أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ
أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ ( د ) الشَّيْخُ ، الْإِمَامُ ، الصَّادِقُ ، مُحَدِّثُ الشَّامِ أَبُو زُرْعَةَ ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو النَّصْرِيُّ - بِنُونٍ - الدِّمَشْقِيُّ ، وَكَانَتْ دَارُهُ عِنْدَ بَابِ الْجَابِيَةِ . وُلِدَ قَبْلَ الْمِائَتَيْنِ . وَرَوَى عَنْ : أَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ ، وَهَوْذَةَ بْنِ خَلِيفَةَ ، وَعَفَّانَ بْنِ مُسْلِمٍ ، وَأَبِي مُسْهِرٍ الْغَسَّانِيِّ ، وَأَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ الْوَهْبِيِّ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ ، وَعَلِيِّ بْنِ عَيَّاشٍ ، وَأَبِي الْيَمَانِ الْحَكَمِ بْنِ نَافِعٍ ، وَأَبِي بَكْرٍ الْحُمَيْدِيِّ ، وَأَبِي غَسَّانَ النَّهْدِيِّ ، وَسَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ سَعْدَوَيْهِ ، وَعَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ دَاوُدَ ، وَأَبِي الْجُمَاهِرِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ التَّنُوخِيِّ .
وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْفَرَادِيسِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْهَاشِمِيِّ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ ، وَهِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ، وَيَحْيَى بْنِ صَالِحٍ الْوُحَاظِيِّ ، وَخَلْقٍ كَثِيرٍ بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ . وَجَمَعَ وَصَنَّفَ ، وَذَاكَرَ الْحُفَّاظَ ، وَتَمَيَّزَ ، وَتَقَدَّمَ عَلَى أَقْرَانِهِ ، لِمَعْرِفَتِهِ وَعُلُوِّ سَنَدِهِ . حَدَّثَ عَنْهُ : أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ ، وَيَعْقُوبُ الْفَسَوِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْمُعَلَّى الْقَاضِي ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ أَبِي الدَّرْدَاءَ الصَّرَفَنْدِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ جَوْصَا ، وَيَحْيَى بْنُ صَاعِدٍ ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ ، وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ حَذْلَمٍ ، وَأَبُو يَعْقُوبَ الْأَذْرَعِيُّ ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي الْعَقِبِ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ ، وَأَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ .
أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَامَةَ عَنْ أَبِي الْمَكَارِمِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شِيرَوَيْهِ ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ دِينَارٍ ، قَالَ : دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْطُبُ النَّاسَ خَلِيفَةً لِمَرْوَانَ أَيَّامَ الْحَجِّ ، فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، فَقَالَ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُّلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، ثُمَّ الَّتِي تَلِيهَا عَلَى أَشَدِّ نُجُومِ السَّمَاءِ إِضَاءَةً . قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ : كَانَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ رَفِيقَ أَبِي ، وَكَتَبْتُ عَنْهُ أَنَا وَأَبِي ، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا . قَالَ أَبُو الْمَيْمُونِ بْنُ رَاشِدٍ : سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ : أُعْجِبَ أَبُو مُسْهِرٍ بِمُجَالَسَتِي إِيَّاهُ صَغِيرًا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : ذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ أَبَا زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيَّ ، فَقَالَ : هُوَ شَيْخُ الشَّبَابِ . وَسُئِلَ أَبِي عَنْهُ ، فَقَالَ : صَدُوقٌ . قُلْتُ : لِأَبِي زُرْعَةَ تَارِيخٌ مُفِيدٌ فِي مُجَلَّدٍ وَلَمَّا قَدِمَ أَهْلُ الرَّيِّ إِلَى دِمَشْقَ ، أَعْجَبَهُمْ عِلْمُ أَبِي زُرْعَةَ ، فَكَنَّوْا صَاحِبَهُمْ الْحَافِظَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْكَرِيمِ بِكُنْيَتِهِ .
أَخْبَرَتْنَا نَخْوَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ خَلِيلٍ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّرَسُوسِيُّ ، وَأَنْبَأَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنِ الطَّرَسُوسِيِّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : قَالَ طَاوُسٌ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : ذَكَرُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَاغْسِلُوا رُءُوسَكُمْ ، وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا ، وَأَصِيبُوا مِنَ الطِّيبِ فَقَالَ : أَمَّا الْغُسْلُ : فَنَعَمْ ، وَأَمَّا الطَّيبُ : فَلَا أَدْرِي . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ . قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ : قَرَأْتُ فِي كِتَابِ أَبِي الْحُسَيْنِ الرَّازِيِّ - يَعْنِي وَالِدَ تَمَّامٍ - قَالَ : سَمِعْتُ جَمَاعَةً قَالُوا : لَمَّا اتَّصَلَ الْخَبَرُ بِأَبِي أَحْمَدَ الْوَاثِقِ ، أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ طُولُونَ قَدْ خَلَعَهُ بِدِمَشْقَ ، أَمَرَ بِلَعْنِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ عَلَى الْمَنَابِرِ ، فَلَمَّا بَلَغَ أَحْمَدَ ، أَمَرَ بِلَعْنِ الْمُوَفَّقِ عَلَى الْمَنَابِرِ بِمِصْرَ وَالشَّامِ .
