الْمُقْتَدِرُ
الْمُقْتَدِرُ الْخَلِيفَةُ الْمُقْتَدِرُ بِاللَّهِ أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ الْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي أَحْمَدَ طَلْحَةَ بْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ الْعَبَّاسِيُّ الْبَغْدَادِيُّ . بُويِعَ بَعْدَ أَخِيهِ الْمُكْتَفِي فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَمَا وَلِيَ أَحَدٌ قَبْلَهُ أَصْغَرُ مِنْهُ وَانْخَرَمَ نِظَامُ الْإِمَامَةِ فِي أَيَّامِهِ ، وَصَغُرَ مَنْصِبُ الْخِلَافَةِ ، وَقَدْ خُلِعَ فِي أَوَائِلِ دَوْلَتِهِ ، وَبَايَعُوا ابْنَ الْمُعْتَزِّ ، ثُمَّ لَمْ يَتِمَّ ذَلِكَ ; وَقُتِلَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ وَجَمَاعَةٌ ، ثُمَّ إِنَّهُ خُلِعَ ثَانِيًا فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ ، وَبَذَلَ خَطَّهُ بِعَزْلِ نَفْسِهِ ، وَبَايَعُوا أَخَاهُ الْقَاهِرَ ، ثُمَّ بَعْدَ ثَلَاثٍ أُعِيدَ الْمُقْتَدِرُ ، ثُمَّ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ قُتِلَ . وَكَانَ رَبْعَةً ، مَلِيحَ الْوَجْهِ ، أَبْيَضَ بِحُمْرَةٍ ، نَزَلَ الشَّيْبُ بِعَارِضَيْهِ ، وَعَاشَ ثَمَانِيًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً .
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ التَّنُوخِيُّ : كَانَ جَيِّدَ الْعَقْلِ ، صَحِيحَ الرَّأْيِ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مُؤْثِرًا لِلشَّهَوَاتِ ; لَقَدْ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى الْوَزِيرَ يَقُولُ : مَا هُوَ إِلَّا أَنَّ يَتْرُكَ هَذَا الرَّجُلُ - يَعْنِي الْمُقْتَدِرَ - النَّبِيذَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ ، فَكَانَ رُبَّمَا يَكُونُ فِي أَصَالَةِ الرَّأْيِ كَالْمَأْمُونِ وَالْمُعْتَضِدِ . قُلْتُ : كَانَ مَنْهُومًا بِاللَّعِبِ ، وَالْجَوَارِي ، لَا يَلْتَفِتُ إِلَى أَعْبَاءِ الْأُمُورِ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ الدَّاخِلُ ، وَوَهَنَ دَسْتُهُ ، وَفَارَقَهُ مُؤْنِسٌ الْخَادِمُ مُغَاضِبًا إِلَى الْمَوْصِلِ وَتَمَلَّكَهَا ، وَهَزَمَ عَسْكَرَهَا فِي صَفَرٍ سَنَةَ عِشْرِينَ . وَوَصَلَتِ الْقَرَامِطَةُ إِلَى الْكُوفَةِ ، فَهَرَبَ أَهْلُهَا ، وَدَخَلَتِ الدَّيْلَمُ ، فَاسْتَبَاحُوا الدِّينَوَرَ ، وَوَصَلَ أَهْلُهَا فَرَفَعُوا الْمَصَاحِفَ عَلَى الْقَصَبِ ، وَضَجُّوا يَوْمَ الْأَضْحَى مِنْ سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ وَأَقْبَلَتْ جُيُوشُ الرُّومِ وَبَدَّعُوا وَأَسَرُوا .
ثُمَّ تَجَهَّزَ نَسِيمٌ الْخَادِمُ فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ ، وَعَشَرَةِ آلَافِ رَاجِلٍ ، حَتَّى بَلَغُوا عَمُّورِيَةَ ، فَقَتَلُوا وَسَبَوْا ، وَتَمَّ بِبَغْدَادَ الْوَبَاءُ الْكَبِيرُ ، وَالْقَحْطُ حَتَّى سَوَّدَ الشُّرَفَاءُ وُجُوهَهُمْ ، وَصَاحُوا : الْجُوعَ الْجُوعَ . وَقَطَعَ الْجَلْبَ عَنْهُمْ مُؤْنِسٌ وَالْقَرَامِطَةُ . وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ ، وَتَسَلَّلَ الْجَيْشُ إِلَى مُؤْنِسٍ ، فَتَهَيَّأَ لِقَصْدِ الْمُقْتَدِرِ ، فَبَرَزَ الْمُقْتَدِرُ ، وَتَخَاذَلَ جُنْدُهُ ، فَرَكِبَ وَبِيَدِهِ الْقَضِيبُ ، وَعَلَيْهِ الْبُرْدُ النَّبَوِيُّ ، وَالْمَصَاحِفُ حَوْلَهُ ، وَالْقُرَّاءُ .
