ابْنُ خُزَيْمَةَ
ابْنُ خُزَيْمَةَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ صَالِحِ بْنِ بَكْرٍ . الْحَافِظُ الْحُجَّةُ الْفَقِيهُ ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ ، إِمَامُ الْأَئِمَّةِ أَبُو بَكْرٍ السُّلَمِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ الشَّافِعِيُّ ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ . وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَعُنِيَ فِي حَدَاثَتِهِ بِالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ ، حَتَّى صَارَ يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلَ فِي سِعَةِ الْعِلْمِ وَالْإِتْقَانِ .
سَمِعَ مِنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، وَلَمْ يُحَدِّثْ عَنْهُمَا ، لِكَوْنِهِ كَتَبَ عَنْهُمَا فِي صِغَرِهِ وَقَبْلَ فَهْمِهِ وَتَبَصُّرِهِ ، وَسَمِعَ مِنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ ، وَعُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُرْوَزِيِّ ، وَعَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ ، وَأَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ ، وَبِشْرِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَأَبِي كُرَيْبٍ ، وَعَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ الْعَلَاءِ ، وَأَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ ، وَأَخِيهِ يَعْقُوبَ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ شَاهِينَ ، وَعَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ ، وَزِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مِهْرَانَ الْجَمَّالِ ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ ، وَيُوسُفَ بْنِ وَاضِحٍ الْهَاشِمِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى ، وَالْحُسَيْنِ بْنِ حُرَيْثٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، وَأَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ الضَّبِّيِّ ، وَنَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرِّمِيِّ ، وَيُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، وَأَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَهْبِيِّ ، وَيُوسُفَ بْنِ مُوسَى ، وَمُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْقُطَعِيِّ ، وَسَلْمِ بْنِ جُنَادَةَ ، وَيَحْيَى بْنِ حَكِيمٍ ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ بِشْرِ بْنِ مَنْصُورٍ السُّلَيْمِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيِّ ، وَهَارُونَ بْنِ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ ، وَأُمَمٍ سِوَاهُمْ ، وَمِنْهُمْ : إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْخَطْمِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبَانٍ الْبَلْخِيُّ . حَدَّثَ عَنْهُ : الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ فِي غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ - أَحَدُ شُيُوخِهِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الْمُسْتَمْلِي ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَأَبُو حَامِدِ بْنُ الشَّرْقِيُّ ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ الدَّغُولِيُّ ، وَأَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيُّ ، وَأَبُو حَاتِمٍ الْبُسْتِيُّ ، وَأَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ ، وَأَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ سَعْدٍ النَّسَوِيُّ ، وَأَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَالَوَيْهِ ، وَأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مِهْرَانَ الْمُقْرِئُ ، وَحَفِيدُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خُزَيْمَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ نُصَيْرٍ الْمُعَدَّلُ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الصِّبْغِيُّ ، وَأَبُو سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ حُسَيْنَكُ . وَبِشْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَاسِينَ ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الشَّيْبَانِيُّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَحِيرِيُّ ، وَالْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ السِّجْزِيُّ الْقَاضِي ، وَأَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْكَرَابِيسِيُّ ، وَأَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَرَابِيسِيُّ الْحَاكِمُ ، وَأَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمَرْوَانِيُّ ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصُّنْدُوقِيُّ ، وَأَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآبُرِيُّ ، وَأَبُو الْوَفَاءِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ حَمُّوَيْهِ الْمُزَكِّي ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ - فِيمَا قَرَأْتُ عَلَيْهِ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ - عَنْ عَبْدِ الْمُعِزِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيِّ : أَخْبَرَنَا تَمِيمُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْقَصَّارُ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيُّ الْحَافِظُ ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ : أَنَّ حَبِيبًا أَخْبَرَهُ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ : أَنَّهُ أَتَى صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ، وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، فَقَالَ لَهُ : مَا جَاءَ بِكُمْ ؟ قَالُوا : خَرَجْنَا مِنْ بُيُوتِنَا لِابْتِغَاءِ الْعِلْمِ . قَالَ : إِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مَنْ بَيْتِهِ لِابْتِغَاءِ الْعِلْمِ ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِمُبْتَغِي الْعِلْمِ . فَسَأَلَهُ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَجَعَلَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ وَلَيَالِيَهُنَّ ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، لَا أَقُولُ مِنْ جَنَابَةٍ ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ ، أَوْ بَوْلٍ ، أَوْ نَوْمٍ .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ : غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، لَا أَعْلَمُ حَدَّثَ بِهِ غَيْرَ أَبِي أُمِّيَّةَ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ وَاسْمُ أَبِيهِ قَيْسٌ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ ، عَنْ عَبْدِ الْمُعِزِّ بْنِ مُحَمَّدٍ ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الْكَنْجَرُودِيُّ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَاكِمُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الْمُقْرِئُ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ - مَحْبُوبٌ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ قَالَ : كَانَتِ الرُّكْبَانُ تَأْتِينَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَلَقَّى مِنْهُمُ الْآيَةَ وَالْآيَتَيْنِ ، فَكَانُوا يُخْبِرُونَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا وَكُنْتُ أَؤُمُّ قَوْمِي وَأَنَا صَغِيرُ السِّنِّ . وَبِهِ إِلَى ابْنِ خُزَيْمَةَ : حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا عَبْثَرُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِيٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ عَاشُورَاءَ : أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَكَلَ الْيَوْمَ ؟ قَالُوا : مِنَّا مَنْ صَامَ ، وَمِنَّا مَنْ لَمْ يَصُمْ .
