَدُوا ، ثُمَّ قَالُوا : حَدِّثْنَا - رَحِمَكَ اللَّهُ - قَالَ : لَيْسَ أَنَا مِمَّنْ يُحَدِّثُ ، إِنَّمَا هَذِهِ الْأَوْضَاعُ ، فَمَنْ أَحَبَّ ؟ قَالُوا لَهُ : مَا يَحِلُّ لَكَ هَذَا ، فَحَدِّثْنَا بِمَا عِنْدَكَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ، فَإِنَّا لَا نَجِدُ فِيهِ إِلَّا طَبَقَتَكَ ، وَأَنْتَ عِنْدَنَا أَوْثَقُ . قَالَ : لَسْتُ أُحَدِّثُ . ثُمَّ قَالَ لَهُمْ : تَسْأَلُونَ أَنْ أُحَدِّثَ ، وَبِبَغْدَادَ ثَمَانُ مِائَةِ مُحَدِّثٍ ، كُلُّهُمْ مِثْلُ مَشَايِخِي ! ، لَسْتُ أَفْعَلُ .
فَلَمْ يُحَدِّثْهُمْ بِشَيْءٍ .