الْحَكِيمُ
الْحَكِيمُ الْإِمَامُ ، الْحَافِظُ ، الْعَارِفُ ، الزَّاهِدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ ابْنِ الْحَسَنِ بْنِ بِشْرٍ ، الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ . حَدَّثَ عَنْ : أَبِيهِ ، وَقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، وَعَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ ، وَصَالِحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التِّرْمِذِيِّ ، وَعُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيِّ ، وَيَحْيَى خَتٍّ ، وَسُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ ، وَعَبَّادِ بْنِ يَعْقُوبَ الرَّوَاجِنِيِّ وَطَبَقَتِهِمْ . وَكَانَ ذَا رِحْلَةٍ وَمَعْرِفَةٍ ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ وَفَضَائِلٌ .
حَدَّثَ عَنْهُ : يَحْيَى بْنُ مَنْصُورٍ الْقَاضِي ، وَالْحُسْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ مَشَايِخِ نَيْسَابُورَ ، فَإِنَّهُ قَدِمَهَا وَحَدَّثَ بِهَا فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ . وَقَدْ لَقِيَ أَبَا تُرَابٍ النَّخْشَبِيَّ ، وَصَحِبَ أَحْمَدَ بْنَ خَضْرَوَيْهِ وَيَحْيَى بْنَ الْجَلَّاءِ . وَلَهُ حِكَمٌ وَمَوَاعِظُ وَجَلَالَةٌ ، لَوْلَا هَفْوَةٌ بَدَتْ مِنْهُ .
وَمِنْ كَلَامِهِ : لَيْسَ فِي الدُّنْيَا حِمْلٌ أَثْقَلُ مِنَ الْبِرِّ ، فَمَنْ بَرَّكَ ، فَقَدْ أَوْثَقَكَ ، وَمَنْ جَفَاكَ فَقَدْ أَطْلَقَكَ . وَقَالَ : كَفَى بِالْمَرْءِ عَيْبًا أَنْ يَسُرُّهُ مَا يَضُرُّهُ . وَقَالَ : مَنْ جَهِلَ أَوْصَافَ الْعُبُودِيَّةِ ، فَهُوَ بِنُعُوتِ أَوْصَافِ الرَّبَّانِيَّةِ أَجْهَلُ .
وَقَالَ : صَلَاحُ خَمْسَةٍ فِي خَمْسَةٍ : صَلَاحُ الصَّبِيِّ فِي الْمَكْتَبِ ، وَصَلَاحُ الْفَتَى فِي الْعِلْمِ ، وَصَلَاحُ الْكَهْلِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَصَلَاحُ الْمَرْأَةِ فِي الْبَيْتِ ، وَصَلَاحُ الْمُؤْذِي فِي السِّجْنِ . وَسُئِلَ عَنِ الْخَلْقِ : فَقَالَ : ضَعْفٌ ظَاهِرٌ ، وَدَعْوًى عَرِيضَةٌ . قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ : أَخْرَجُوا الْحَكِيمَ مِنْ تِرْمِذْ ، وَشَهِدُوا عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ تَصْنِيفِهِ كِتَابَ : خِتْمُ الْوَلَايَةِ وَكِتَابَ عِلَلُ الشَّرِيعَةِ ، وَقَالُوا : إِنَّهُ يَقُولُ : إِنَّ لِلْأَوْلِيَاءِ خَاتَمًا كَالْأَنْبِيَاءِ لَهُمْ خَاتَمٌ .
وَإِنَّهُ يُفَضِّلُ الْوَلَايَةَ عَلَى النُّبُوَّةِ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ : يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ . فَقَدِمَ بَلْخَ ، فَقَبِلُوهُ لِمُوَافَقَتِهِ لَهُمْ فِي الْمَذْهَبِ . وَذَكَرَهُ ابْنُ النَّجَّارِ ، فَوَهِمَ فِي قَوْلِهِ : رَوَى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَنَالَ الْعُكْبَرِيُّ .
فَإِنَّ ابْنَ يَنَالَ إِنَّمَا سَمِعَ مِنْ مُحَمَّدٍ التِّرْمِذِيِّ ، شَيْخٍ حَدَّثَهُمْ فِي سَنَةِ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَثَلَاثِ مِائَةٍ . قَالَ السُّلَمِيُّ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بُنْدَارٍ الصَّيْرَفِيُّ ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عِيسَى الْجَوْزَجَانِيَّ ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيَّ يَقُولُ : مَا صَنَّفْتُ شَيْئًا عَنْ تَدْبِيرٍ ، وَلَا لِأَنْ يَنْسُبَ إِلَيَّ شَيْءٌ مِنْهُ ، وَلَكِنْ كَانَ إِذَا اشْتَدَّ عَلَيَّ وَقْتِي كُنْتُ أَتَسَلَّى بِمُصَنَّفَاتِي . وَقَالَ السُّلَمِيُّ : هُجِرَ لِتَصْنِيفِهِ كِتَابَ : خَتْمُ الْوَلَايَةِ ، و عِلَلُ الشَّرِيعَةِ ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُوجِبُ ذَلِكَ ، وَلَكِنْ لِبُعْدِ فَهْمِهِمْ عَنْهُ .
قُلْتُ : كَذَا تُكُلِّمَ فِي السُّلَمِيِّ مِنْ أَجْلِ تَأْلِيفِهِ كِتَابَ : حَقَائِقِ التَّفْسِيرِ ، فَيَا لَيْتَهُ لَمْ يُؤَلِّفْهُ ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْإِشَارَاتِ الْحَلَّاجِيَّةِ ، وَالشَّطَحَاتِ البِسْطَامِيَّةِ ، وَتَصَوُّفِ الِاتِّحَادِيَّةِ ، فَوَاحُزْنَاهُ عَلَى غُرْبَةِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