قَالَ : فَأَتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ ، وَابْعَثُوا إِلَى أَهْلِ الْعَرُوضِ فَلْيُتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ ، فَوَافَقْنَاهُ . قَالَ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنُ وَاصِلٍ الْجُعْفِيُّ بِبِيكَنْدَ حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنِي مَهْدِيٌّ - وَالِدُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ - قَالَ : كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَكُونُ عِنْدَ سُفْيَانَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرَ ، لَا يَجِيءُ إِلَى الْبَيْتِ ، فَإِذَا جَاءَنَا سَاعَةً جَاءَ رَسُولُ سُفْيَانَ ، فَيَذْهَبُ وَيَتْرُكُنَا . وَقَالَ الْحَاكِمُ : مُحَمَّدٌ : هُوَ ابْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ بِلَا شَكٍّ ، فَقَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الدَّارِمِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ بِالْحِكَايَةِ .
قَالَ الْحَاكِمُ : قَرَأْتُ بِخَطِّ مُسْلِمٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ - صَاحِبِنَا - ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبَانَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَبِيعَةَ بِحَدِيثٍ فِي الِاسْتِسْقَاءِ . قَالَ الْحَاكِمُ : كَتَبَ إِلَيَّ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ مِنْ مِصْرَ : أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الرَّبِيعِ الْجِيزِيَّ حَدَّثَهُمْ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ خَاقَانَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا أَخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : عَلِمْتُ أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَالٌ . قَالَ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْحِيرِيُّ : حَدَّثَنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ : كُنْتُ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أُصَنِّفَ الشَّيْءَ أَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ مُسْتَخِيرًا حَتَّى يُفْتَحَ لِي ، ثُمَّ أَبْتَدِئُ التَّصْنِيفَ .
ثُمَّ قَالَ أَبُو عُثْمَانَ : إِنَّ اللَّهَ لَيَدْفَعُ الْبَلَاءَ عَنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمَدِينَةِ لِمَكَانِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ . الْحَاكِمُ : أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ وَسُئِلَ : مِنْ أَيْنَ أُوتِيتَ الْعِلْمَ ؟ فَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ وَإِنِّي لَمَّا شَرِبْتُ سَأَلْتُ اللَّهَ عِلْمًا نَافِعًا . الْحَاكِمُ : سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ بَالَوَيْهِ ، سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ إِسْحَاقَ وَقِيلَ لَهُ : لَوْ حَلَقْتَ شَعْرَكَ فِي الْحَمَّامِ ؟ فَقَالَ : لَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ حَمَّامًا قَطُّ ، وَلَا حَلَقَ شَعْرَهُ ، إِنَّمَا تَأْخُذُ شَعْرِي جَارِيَةٌ لِي بِالْمِقْرَاضِ .
قَالَ الْحَاكِمُ : وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ جَدِّهِ ؟ فَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا جُهْدَهُ ; بَلْ يُنْفِقُهُ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَكَانَ لَا يَعْرِفُ سَنْجَةَ الْوَزْنِ ، وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْعَشَرَةِ وَالْعِشْرِينَ ، رُبَّمَا أَخَذْنَا مِنْهُ الْعَشَرَةَ ، فَيَتَوَهَّمُ أَنَّهَا خَمْسَةٌ . الْحَاكِمُ : سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الْقَفَّالَ يَقُولُ : كَتَبَ ابْنُ صَاعِدٍ إِلَى ابْنِ خُزَيْمَةَ يَسْتَجِيزُهُ كِتَابَ الْجِهَادِ ، فَأَجَازَهُ لَهُ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ الطُّوسِيُّ : سَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ وَقَالَ لَنَا : هَلْ تَعْرِفُونَ ابْنَ خُزَيْمَةَ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ .
قَالَ : اسْتَفَدْنَا مِنْهُ أَكْثَرَ مَا اسْتَفَادَ مِنَّا . مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّكَّرِيُّ : سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ يَقُولُ : حَضَرْتُ مَجْلِسَ الْمُزَنِيِّ ، فَسُئِلَ عَنْ شِبْهِ الْعَمْدِ فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ : إِنَّ اللَّهَ وَصَفَ فِي كِتَابِهِ الْقَتْلَ صِنْفَيْنِ : عَمْدًا وَخَطَأً ، فَلِمَ قُلْتُمْ : إِنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ، وَتَحْتَجُّ بِعَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ ؟ فَسَكَتَ الْمُزَنِيُّ ، فَقُلْتُ لِمُنَاظِرِهِ : قَدْ رَوَى الْحَدِيثَ أَيْضًا أَيُّوبُ وَخَالِدٌ الْحَذَّاءُ ، فَقَالَ لِي : فَمَنْ عُقْبَةُ بْنُ أَوْسٍ ؟ قُلْتُ : شَيْخٌ بَصْرِيٌّ قَدْ رَوَى عَنْهُ ابْنُ سِيرِينَ مَعَ جَلَالَتِهِ ، فَقَالَ لِلْمُزَنِيِّ : أَنْتَ تُنَاظِرُ أَوْ هَذَا ؟ قَالَ : إِذَا جَاءَ الْحَدِيثُ ، فَهُوَ يُنَاظِرُ ; لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ، ثُمَّ أَتَكَلَّمُ أَنَا . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ : سَمِعْتُ جَدِّي يَقُولُ : اسْتَأْذَنْتُ أَبِي فِي الْخُرُوجِ إِلَى قُتَيْبَةَ ، فَقَالَ : اقْرَأِ الْقُرْآنَ أَوَّلًا حَتَّى آذَنَ لَكَ .
فَاسْتَظْهَرْتُ الْقُرْآنَ ، فَقَالَ لِي : امْكُثْ حَتَّى تُصَلِّيَ بِالْخَتْمَةِ . فَفَعَلْتُ ، فَلَمَّا عَيَّدْنَا ، أَذِنَ لِي ، فَخَرَجْتُ إِلَى مَرْوٍ ، وَسَمِعْتُ بِمَرْوِالرُّوذِ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ هِشَامٍ - صَاحِبِ هُشَيْمٍ - ، فَنَعَى إِلَيْنَا قُتَيْبَةَ . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ : لَمْ أَرَ أَحَدًا مِثْلَ ابْنِ خُزَيْمَةَ .
قُلْتُ : يَقُولُ مِثْلَ هَذَا وَقَدْ رَأَى النَّسَائِيَّ ؟! . قَالَ أَبُو أَحْمَدَ حُسَيْنَكُ : سَمِعْتُ إِمَامَ الْأَئِمَّةِ أَبَا بَكْرٍ يَحْكِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ خَشْرَمٍ ، عَنِ ابْنِ رَاهْوَيْهِ : أَنَّهُ قَالَ : أَحْفَظُ سَبْعِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ . فَقُلْتُ لِابْنِ خُزَيْمَةَ : كَمْ يَحْفَظُ الشَّيْخَ ؟ فَضَرَبَنِي عَلَى رَأْسِي ، وَقَالَ : مَا أَكْثَرَ فُضُولَكَ ! ثُمَّ قَالَ : يَا بُنَيَّ ، مَا كَتَبْتُ سَوْدَاءَ فِي بَيَاضٍ إِلَّا وَأَنَا أَعْرِفُهُ .
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ : كَانَ ابْنُ خُزَيْمَةَ يَحْفَظُ الْفِقْهِيَّاتِ مِنْ حَدِيثِهِ كَمَا يَحْفَظُ الْقَارِئُ السُّورَةَ . أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَقْتِ ، أَخْبَرَنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ التَّمِيمِيُّ قَالَ : مَا رَأَيْتُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَنْ يَحْفَظُ صِنَاعَةَ السُّنَنِ ، وَيَحْفَظُ أَلْفَاظَهَا الصِّحَاحِ ، وَزِيَادَاتِهَا ، حَتَّى كَأَنَّ السُّنَنَ كُلَّهَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ - إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ فَقَطُّ . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ : كَانَ ابْنُ خُزَيْمَةَ إِمَامًا ثَبْتًا ، مَعْدُومَ النَّظِيرِ .
حَكَى أَبُو بِشْرٍ الْقَطَّانُ قَالَ : رَأَى جَارٌ لِابْنِ خُزَيْمَةَ - مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ - كَأَنَّ لَوْحًا عَلَيْهِ صُورَةُ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَابْنُ خُزَيْمَةَ يَصْقُلُهُ . فَقَالَ الْمُعَبِّرُ : هَذَا رَجُلٌ يُحْيِي سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ - وَذُكِرَ لَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ - فَقَالَ : يَسْتَخْرِجُ النُّكَتَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ بِالْمِنْقَاشِ .
وَقَدْ كَانَ هَذَا الْإِمَامُ جِهْبَذًا بَصِيرًا بِالرِّجَالِ ، فَقَالَ - فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ - شَيْخُ الْحَاكِمِ : لَسْتُ أَحْتَجُّ بِشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، وَلَا بِحَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ لِمَذْهَبِهِ وَلَا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَلَا بِبَقِيَّةَ ، وَلَا بِمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ ، وَلَا بِأَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ ، وَلَا بِعَلِيِّ بْنِ جُدْعَانَ لِسُوءِ حِفْظِهِ ، وَلَا بِعَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَلَا بِابْنِ عَقِيلٍ ، وَلَا بِيَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، وَلَا بِمُجَالِدٍ ، وَلَا بِحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ إِذَا قَالَ : عَنْ ، وَلَا بِأَبِي حُذَيْفَةَ النَّهْدِيِّ ، وَلَا بِجَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ ، وَلَا بِأَبِي مَعْشَرٍ نَجِيحٍ ، وَلَا بِعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، وَلَا بِقَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ . ثُمَّ سَمَّى خَلْقًا دُونَ هَؤُلَاءِ فِي الْعَدَالَةِ ; فَإِنَّ الْمَذْكُورِينَ احْتَجَّ بِهِمْ غَيْرُ وَاحِدٍ . وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيُّ : سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ يَقُولُ : لَيْسَ لِأَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلٌ إِذَا صَحَّ الْخَبَرُ .