وَخَلْفَهُ الْوَزِيرُ الْفَضْلُ بْنُ الْفُرَاتِ ، فَالْتَحَمَ الْقِتَالُ ، وَصَارَ الْمُقْتَدِرُ فِي الْوَسَطِ ، فَانْكَشَفَ جَمْعُهُ ، فَيَرْمِيهِ بَرْبَرِيٌّ بِحَرْبَةٍ مِنْ خَلْفِهِ ، فَسَقَطَ وَحُزَّ رَأْسُهُ ، وَرُفِعَ عَلَى قَنَاةٍ ، ثُمَّ سُلِبَ ثُمَّ طُمِرَ فِي مَوْضِعِهِ ، وَعُفِيَ أَثَرُهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ ، لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ عِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ . وَكَانَ سَمْحًا مِتْلَافًا لِلْأَمْوَالِ ، مَحَقَ مَا لَا يُعَدُّ وَلَا يُحْصَى . وَمَاتَ صَافِي وَتَفَرَّدَ مُؤْنِسٌ بِأَعْبَاءِ الْأُمُورِ .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْقَاضِي : لَمَّا تَمَّ أَمْرُ الْمُقْتَدِرِ اسْتَصْبَاهُ الْوَزِيرُ الْعَبَّاسُ ، وَخَاضَ النَّاسُ فِي صِغَرِهِ ، فَعَمِلَ الْوَزِيرُ عَلَى خَلْعِهِ ، وَإِقَامَةِ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ ثُمَّ إِنَّ مُحَمَّدًا وَصَاحِبَ الشُّرْطَةِ تَنَازَعَا فِي مَجْلِسِ الْوَزِيرِ ، فَاشْتَطَّ صَاحِبُ الشُّرْطَةِ فَاغْتَاظَ مُحَمَّدٌ كَثِيرًا ، فَفُلِجَ لِوَقْتِهِ ، وَمَاتَ بَعْدَ أَيَّامٍ ، ثُمَّ اتَّفَقَ جَمَاعَةٌ عَلَى تَوْلِيَةِ ابْنِ الْمُعْتَزِّ ، فَأَجَابَهُمْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُسْفَكَ دَمٌ . وَكَانَ رَأْسَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنَ الْجَرَّاحِ ، وَأَبُو الْمُثَنَّى أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي وَالْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى الْفَتْكِ بِالْمُقْتَدِرِ ، وَوَزِيرِهِ ، وَفَاتِكٍ . فَفِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سِتٍّ رَكِبَ الْمَلَأُ ، فَشَدَّ الْحُسَيْنُ عَلَى الْوَزِيرِ فَقَتَلَهُ ، فَأَنْكَرَ فَاتَكٌ ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ الْحُسَيْنُ فَقَتَلَهُ ، وَسَاقَ إِلَى الْمُقْتَدِرِ ، وَهُوَ يَلْعَبُ بِالصَّوَالِجَةِ فَسَمِعَ الضَّجَّةَ فَدَخَلَ الدَّارَ ، فَرُدَّ ابْنُ حَمْدَانَ إِلَى الْمُخَرِّمِ فَنَزَلَ بِدَارِ سُلَيْمَانَ بْنِ وَهْبٍ ، وَأَتَى ابْنُ الْمُعْتَزِّ ، وَحَضَرَ الْأُمَرَاءُ وَالْقُضَاةُ سِوَى حَاشِيَةِ الْمُقْتَدِرِ وَابْنِ الْفُرَاتِ ، وَبَايَعُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُعْتَزِّ ، وَلَقَّبُوهُ الْغَالِبَ بِاللَّهِ فَوَزَرَ ابْنُ الْجَرَّاحِ وَنُفِّذَتِ الْكُتُبُ ، وَبَعَثُوا إِلَى الْمُقْتَدِرِ لِيَتَحَوَّلَ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ ، فَأَجَابَ ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ سِوَى غَرِيبٍ خَالِهِ ، وَمُؤْنِسٍ الْخَازِنِ ، وَبَاكِرِ بْنِ حَمْدَانَ وَطَائِفَةٍ ، وَأَحَاطُوا بِالدَّارِ ثُمَّ اقْتَتَلُوا .
فَذَهَبَ ابْنُ حَمْدَانَ إِلَى الْمَوْصِلِ ، وَاسْتَظْهَرَ خَوَاصُّ الْمُقْتَدِرِ ، وَخَارَتْ قُوَى ابْنِ الْمُعْتَزِّ وَأَصْحَابِهِ ، وَانْهَزَمُوا نَحْوَ سَامَرَّا . ثُمَّ نَزَلَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ عَنْ فَرَسِهِ ، وَأَغْمَدَ سَيْفَهُ ، وَاخْتَفَى وَزِيرُهُ ، وَقَاضِيهِ ، وَنُهِبَتْ دُورُهُمَا . وَقَتَلَ الْمُقْتَدِرُ جَمَاعَةً مِنَ الْأَعْيَانِ ، وَوَزَرَ لَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْفُرَاتِ ، وَأُخِذَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ ، فَقُتِلَ سِرًّا ، وَصُودِرَ ابْنُ الْجَصَّاصِ فَقِيلَ : أُخِذَ مِنْهُ أَزْيَدَ مِنْ سِتَّةِ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ .
وَتَضَعْضَعَ حَالُهُ . وَسَاسَ ابْنُ الْفُرَاتِ الْأُمُورَ وَتَمَكَّنَ ، وَانْصَلَحَ أَمْرُ الرَّعِيَّةِ ، وَالْتَقَى الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ وَأَخُوهُ أَبُو الْهَيْجَاءِ عَبْدُ اللَّهِ ، فَانْكَسَرَ أَبُو الْهَيْجَاءِ ، وَقَدِمَ أَخُوهُمَا إِبْرَاهِيمُ فَأَصْلَحَ حَالَ الْحُسَيْنِ ، وَكَتَبَ لَهُ الْمُقْتَدِرُ أَمَانًا وَقَدِمَ فَقُلِّدَ قُمَّ وَقَاشَانِ . وَقِدَمَ صَاحِبُ أَفْرِيقِيَّةَ زِيَادَةُ اللَّهِ الْأَغْلَبِيُّ وَأَخَذَهَا مِنْهُ الشِّيعِيُّ وَبُويِعَ الْمَهْدِيُّ بِالْمَغْرِبِ ، وَظَهَرَ أَمْرُهُ وَعَدَلَ ، وَتَحَبَّبَ إِلَى الرَّعِيَّةِ أَوَّلًا ، وَوَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَاعِيَيْهِ الْأَخَوَيْنِ فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا الْقِتَالُ ، وَعَظُمَ الْخَطْبُ ، وَقُتِلَ خَلْقٌ ، حَتَّى ظَفِرَ بِهِمَا وَقَتَلَهُمَا وَتَمَكَّنَ وَبَنَى الْمَهْدِيَّةَ .
وَقَدِمَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ مِنْ قُمَّ فَوَلِيَ دِيَارَ بَكْرٍ . وَفِي سَنَةِ 299 ، أَمْسَكَ الْوَزِيرَ بْنَ الْفُرَاتِ ، وَادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ كَاتَبَ الْأَعْرَابَ أَنْ يَكْبِسُوا بَغْدَادَ ، وَوَزِرَ أَبُو عَلِيٍّ الْخَاقَانِيُّ وَوَرَدَتْ هَدَايَا مِنْ مِصْرَ مِنْهَا : خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ ، وَضِلَعُ آدَمِيٍّ عَرْضُهُ شِبْرٌ ، وَطُولُهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ شِبْرًا ، وَتَيْسٌ لَهُ بِزٌّ يَدُرُّ اللَّبَنَ ، وَقَدِمَتْ هَدَايَا صَاحِبِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ ، وَهَدَايَا ابْنِ أَبِي السَّاجِ مِنْهَا : بِسَاطٌ رُومِيٌّ ، طُولُهُ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سِتِّينَ . نَسَجَهُ الصُّنَّاعُ فِي عَشْرِ سِنِينَ .
وَفِي سَنَةِ ثَلَاثِمِائَةٍ عَظُمَ الْوَبَاءُ بِالْعِرَاقِ ، وَوَزَرَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ الْجَرَّاحِ وَوَلِيَ الْقَضَاءَ أَبُو عُمَرَ الْقَاضِي ، وَفِيهَا ضُرِبَ الْحَلَّاجُ ، وَنُودِيَ عَلَيْهِ : هَذَا أَحَدُ دُعَاةِ الْقَرَامِطَةَ ثُمَّ سُجِنَ مُدَّةً ، وَظَهَرَ عَنْهُ أَنَّهُ حُلُولِيٌّ . وَقُلِّدَ جَمِيعَ الْمَغْرِبِ وَلَدُ الْمُقْتَدِرِ صَغِيرٌ لَهُ أَرْبَعُ سِنِينَ ، فَاسْتَنَابَ مُؤْنِسًا الْخَادِمَ . وَفِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَلَاثِمِائَةٍ أَقْبَلَ ابْنُ الْمَهْدِيِّ صَاحِبُ الْمَغْرِبِ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا بَرًّا وَبَحْرًا لِيَمْلِكَ مِصْرَ ، وَوَقَعَ الْقِتَالُ غَيْرَ مَرَّةٍ ، وَاسْتَوْلَى الْعُبَيْدِيُّ عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَرْقَةَ وَمَاتَ الرَّاسِبِيُّ أَمِيُرُ فَارِسَ فَخَلَّفَ أَلْفَ فَرَسٍ ، وَأَلْفَ جَمَلٍ ، وَأَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ .
وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِمِائَةٍ أَقْبَلَ الْعُبَيْدِيُّ ، فَالْتَقَاهُ جَيْشُ الْخَلِيفَةِ فَانْكَسَرَ الْعُبَيْدِيُّ وَقُتِلَ مُقَدَّمُ جَيْشِهِ حَبَاسَةُ وَغَرِمَ الْخَلِيفَةُ عَلَى خِتَانِ أَوْلَادِهِ الْخَمْسَةِ سِتَّمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ . وَقَلَّدَ الْمُقْتَدِرُ الْجَزِيرَةَ أَبَا الْهَيْجَاءِ بْنَ حَمْدَانَ ، وَأَخَذَتْ طَيِّئُ رَكْبَ الْعِرَاقِ ، وَهَلَكَ الْخَلْقُ جُوعًا وَعَطَشًا . وَفِي سَنَةِ 303 رَاسَلَ الْوَزِيرُ ابْنُ الْجَرَّاحِ الْقَرَامِطَةَ ، وَأَطْلَقَ لَهُمْ ، وَتَأَلَّفَهُمْ وَكَانَ الْجَيْشُ مَشْغُولِينَ مَعَ مُؤْنِسٍ بِحَرْبِ الْبَرْبَرِ ، فَنَزَعَ الطَّاعَةَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ فَسَارَ لِحَرْبِهِ رَائِقٌ ، فَكَسَرَهُ ابْنُ حَمْدَانَ ، ثُمَّ أَقْبَلَ مُؤْنِسٌ فَالْتَقَى الْحُسَيْنَ ، فَأَسَرَهُ ، وَأُدْخِلُ بَغْدَادَ عَلَى جَمَلٍ ثُمَّ غَزَا مُؤْنِسٌ بِلَادَ الرُّومِ ، وَافْتَتَحَ حُصُونًا ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ .
وَفِي سَنَةِ أَرْبَعٍ عُزِلَ ابْنُ الْجَرَّاحِ مِنَ الْوِزَارَةِ ، وَخَرَجَ بِأَذْرَبِيجَانَ يُوسُفُ بْنُ أَبِي السَّاجِ ، فَأَسَرَهُ مُؤْنِسٌ بَعْدَ حُرُوبٍ . وَفِي سَنَةِ خَمْسٍ قَدِمَتْ رُسُلُ طَاغِيَةِ الرُّومِ يَطْلُبُ الْهُدْنَةَ ، فَزُيِّنَتْ دُورُ الْخِلَافَةِ ، وَعَرَضَ الْمُقْتَدِرُ جُيُوشَهُ مُلْبَسِينَ ، فَكَانُوا مِائَةً وَسِتِّينَ أَلْفًا ، وَكَانَ الْخُدَّامُ سَبْعَةَ آلَافٍ ، وَالْحُجَّابُ سَبْعَمِائَةٍ ، وَالسُّتُورُ ثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفَ سِتْرٍ ، وَمِائَةُ أَسَدٍ مُسَلْسَلَةٌ ، وَفِي الدَّهَالِيزِ عَشَرَةُ آلَافِ جَوْشَنٍ مُذْهَبَةٌ . وَفِي سَنَةِ سِتٍّ فُتِحَ مَارَسْتَانُ أُمِّ الْمُقْتَدِرِ ، أَنْفَقَ عَلَيْهِ سَبْعَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَذُبِحَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ فِي الْحَبْسِ ، وَأُطْلِقَ أَخُوهُ أَبُو الْهَيْجَاءِ ، وَكَانَ قَدْ أُعِيدَ إِلَى الْوِزَارَةِ ابْنُ الْفُرَاتِ ، فَقُبِضَ عَلَيْهِ ، وَوَزَرَ حَامِدُ بْنُ الْعَبَّاسِ ، فَقَدِمَ مِنْ وَاسِطَ وَخَلْفَهُ أَرْبَعُمِائَةِ مَمْلُوكٍ فِي السِّلَاحِ .
وَوَلِيَ نَظَرَ مِصْرَ وَالشَّامَ الْمَادَرَائِيُّ ، وَقُرِّرَ عَلَيْهِ خَرَاجُهُمَا فِي السَّنَةِ سِوَى رِزْقِ الْجُنْدِ ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ ، وَاسْتَقَلَّ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ السَّيِّدَةُ أُمُّ الْمُقْتَدِرِ ، وَأَمَرَتِ الْقَهْرَمَانَةُ ثَمْلَ أَنْ تَجْلِسَ بِدَارِ الْعَدْلِ وَتَنْظُرَ فِي الْقِصَصِ ، فَكَانَتْ تَجْلِسُ ، وَيَحْضُرُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ ، وَتُوَقِّعُ ثَمْلُ عَلَى الْمَرَاسِمِ . وَفِي سَنَةِ سَبْعٍ وَلَّى الْمُقْتَدِرُ نَازُوكَ إِمْرَةَ دِمَشْقَ ، وَدَخَلَتِ الْقَرَامِطَةُ الْبَصْرَةَ ، فَقَتَلُوا وَسَبَوْا وَأَخَذَ الْقَائِمُ الْعُبَيْدِيُّ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ ثَانِيًا ، وَمَرِضَ وَوَقَعَ الْوَبَاءُ فِي جُنْدِهِ . وَتَجَمَّعَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ مِنَ الْغَوْغَاءِ بِبَغْدَادَ عَشَرَةُ آلَافٍ ، وَفَتَحُوا السُّجُونَ ، وَقَاتَلُوا الْوَزِيرَ وَوُلَاةَ الْأُمُورِ ، وَدَامَ الْقِتَالُ أَيَّامًا ، وَقُتِلَ عِدَّةٌ ، وَنُهِبَتْ أَمْوَالُ النَّاسِ ، وَاخْتَلَّتْ أَحْوَالُ الْخِلَافَةِ جِدًّا ، وَمُحِقَتْ بُيُوتُ الْأَمْوَالِ .