وَكَانَ أَبُو زُرْعَةَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْقَاضِي مِمَّنْ خَلَعَ الْمُوَفَّقَ - يَعْنِي مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ - وَلَعَنَهُ ، وَوَقَفَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ بِدِمَشْقَ ، وَلَعَنَهُ ، وَقَالَ : نَحْنُ أَهْلُ الشَّامِ ، نَحْنُ أَهْلُ صِفِّينَ ، وَقَدْ كَانَ فِينَا مَنْ حَضَرَ الْجَمَلَ ، وَنَحْنُ الْقَائِمُونَ بِمَنْ عَانَدَ أَهْلَ الشَّامِ ، وَأَنَا أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ خَلَعْتُ أَبَا أَحْمَقَ - يَعْنِي أَبَا أَحْمَدَ - كَمَا يُخْلَعُ الْخَاتَمُ مِنَ الْإِصْبَعِ ، فَالْعَنُوهُ ، لَعَنَهُ اللَّهُ . قَالَ الرَّازِيُّ : وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ ، قَالَ : لَمَّا رَجَعَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُوَفَّقِ مِنْ وَقْعَةِ الطَّوَاحِينِ إِلَى دِمَشْقَ ، مِنْ مُحَارَبَةِ خُمَارَوَيُهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ - يَعْنِي بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ أَحْمَدَ ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَسَبْعِينَ - قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيِّ : انْظُرْ مَا انْتَهَى إِلَيْكَ مِمَّنْ كَانَ يُبْغِضُنَا فَلْيُحْمَلْ . فَحُمِلَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ ، وَأَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ ، وَالْقَاضِي أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عُثْمَانَ ، حَتَّى صَارُوا بِهِمْ مُقَيَّدِينَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ ، فَبَيْنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْمُوَفَّقِ - وَهُوَ الْمُعْتَضِدُ - يَسِيرُ يَوْمًا ، إِذْ بَصُرَ بِمَحَامِلِ هَؤُلَاءِ ، فَقَالَ لِلْوَاسِطِيِّ : مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : أَهْلُ دِمَشْقَ .
قَالَ : وَفِي الْأَحْيَاءِ هُمْ ؟ إِذَا نَزَلْتُ فَاذْكُرْنِي بِهِمْ . قَالَ ابْنُ صَالِحٍ : فَحَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ ، قَالَ : فَلَمَّا نَزَلَ ، أَحْضَرَنَا بَعْدَ أَنْ فُكَّتِ الْقُيُودُ ، وَأُوقِفْنَا مَذْعُورِينَ ، فَقَالَ : أَيُّكُمُ الْقَائِلُ : قَدْ نَزَعْتُ أَبَا أَحْمَقَ؟ قَالَ : فَرَبَتْ أَلْسِنَتُنَا حَتَّى خُيِّلَ إِلَيْنَا أَنَّنَا مَقْتُولُونْ فَأَمَّا أَنَا : فأُبْلِسْتُ وَأَمَّا ابْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ : فَخَرِسَ ، وَكَانَ تِمْتَامًا ، وَكَانَ أَبُو زُرْعَةَ الْقَاضِي أَحْدَثَنَا سِنًّا ، فَقَالَ : أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ . فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الْوَاسِطِيُّ ، فَقَالَ : أَمْسِكْ حَتَّى يَتَكَلَّمَ أَكْبَرُ مِنْكَ .
ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْنَا ، وَقَالَ : مَاذَا عِنْدَكُمْ ؟ فَقُلْنَا : أَصْلَحَكَ اللَّهُ ! هَذَا رَجُلٌ مُتَكَلِّمٌ يَتَكَلَّمُ عَنَّا ، قَالَ : تَكَلَّمْ : فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا فِينَا هَاشِمِيٌّ ، وَلَا قُرَشِيٌّ صَحِيحٌ ، وَلَا عَرَبِيٌّ فَصِيحٌ ، وَلَكِنَّا قَوْمٌ مُلِكْنَا حَتَّى قُهِرْنَا . وَرَوَى أَحَادِيثَ كَثِيرَةً عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ، فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ ، وَأَحَادِيثَ فِي الْعَفْوِ وَالْإِحْسَانِ ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِالْكَلِمَةِ الَّتِي نُطَالَبُ بِخِزْيهَا ، ثُمَّ قَالَ : أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ ، وَأُشْهِدُكَ أَنَّ نِسْوَانِي طَوَالِقُ ، وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ ، وَمَالِي حَرَامٌ إِنْ كَانَ فِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَحَدٌ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ ، وَوَرَاءَنَا عِيَالٌ وَحُرَمٌ ، وَقَدْ تَسَامَعَ النَّاسُ بِهَلَاكِنَا ، وَقَدْ قَدَرْتَ ، وَإِنَّمَا الْعَفْوُ بَعْدَ الْمَقْدِرَةِ . فَقَالَ لِلْوَاسِطِيِّ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ! أَطْلِقْهُمْ ، لَا كَثَّرَ اللَّهُ فِي النَّاسِ مِثْلَهُمْ .
فَأَطْلَقَنَا ، فَاشْتَغَلْتُ أَنَا وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ خُرَّزَاذَ فِي نُزَهِ أَنْطَاكِيَةَ وَطِيبِهَا وَحَمَّامَاتِهَا ، وَسَبَقَ أَبُو زُرْعَةَ الْقَاضِي إِلَى حِمْصَ . قَالَ ابْنُ زَبْرٍ وَالدِّمَشْقِيُّونَ : مَاتَ أَبُو زُرْعَةَ النَّصْرِيُّ سِنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَغَلَطَ مَنْ قَالَ : سَنَةَ ثَمَانِينَ .