قَالَ الْحَاكِمُ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ صَالِحِ بْنِ هَانِئٍ ، سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ يَقُولُ : مَنْ لَمْ يُقِرَّ بِأَنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ قَدِ اسْتَوَى فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتِهِ - فَهُوَ كَافِرٌ حَلَالُ الدَّمِ ، وَكَانَ مَالُهُ فَيْئًا . قُلْتُ : مَنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ تَصْدِيقًا لِكِتَابِ اللَّهِ ، وَلِأَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَآمَنَ بِهِ مُفَوِّضًا مَعْنَاهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَلَمْ يَخُضْ فِي التَّأْوِيلِ وَلَا عَمَّقَ ، فَهُوَ الْمُسْلِمُ الْمُتَّبِعُ ، وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ ، فَلَمْ يَدْرِ بِثُبُوتِ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ فَهُوَ مُقَصِّرٌ ، وَاللَّهُ يَعْفُو عَنْهُ ، إِذْ لَمْ يُوجِبِ اللَّهُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَفِظَ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ ، وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ الْعِلْمِ ، وَقَفَا غَيْرَ سَبِيلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ ، وَتَمَعْقَلَ عَلَى النَّصِّ ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الضَّلَالِ وَالْهَوَى . وَكَلَامُ ابْنِ خُزَيْمَةَ هَذَا - وَإِنْ كَانَ حَقًّا - فَهُوَ فَجٌّ ، لَا تَحْتَمِلُهُ نُفُوسُ كَثِيرٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْعُلَمَاءِ .
قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ حَسَّانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهُ : سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ يَقُولُ : الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ مَخْلُوقٌ . فَهُوَ كَافِرٌ ، يُسْتَتَابُ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ ، وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ . وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ عَظَمَةٌ فِي النُّفُوسِ ، وَجَلَالَةٌ فِي الْقُلُوبِ لِعِلْمِهِ وَدِينِهِ ، وَاتِّبَاعِهِ السَّنَةَ .
وَكِتَابُهُ فِي التَّوْحِيدِ مُجَلَّدٌ كَبِيرٌ ، وَقَدْ تَأَوَّلَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَ الصُّورَةِ فَلْيَعْذُرْ مَنْ تَأَوَّلَ بَعْضَ الصِّفَاتِ . وَأَمَّا السَّلَفُ فَمَا خَاضُوا فِي التَّأْوِيلِ ; بَلْ آمَنُوا وَكَفُّوا ، وَفَوَّضُوا عِلْمَ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَلَوْ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ - مَعَ صِحَّةِ إِيمَانِهِ ، وَتَوَخِّيهِ لِاتِّبَاعِ الْحَقِّ - أَهْدَرْنَاهُ ، وَبَدَّعْنَاهُ ، لَقَلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنَ الْأَئِمَّةِ مَعَنَا . رَحِمَ اللَّهُ الْجَمِيعَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ .
قَالَ الْحَاكِمُ : فَضَائِلُ إِمَامِ الْأَئِمَّةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ عِنْدِي مَجْمُوعَةٌ فِي أَوْرَاقٍ كَثِيرَةٍ ، وَمُصَنَّفَاتُهُ تَزِيدُ عَلَى مِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ كِتَابًا سِوَى الْمَسَائِلِ ، وَالْمَسَائِلُ الْمُصَنَّفَةُ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ . قَالَ : وَلَهُ فِقْهُ حَدِيثِ بَرِيرَةَ فِي ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ . قَالَ حَمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدَّلُ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدٍ الْأَصْبَهَانِيَّ يَقُولُ : سُئِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ فَقَالَ : وَيْحَكُمْ ! هُوَ يُسْأَلُ عَنَّا وَلَا نُسْأَلُ عَنْهُ ! هُوَ إِمَامٌ يُقْتَدَى بِهِ .
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّاشِيُّ : حَضَرْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ النَّقَّاشُ الْمُقْرِئُ : بَلَغَنِي أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ بَيْنَ الْمُزَنِيِّ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، قِيلَ لِلْمُزَنِيِّ : إِنَّهُ يَرُدُّ عَلَى الشَّافِعِيِّ . فَقَالَ الْمُزَنِيُّ : لَا يُمْكِنُهُ إِلَّا بِمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ النَّيْسَابُورِيِّ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : كَذَا كَانَ .
وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُضَارِبِ قَالَ : رَأَيْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ فِي النَّوْمِ ، فَقُلْتُ : جَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْرًا ، فَقَالَ : كَذَا قَالَ لِي جِبْرِيلُ فِي السَّمَاءِ . قَالَ الْحَاكِمُ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ مَشَايِخِنَا - إِلَّا أَنَّ ابْنَ حَمْدُونَ كَانَ مِنْ أَعْرَفِهِمْ بِهَذِهِ الْوَاقِعَةِ - ، قَالَ : لَمَّا بَلَغَ أَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ مِنَ السِّنِّ وَالرِّئَاسَةِ وَالتَّفَرُّدِ بِهِمَا مَا بَلَغَ ، كَانَ لَهُ أَصْحَابٌ صَارُوا فِي حَيَاتِهِ أَنْجُمَ الدُّنْيَا ، مِثْلُ أَبِي عَلِيٍّ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ حَمَلَ عُلُومَ الشَّافِعِيِّ وَدَقَائِقَ ابْنِ سُرَيْجٍ إِلَى خُرَاسَانَ ، وَمَثَلُ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ - يَعْنِي الصِّبْغِيَّ - خَلِيفَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي الْفَتْوَى ، وَأَحْسَنِ الْجَمَاعَةِ تَصْنِيفًا ، وَأَحْسَنِهِمْ سِيَاسَةً فِي مَجَالِسِ السَّلَاطِينِ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ ، وَهُوَ آدَبُهُمْ ، وَأَكْثَرُهُمْ جَمْعًا لِلْعُلُومِ ، وَأَكْثَرُهُمْ رِحْلَةً ، وَشَيْخُ الْمُطَوِّعَةِ وَالْمُجَاهِدِينَ ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنِ مَنْصُورٍ ، وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ الْبُيُوتَاتِ ، وَأَعْرَفَهُمْ بِمَذْهَبِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَأَصْلَحَهُمْ لِلْقَضَاءِ . قَالَ : فَلَمَّا وَرَدَ مَنْصُورُ بْنُ يَحْيَى الطُّوسِيُّ نَيْسَابُورَ ، وَكَانَ يُكْثِرُ الِاخْتِلَافَ إِلَى ابْنِ خُزَيْمَةَ لِلسَّمَاعِ مِنْهُ ، وَهُوَ مُعْتَزِلِيٌّ ، وَعَايَنَ مَا عَايَنَ مِنَ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ حَسَدَهُمْ ، وَاجْتَمَعَ مَعَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاعِظِ الْقَدَرِيِّ بِبَابِ مَعْمَرٍ فِي أُمُورِهِمْ غَيْرَ مَرَّةٍ فَقَالَا : هَذَا إِمَامٌ لَا يُسْرِعُ فِي الْكَلَامِ ، وَيَنْهَى أَصْحَابَهُ عَنِ التَّنَازُعِ فِي الْكَلَامِ وَتَعْلِيمِهِ ، وَقَدْ نَبَغَ لَهُ أَصْحَابٌ يُخَالِفُونَهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي ، فَإِنَّهُمْ عَلَى مَذْهَبِ الْكُلَّابِيَّةِ فَاسْتَحْكَمَ طَمَعُهُمَا فِي إِيقَاعِ الْوَحْشَةِ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ .
قَالَ الْحَاكِمُ : سَمِعْتُ الْإِمَامَ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ يَقُولُ : كَانَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - أَنَّ الْحَاكِمَ أَبَا سَعِيدٍ لَمَّا تُوُفِّيَ أَظْهَرَ ابْنُ خُزَيْمَةَ الشَّمَاتَةَ بِوَفَاتِهِ ، هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ - جَهْلًا مِنْهُمْ - فَسَأَلُوهُ أَنْ يَتَّخِذَ ضِيَافَةً ، وَكَانَ لِابْنِ خُزَيْمَةَ بَسَاتِينُ نَزِهَةٌ . قَالَ : فَأُكْرِهْتُ أَنَا مِنْ بَيْنِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْخُرُوجِ فِي الْجُمْلَةِ إِلَيْهَا . وَحَدَّثَنِي أَبُو أَحْمَدَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ : أَنَّ الضِّيَافَةَ كَانَتْ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، وَكَانَتْ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهَا ، عَمِلَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، فَأَحْضَرَ جُمْلَةً مِنَ الْأَغْنَامِ وَالْحُمْلَانِ ، وَأَعْدَالِ السُّكَّرِ ، وَالْفُرُشِ ، وَالْآلَاتِ ، وَالطَّبَّاخِينَ ، ثُمَّ إِنَّهُ تَقَدَّمَ إِلَى جَمَاعَةِ الْمُحَدِّثِينَ مِنَ الشُّيُوخِ وَالشَّبَابِ ، فَاجْتَمَعُوا بِجَنْزَرُوذَ وَرَكِبُوا مِنْهَا ، وَتَقَدَّمَهُمْ أَبُو بَكْرٍ يَخْتَرِقُ الْأَسْوَاقَ سُوقًا سُوقًا ، يَسْأَلُهُمْ أَنْ يُجِيبُوهُ ، وَيَقُولُ لَهُمْ : سَأَلْتُ مَنْ يَرْجِعُ إِلَى الْفُتُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ لِي أَنْ يَلْزَمَ جَمَاعَتَنَا الْيَوْمَ .