وَاشْتَدَّ الْبَلَاءُ بِالْبَرْبَرِ ، وَكَادُوا أَنْ يَمْلِكُوا إِقْلِيمَ مِصْرَ ، وَضَجَّ الْخَلْقُ بِالْبُكَاءِ ، ثُمَّ هَزَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ ، وَسَارَ ثَمْلٌ الْخَادِمِ مِنْ طَرَسُوسَ فِي الْبَحْرِ ، فَأَخَذَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ مِنَ الْبَرْبَرِ . وَفِي سَنَةِ تِسْعٍ قُتِلَ الْحَلَّاجُ عَلَى الزَّنْدَقَةِ . وَفِي سَنَةِ 311 عُزِلَ حَامِدٌ وَأُهْلِكَ ، وَوَزَرَ ابْنُ الْفُرَاتِ الْوِزَارَةَ الثَّالِثَةَ .
وَأَخَذَتْ فِي سَنَةِ 312 الْقَرَامِطَةُ رَكْبَ الْعِرَاقِ ، وَكَانَ فِيمَنْ أُسِرُوا أَبُو الْهَيْجَاءِ بْنُ حَمْدَانَ ، وَعَمُّ السَّيِّدَةِ وَالِدَةِ الْخَلِيفَةِ ثُمَّ إِنَّ الْمُقْتَدِرَ سَلَّمَ ابْنَ الْفُرَاتِ إِلَى مُؤْنِسٍ فَصَادَرَهُ وَأَهْلَكَهُ ، وَكَانَ جَبَّارًا ظَالِمًا وَافْتَتَحَ عَسْكَرُ خُرَاسَانَ فَرْغَانَةَ . وَفِي سَنَةِ 313 نَهَبَ الْقِرْمِطِيُّ الْكُوفَةَ ، وَعُزِلَ الْخَاقَانِيُّ مِنَ الْوِزَارَةِ بِأَحْمَدَ بْنِ الْخَصِيبِ . وَفِي سَنَةِ 314 اسْتَبَاحَتِ الرُّومُ مَلْطِيَةَ بِالسَّيْفِ ، وَقُبِضَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ الْخَصِيبِ ، وَوَزَرَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى وَأَخَذَتِ الرُّومُ سُمَيْسَاطَ ، وَجَرَتْ وَقْعَةٌ كَبِيرَةٌ بَيْنَ الْقَرَامِطَةِ وَالْعَسْكَرِ ، وَأَسَرَتِ الْقَرَامِطَةُ قَائِدَ الْعَسْكَرِ يُوسُفَ بْنَ أَبِي السَّاجِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ أَبُو طَاهِرٍ الْقِرْمِطِيُّ فِي أَلْفِ فَارِسٍ وَسَبْعِمِائَةِ رَاجِلٍ ، وَقَارَبَ بَغْدَادَ ، وَكَادَ أَنْ يَمْلِكَ ، وَضَجَّ الْخَلْقُ بِالدُّعَاءِ ، وَقُطِعَتِ الْجُسُورُ مَعَ أَنَّ عَسْكَرَ بَغْدَادَ كَانُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا ، وَفِيهِمْ مُؤْنِسٌ ، وَأَبُو الْهَيْجَاءِ بْنُ حَمْدَانَ وَإِخْوَتُهُ ، وَقَرُبَ الْقِرْمِطِيُّ حَتَّى بَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَلَدِ فَرْسَخَانِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ وَحَاذَى الْعَسْكَرَ ، وَنَزَلَ عَبْدٌ يَجُسُّ الْمَخَائِضَ ، فَبَقِيَ كَالقُنْفُدِ مِنَ النُّشَّابِ ، وَأَقَامَتِ الْقَرَامِطَةُ يَوْمَيْنِ ، وَتَرَحَّلُوا نَحْوَ الْأَنْبَارِ ، فَمَا جَسَرَ الْعَسْكَرُ أَنْ يَتْبَعُوهُمْ ، فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الْخِذْلَانِ .
قَالَ ثَابِتُ بْنُ سِنَانٍ : انْهَزَمَ مُعْظَمُ عَسْكَرِ الْمُقْتَدِرِ إِلَى بَغْدَادَ قَبْلَ الْمُعَايَنَةِ لِشِدَّةِ رُعْبِهِمْ ، وَنَازَلَ الْقِرْمِطِيُّ هِيتَ مُدَّةً فَرُدَّ إِلَى الْبَرِيَّةِ . وَفِي سَنَةِ 316 دَخَلَ أَبُو طَاهِرٍ الْقِرْمِطِيُّ الرَّحْبَةَ بِالسَّيْفِ ، ثُمَّ قَصَدَ الرَّقَّةَ ، وَبَدَّعَ وَعَمِلَ الْعَظَائِمَ ، وَاسْتَعْفَى عَلِيُّ بْنُ عِيسَى مِنَ الْوِزَارَةِ ، فَوَزَرَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ مُقْلَةَ وَبَنَى الْقِرْمِطِيُّ دَارًا سَمَّاهَا دَارَ الْهِجْرَةِ وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ ، وَكَاتَبَهُ الْمَهْدِيُّ مِنَ الْمَغْرِبِ ، فَدَعَا إِلَيْهِ ، وَتَفَاقَمَ الْبَلَاءُ وَأَقْبَلَ الدُّمُسْتُقُ فِي ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الرُّومِ ، فَقَصَدَ أَرْمِينِيَةَ فَقَتَلَ وَسَبَى ، وَاسْتَوْلَى عَلَى خِلَاطٍ . وَفِي سَنَةِ 317 جَرَتْ خَبْطَةٌ بِبَغْدَادَ ، وَاقْتَتَلَ الْجَيْشُ ، وَتَمَّ مَا لَا يُوصَفُ ، وَهَمُّوا بِعَزْلِ الْمُقْتَدِرِ ، وَاتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ مُؤْنِسٌ وَأَبُو الْهَيْجَاءِ وَنَازُوكُ ، وَأَتَوْا دَارَ الْخِلَافَةِ ، فَهَرَبَ الْحَاجِبُ ، وَالْوَزِيرُ ابْنُ مُقْلَةَ ، فَأُخْرِجُ الْمُقْتَدِرُ وَأُمُّهُ وَخَالَتُهُ وَحَرَمُهُ إِلَى دَارِ مُؤْنِسٍ ، فَأَحْضَرُوا مُحَمَّدَ بْنَ الْمُعْتَضِدِ مِنَ الْحَرِيمِ - وَكَانَ مَحْبُوسًا - وَبَايَعُوهُ ، وَلَقَّبُوهُ بِالْقَاهِرِ .
وَأَشْهَدَ الْمُقْتَدِرَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْخَلْعِ ، وَجَلَسَ الْقَاهِرُ فِي دَسْتِ الْخِلَافَةِ ، وَكَتَبَ إِلَى الْأَمْصَارِ ، ثُمَّ طَلَبَ الْجَيْشُ رَسْمَ الْبَيْعَةِ ، وَرِزْقَ سَنَةٍ ، وَارْتَفَعَتِ الضَّجَّةُ ، وَهَجَمُوا فَقَتَلُوا نَازُوكَ وَالْخَادِمَ عَجِيبًا ، وَصَاحُوا : الْمُقْتَدِرُ يَا مَنْصُورُ فَهَرَبَ الْوَزِيرُ وَالْحُجَّابُ ، وَصَارَ الْجُنْدُ إِلَى دَارِ مُؤْنِسٍ ، وَطَلَبُوا الْمُقْتَدِرَ لِيُعِيدُوهُ . وَأَرَادَ أَبُو الْهَيْجَاءِ الْخُرُوجَ فَتَعَلَّقَ بِهِ الْقَاهِرُ ، وَقَالَ : تُسْلِمُنِي ؟ فَأَخَذَتْهُ الْحَمِيَّةُ ، وَقَالَ : لَا وَاللَّهِ . وَدَخَلَا الْفِرْدَوْسَ ، وَخَرَجَا إِلَى الرَّحْبَةِ .
وَذَهَبَ أَبُو الْهَيْجَاءِ عَلَى فَرَسِهِ ، فَوَجَدَ نَازُوكَ قَتِيلًا ، وَسُدَّتِ الْمَسَالِكُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْقَاهِرِ ، وَأَقْبَلَتْ خَوَاصُّ الْمُقْتَدِرِ فِي السِّلَاحِ ، فَدَخَلَ أَبُو الْهَيْجَاءِ كَالْجَمَلِ ، ثُمَّ صَاحَ : يَالَ يَخْلِتُ ، أَأُقْتَلُ بَيْنَ الْحِيطَانِ ؟ أَيْنَ الْكُمَيْتُ ؟ أَيْنَ الدَّهْمَاءُ ؟ فَرَمَوْهُ بِسَهْمٍ فِي ثَدْيِهِ ، وَبِآخَرَ فِي تَرْقُوَتِهِ ، فَنَزَعَ مِنْهُ الْأَسْهُمَ ، وَقَتْلَ وَاحِدًا مِنْهُمْ ، ثُمَّ قَتَلُوهُ . وَجِيءَ بِرَأْسِهِ إِلَى الْمُقْتَدِرِ ، فَتَأَسَّفَ عَلَيْهِ ، وَجِيءَ إِلَيْهِ بِالْقَاهِرِ فَقَبَّلَهُ ، وَقَالَ : يَا أَخِي ، أَنْتَ - وَاللَّهِ - لَا ذَنْبَ لَكَ ، وَهُوَ يَبْكِي وَيَقُولُ : اللَّهَ فِي دَمِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ . وَطِيفَ بِرَأْسِ نَازُوكَ وَأَبِي الْهَيْجَاءِ ، ثُمَّ أَتَى مُؤْنِسٌ وَالْقُوَّادُ وَالْقُضَاةُ وَبَايَعُوا الْمُقْتَدِرَ ، وَأَنْفَقَ فِي الْجُنْدِ مَالًا عَظِيمًا .
وَحَجَّ النَّاسُ فَأَقْبَلَ أَبُو طَاهِرٍ الْقِرْمِطِيُّ ، وَوَضَعَ السَّيْفَ بِالْحَرَمِ فِي الْوَفْدِ ، وَاقْتَلَعَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ - وَكَانَ فِي سَبْعِمِائَةِ رَاكِبٍ - فَقَتَلُوا فِي الْمَسْجِدِ أَزْيَدَ مِنْ أَلْفٍ ، وَلَمْ يَقِفْ أَحَدٌ بِعَرَفَةَ ، وَصَاحَ قِرْمِطِيٌّ : يَا حَمِيرُ ، أَنْتُمْ قُلْتُمْ : وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا فَأَيْنَ الْأَمْنُ ؟ وَأَمَّا الرُّومُ فَعَاثُوا فِي الثُّغُورِ ، وَفَعَلُوا الْعَظَائِمَ ، وَبَذَلَ لَهُمُ الْمُسْلِمُونَ الْإِتَاوَةَ . وَوَزَرَ فِي سَنَةِ ثَمَانِ عَشْرَةَ لِلْمُقْتَدِرِ سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَسَنِ ثُمَّ قُبِضَ عَلَيْهِ فِي سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ ، وَاسْتُوزِرَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَلْوَذَانِيُّ وَظَهَر مَرْدَاوِيجُ فِي الدَّيْلَمِ ، وَمَلَكُوا الْجَبَلَ بِأَسْرِهِ إِلَى حُلْوَانَ ، وَهَزَمُوا الْعَسَاكِرَ ثُمَّ عُزِلَ الْكَلْوَذَانِيُّ بِالْحُسَيْنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَلَّتِ الْأَمْوَالُ عَلَى الْمُقْتَدِرِ ، وَفَسَدَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُؤْنِسٍ ، فَذَهَبَ مُغَاضِبًا إِلَى الْمَوْصِلِ وَقَبَضَ الْوَزِيرُ عَلَى أَمْوَالِهِ ، وَهَزَمَ مُؤْنِسٌ بَنِي حَمْدَانَ ، وَتَمَلَّكَ الْمَوْصِلَ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَالْتَقَى وَالِي طَرَسُوسَ الرُّومَ ، فَهَزَمَهُمْ أَوَّلًا ، ثُمَّ هَزَمُوهُ . وَفِي سَنَةِ عِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ عُزِلَ الْوَزِيرُ الْحُسَيْنُ بِأَبِي الْفَتْحِ بْنِ الْفُرَاتِ ، وَلَاطَفَ الْمُقْتَدِرُ الدَّيْلَمَ ، وَبَعَثَ بِوِلَايَةِ أَذْرَبِيجَانَ وَأَرْمِينِيَةَ وَالْعَجَمِ إِلَى مَرْدَاوِيجَ وَتَسَحَّبَ أُمَرَاءُ إِلَى مُؤْنِسٍ ، وَخَافَ الْمُقْتَدِرُ ، وَتَهَيَّأَ لِلْحَرْبِ ، فَأَقْبَلَ مُؤْنِسٌ فِي جَمْعٍ كَبِيرٍ .
وَقِيلَ لِلْمُقْتَدِرِ : إِنْ جُنْدَكَ لَا يُقَاتِلُونَ إِلَّا بِالْمَالِ ، وَطُلِبَ مِنْهُ مِائَتَا أَلْفِ دِينَارٍ ، فَتَهَيَّأْ لِلْمُضِيِّ إِلَى وَاسِطَ ، فَقِيلَ لَهُ : اتَّقِ اللَّهَ ، وَلَا تُسَلِّمَ بَغْدَادَ بِلَا حَرْبٍ ، فَتَجَلَّدَ وَرَكِبَ فِي الْأُمَرَاءِ وَالْخَاصَّةِ وَالْقُرَّاءِ ، وَالْمَصَاحِفُ مَنْشُورَةٌ ، فَشَقَّ بَغْدَادَ ، وَخَرَجَ إِلَى الشَّمَّاسِيَّةِ ، وَالْخَلْقُ يَدْعُونَ لَهُ . وَأَقْبَلَ مُؤْنِسٌ ، وَالْتَحَمَ الْحَرْبُ ، وَوَقَفَ الْمُقْتَدِرُ عَلَى تَلٍّ ، فَأَلَحُّوا عَلَيْهِ بِالتَّقَدُّمِ لِيَنْصَحَ جَمْعَهُ فِي الْقِتَالِ فَاسْتَدْرَجُوهُ حَتَّى تَوَسَّطَ ، وَهُوَ فِي طَائِفَةٍ قَلِيلَةٍ ، فَانْكَشَفَ جَمْعُهُ فَيَرْمِيهِ بَرْبَرِيٌّ فَسَقَطَ فَذُبِحَ ، وَرُفِعَ رَأَسُهُ عَلَى رُمْحٍ وَسَلَبُوهُ ، فَسُتِرَتْ عَوْرَتُهُ بِحَشِيشٍ ، ثُمَّ طُمَّ وَعُفِيَ أَثَرُهُ . وَنَقَلَ الصُّولِيُّ أَنَّ قَاتِلَهُ غُلَامٌ لِبُلَيْقٍ كَانَ مِنَ الْأَبْطَالِ ، تَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْهُ مِمَّا عَمِلَ يَوْمَئِذٍ مِنْ فُنُونِ الْفُرُوسِيَّةِ ، ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْمُقْتَدِرِ بِحَرْبَتِهِ أَنْفَذَهَا فِيهِ ، فَصَاحَ النَّاسُ عَلَيْهِ ، فَسَاقَ نَحْوَ دَارِ الْخِلَافَةِ لِيُخْرِجَ الْقَاهِرَ ، فَصَادَفَهُ حِمْلُ شَوْكٍ ، فَزَحَمَتْهُ إِلَى قِنَّارِ لَحَّامٍ ، فَعَلَّقَهُ كُلَّابٌ ، وَخَرَجَ مِنْ تَحْتِهِ فَرَسُهُ فِي مِشْوَارِهِ ، فَحَطَّهُ النَّاسُ وَأَحْرَقُوهُ بِحِمْلِ الشَّوْكِ .
وَقِيلَ : كَانَ فِي دَارِ الْمُقْتَدِرِ أَحَدَ عَشَرَ أَلْفَ غُلَامٍ خِصْيَانٍ غَيْرُ الصَّقَالِبَةِ وَالرُّومِ ، وَكَانَ مُبَذِّرًا لِلْخَزَائِنِ حَتَّى احْتَاجَ ، وَأَعْطَى ذَلِكَ لِحَظَايَاهُ ، وَأَعْطَى وَاحِدَةً الدُّرَّةَ الْيَتِيمَةَ الَّتِي كَانَ زِنَتُهَا ثَلَاثَةَ مَثَاقِيلَ ، وَأَخَذَتْ قَهْرَمَانَةُ سُبْحَةَ جَوْهَرٍ مَا سُمِعَ بِمِثْلِهَا وَفَرَّقَ سِتِّينَ حُبًّا مِنَ الصِّينِيِّ مَمْلُوءَةً غَالِيَةً . قَالَ الصُّولِيُّ : كَانَ الْمُقْتَدِرُ يُفَرِّقُ يَوْمَ عَرَفَةَ مِنَ الضَّحَايَا تِسْعِينَ أَلْفَ رَأْسٍ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ أَتْلَفَ مِنَ الْمَالِ ثَمَانِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ ، عَثَّرَ نَفْسَهُ بِيَدِهِ . وَأَوْلَادُهُ : مُحَمَّدُ الرَّاضِي ، وَإِبْرَاهِيمُ الْمُتَّقِي وَإِسْحَاقُ ، وَالْمُطِيعُ فَضْلٌ ، وَإِسْمَاعِيلُ ، وَعِيسَى ، وَعَبَّاسُ ، وَطَلْحَةُ .
وَقَالَ ثَابِتُ بْنُ سِنَانٍ طَبِيبُهُ : أَتْلَفَ الْمُقْتَدِرُ نَيِّفًا وَسَبْعِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ ، وَلَمَّا قُتِلَ قُدِّمَ رَأْسُهُ إِلَى مُؤْنِسٍ فَنَدِمَ وَبَكَى ، وَقَالَ : وَاللَّهِ لَنُقْتَلَنَّ كُلُّنَا . وَهَمَّ بِإِقَامَةِ وَلَدِهِ ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَخِيهِ الْقَاهِرِ .