فَكَانُوا يَجِيئُونَ فَوْجًا فَوْجًا حَتَّى لَمَّ يَبْقَ كَبِيرُ أَحَدٍ فِي الْبَلَدِ - يَعْنِي نَيْسَابُورَ - وَالطَّبَّاخُونَ يَطْبُخُونَ ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْخَبَّازِينَ يَخْبِزُونَ ، حَتَّى حُمِلَ أَيْضًا جَمِيعُ مَا وَجَدُوا فِي الْبَلَدِ مِنَ الْخُبْزِ وَالشِّوَاءِ عَلَى الْجِمَالِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ ، وَالْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَائِمٌ يُجْرِي أُمُورَ الضِّيَافَةِ عَلَى أَحْسَنِ مَا يَكُونُ ، حَتَّى شَهِدَ مَنْ حَضَرَ أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ مِثْلَهَا . فَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْمُتَكَلِّمُ قَالَ : لَمَّا انْصَرَفْنَا مِنَ الضِّيَافَةِ اجْتَمَعْنَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَجَرَى ذِكْرُ كَلَامِ اللَّهِ : أَقَدِيمٌ هُوَ لَمْ يَزَلْ ، أَوْ نَثْبُتُ عِنْدَ إِخْبَارِهِ تَعَالَى أَنَّهُ مُتَكَلَّمٌ بِهِ ؟ فَوَقَعَ بَيْنَنَا فِي ذَلِكَ خَوْضٌ ، قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَّا : كَلَامُ الْبَارِئِ قَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ . وَقَالَ جَمَاعَةٌ : كَلَامُهُ قَدِيمٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِإِخْبَارِهِ وَبِكَلَامِهِ .
فَبَكَّرْتُ إِلَى أَبِي عَلِيٍّ الثَّقَفِيِّ ، وَأَخْبَرْتُهُ بِمَا جَرَى ، فَقَالَ : مَنْ أَنْكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فَقَدِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ مُحْدَثٌ . وَانْتَشَرَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْبَلَدِ ، وَذَهَبَ مَنْصُورٌ الطُّوسِيُّ فِي جَمَاعَةٍ إِلَى ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ حَتَّى قَالَ مَنْصُورٌ : أَلَمْ أَقُلْ لِلشَّيْخِ : إِنَّ هَؤُلَاءِ يَعْتَقِدُونَ مَذْهَبَ الْكُلَّابِيَّةِ ؟ وَهَذَا مَذْهَبُهُمْ . قَالَ : فَجَمَعَ ابْنُ خُزَيْمَةَ أَصْحَابَهُ ، وَقَالَ : أَلَمْ أَنْهَكُمْ غَيْرَ مَرَّةٍ عَنِ الْخَوْضِ فِي الْكَلَامِ ؟ وَلَمْ يَزِدْهُمْ عَلَى هَذَا ذَلِكَ الْيَوْمَ .
قَالَ الْحَاكِمُ : وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَنْمَاطِيُّ الْمُتَكَلِّمُ قَالَ : لَمْ يَزَلِ الطُّوسِيُّ بِأَبِي بَكْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ حَتَّى جَرَّأَهُ عَلَى أَصْحَابِهِ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ يَرُدَّانِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مَا يُمْلِيهِ ، وَيَحْضُرَانِ مَجْلِسَ أَبِي عَلِيٍّ الثَّقَفِيِّ ، فَيَقْرَؤُونَ ذَلِكَ عَلَى الْمَلَأِ ، حَتَّى اسْتَحْكَمَتِ الْوَحْشَةَ . سَمِعْتُ أَبَا سَعْدٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَحْمَدَ الْمُقْرِئَ ، سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ يَقُولُ : الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيلُهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، وَمَنْ قَالَ : شَيْءٌ مِنْهُ مَخْلُوقٌ . أَوْ يَقُولُ : إِنَّ الْقُرْآنَ مُحْدَثٌ ، فَهُوَ جَهْمِيٌّ ، وَمَنْ نَظَرَ فِي كُتُبِي ، بَانَ لَهُ أَنَّ الْكُلَّابِيَّةَ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - كَذَبَةٌ فِيمَا يَحْكُونَ عَنِّي بِمَا هُوَ خِلَافُ أَصْلِي وَدِيَانَتِي ، قَدْ عَرَفَ أَهْلُ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ أَنَّهُ لَمْ يُصَنِّفْ أَحَدٌ فِي التَّوْحِيدِ وَالْقَدَرِ وَأُصُولِ الْعِلْمِ مِثْلَ تَصْنِيفِي ، وَقَدْ صَحَّ عِنْدِي أَنَّ هَؤُلَاءِ - الثَّقَفِيَّ ، وَالصِّبْغِيَّ ، وَيَحْيَى بْنَ مَنْصُورٍ - كَذَبَةٌ ، قَدْ كَذَبُوا عَلَيَّ فِي حَيَاتِي ، فَمُحَرَّمٌ عَلَى كُلِّ مُقْتَبِسِ عِلْمٍ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ شَيْئًا يَحْكُونَهُ عَنِّي ، وَابْنُ أَبِي عُثْمَانَ أَكْذَبُهُمْ عِنْدِي ، وَأَقْوَلُهُمْ عَلِيَّ مَا لَمْ أَقُلْهُ .
قُلْتُ : مَا هَؤُلَاءِ بِكَذَبَةٍ ; بَلْ أَئِمَّةٌ أَثْبَاتٌ ، وَإِنَّمَا الشَّيْخُ تَكَلَّمَ عَلَى حَسَبِ مَا نُقِلَ لَهُ عَنْهُمْ . فَقَبَّحَ اللَّهُ مَنْ يَنْقُلُ الْبُهْتَانَ ، وَمَنْ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ . قَالَ الْحَاكِمُ : وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ بَالَوَيْهِ ، سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ يَقُولُ : مِنْ زَعْمِ بَعْضِ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةِ : أَنَّ اللَّهَ لَا يُكَرِّرُ الْكَلَامَ ، فَلَا هُمْ يَفْهَمُونَ كِتَابَ اللَّهِ .
إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَخْبَرَ فِي مَوَاضِعَ أَنَّهُ خَلَقَ آدَمَ ، وَكَرَّرَ ذِكْرَ مُوسَى ، وَحَمِدَ نَفْسَهُ فِي مَوَاضِعَ ، وَكَرَّرَ ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾وَلَمْ أَتَوَهَّمْ أَنَّ مُسْلِمًا يَتَوَهَّمُ أَنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ مَرَّتَيْنِ ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ ، وَيَتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ : خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا وَاحِدًا مَرَّتَيْنِ . قَالَ الْحَاكِمُ : سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ يَقُولُ : لَمَّا وَقَعَ مِنْ أَمْرِنَا مَا وَقَعَ ، وَجَدَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمَنْصُورٌ الطُّوسِيُّ الْفُرْصَةَ فِي تَقْرِيرِ مَذْهَبِهِمْ ، وَاغْتَنَمَ أَبُو الْقَاسِمِ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ ، وَالْبَرْدَعِيُّ السَّعْيَ فِي فَسَادِ الْحَالِ ، انْتَصَبَ أَبُو عَمْرٍو الْحِيرِيُّ لِلتَّوَسُّطِ فِيمَا بَيْنَ الْجَمَاعَةِ ، وَقَرَّرَ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ اعْتِرَافَنَا لَهُ بِالتَّقَدُّمِ ، وَبَيَّنَ لَهُ غَرَضَ الْمُخَالِفِينَ فِي فَسَادِ الْحَالِ ، إِلَى أَنْ وَافَقَهُ عَلَى أَنْ نَجْتَمِعَ عِنْدَهُ ، فَدَخَلْتُ أَنَا ، وَأَبُو عَلِيٍّ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَلِيٍّ الثَّقَفِيُّ : مَا الَّذِي أَنْكَرْتَ أَيُّهَا الْأُسْتَاذُ مِنْ مَذَاهِبِنَا حَتَّى نَرْجِعَ عَنْهُ ؟ قَالَ : مَيْلَكُمْ إِلَى مَذْهَبِ الْكُلَّابِيَّةِ ، فَقَدْ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ وَعَلَى أَصْحَابِهِ مِثْلِ الْحَارِثِ وَغَيْرِهِ . حَتَّى طَالَ الْخِطَابُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي عَلِيٍّ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَقُلْتُ : قَدْ جَمَعْتُ أَنَا أُصُولَ مَذَاهِبِنَا فِي طَبَقٍ ، فَأَخْرَجْتُ إِلَيْهِ الطَّبَقَ ، فَأَخَذَهُ وَمَا زَالَ يَتَأَمَّلُهُ وَيُنْظُرُ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ : لَسْتُ أَرَى هَاهُنَا شَيْئًا لَا أَقُولُ بِهِ .
فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِ خَطَّهُ أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُهُ ، فَكَتَبَ آخِرَ تِلْكَ الْأَحْرُفِ ، فَقُلْتُ لِأَبِي عَمْرٍو الْحِيرِيِّ : احْتَفِظْ أَنْتَ بِهَذَا الْخَطِّ حَتَّى يَنْقَطِعَ الْكَلَامُ ، وَلَا يُتَّهَمَ وَاحِدٌ مِنَّا بِالزِّيَادَةِ فِيهِ . ثُمَّ تَفَرَّقْنَا ، فَمَا كَانَ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ قَصَدَهُ أَبُو فُلَانٍ وَفُلَانٌ وَقَالَا : إِنَّ الْأُسْتَاذَ لَمْ يَتَأَمَّلْ مَا كَتَبَ فِي ذَلِكَ الْخَطِّ ، وَقَدْ غَدَرُوا بِكَ وَغَيَّرُوا صُورَةَ الْحَالِ . فَقَبِلَ مِنْهُمْ ، فَبَعَثَ إِلَى أَبِي عَمْرٍو الْحِيرِيِّ لِاسْتِرْجَاعِ خَطِّهِ مِنْهُ ، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ أَبُو عَمْرٍو ، وَلَمْ يَرُدُّهُ حَتَّى مَاتَ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَقَدْ أَوْصَيْتُ أَنْ يُدْفَنَ مَعِي ، فَأُحَاجُّهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ - تَعَالَى - فِيهِ وَهُوَ : الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ ، لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِهِ مَخْلُوقًا ، وَلَا مَفْعُولًا ، وَلَا مُحْدَثًا ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ شَيْئًا مِنْهُ مَخْلُوقٌ أَوْ مُحْدَثٌ ، أَوْ زَعَمَ أَنَّ الْكَلَامَ مِنْ صِفَةِ الْفِعْلِ ، فَهُوَ جَهْمِيٌّ ضَالٌّ مُبْتَدِعٌ ، وَأَقُولُ : لَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا ، وَالْكَلَامُ لَهُ صِفَةُ ذَاتٍ ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ إِلَّا مَرَّةً ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ إِلَّا مَا تَكَلَّمَ بِهِ ، ثُمَّ انْقَضَى كَلَامُهُ ، كَفَرَ بِاللَّهِ ، وَأَنَّهُ يَنْزِلُ تَعَالَى إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ : هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأُجِيبَهُ .
فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ عِلْمَهُ تَنْزِلُ أَوَامِرُهُ ضَلَّ ، وَيُكَلِّمُ عِبَادَهُ بِلَا كَيْفٍ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾لَا كَمَا قَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ إِنَّهُ عَلَى الْمُلْكِ احْتَوَى ، وَلَا اسْتَوْلَى . وَإِنَّ اللَّهَ يُخَاطِبُ عِبَادَهُ عَوْدًا وَبَدْءًا ، وَيُعِيدُ عَلَيْهِمْ قَصَصَهُ وَأَمْرَهُ وَنَهْيَهُ ، وَمَنْ زَعَمَ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَهُوَ ضَالٌّ مُبْتَدِعٌ . وَسَاقَ سَائِرَ الِاعْتِقَادِ .
قُلْتُ : كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّبْغِيُّ هَذَا عَالِمَ وَقْتِهِ ، وَكَبِيرَ الشَّافِعِيَّةِ بِنَيْسَابُورَ ، حَمَلَ عَنْهُ الْحَاكِمُ عِلْمًا كَثِيرًا . وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ تَرْجَمَةٌ طَوِيلَةٌ فِي تَارِيخِ نَيْسَابُورَ تَكُونُ بِضْعًا وَعِشْرِينَ وَرَقَةً ، مِنْ ذَلِكَ وَصِيَّتُهُ ، وَقَصِيدَتَانِ رُثِيَ بِهِمَا . وَضَبْطُ وَفَاتِهِ فِي ثَانِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، عَاشَ تِسْعًا وَثَمَانِينَ سَنَةً .
وَقَدْ سَمِعْنَا مُخْتَصَرَ الْمُخْتَصَرِ لَهُ عَالِيًا بِفَوْتٍ لِي . وَفِيهَا مَاتَ : أَبُو جَعْفَرِ بْنُ حَمْدَانَ الْحِيرِيُّ - صَاحِبُ الصَّحِيحِ - ، وَأَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْإِلْبِيرِيُّ - حَافَظُ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ - ، وَشَيْخُ الْحَنَابِلَةِ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ ، وَشَيْخُ الصُّوفِيَّةِ بِالْعِرَاقِ أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرِيرِيُّ ، وَقِيلَ : اسْمُهُ حَسَنٌ ، وَشَيْخُ الْعَرَبِيَّةِ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ الْبَغْدَادِيُّ ، وَصَدْرُ الْوُزَرَاءِ حَامِدُ بْنُ الْعَبَّاسِ ، وَحَمَّادُ بْنُ شَاكِرٍ النَّسَفِيُّ - صَاحِبُ الْبُخَارِيِّ . وَمُسْنِدُ بَغْدَادَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَدَائِنِيُّ الْأَنْمَاطِيُّ ، وَحَافِظُ هَرَاةَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ ، وَحَافِظُ مَرْوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ ، وَمُحَدِّثُ أَنْطَاكِيَةَ أَبُو طَاهِرِ بْنُ فِيلٍ الْهَمْدَانِيُّ ، وَشَيْخُ الطِّبِّ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الرَّازِيُّ الْفَيْلَسُوفُ ، وَمُسْنِدُ نَيْسَابُورَ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ شَادَلِ بْنِ عَلِيٍّ - مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ .
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ الْمُعِزِّ بْنِ مُحَمَّدٍ ، أَخْبَرَنَا زَاهِرٌ الْمُسْتَمْلِي ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خُزَيْمَةَ ، أَخْبَرَنَا جَدِّي ، حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا ، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا .