الْقَائِمُ
الْقَائِمُ صَاحِبُ الْمَغْرِبِ أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَهْدِيِّ عُبَيْدِ اللَّهِ . مَوْلِدُهُ بِسَلَمِيَّةَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ . وَدَخَلَ الْمَغْرِبَ مَعَ أَبِيهِ ، فَبُويِعَ هَذَا عِنْدَ مَوْتِ أَبِيهِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ .
وَكَانَ مَهِيبًا شُجَاعًا ، قَلِيلَ الْخَيْرِ ، فَاسِدَ الْعَقِيدَةِ . خَرَجَ عَلَيْهِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ أَبُو يَزِيدَ مَخْلَدُ بْنُ كَيْدَادٍ الْبَرْبَرِيُّ ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمَا مَلَاحِمُ ، وَحَصَرَهُ مَخْلَدٌ بِالْمَهْدِيَّةِ ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ ، وَاسْتَوْلَى عَلَى بِلَادِهِ ثُمَّ وُسْوِسَ الْقَائِمُ ، وَاخْتَلَطَ ، وَزَالَ عَقْلُهُ ، وَكَانَ شَيْطَانًا مَرِيدًا يَتَزَنْدَقُ . ذَكَرَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ الْمُتَكَلِّمُ أَنَّ الْقَائِمَ أَظْهَرَ سَبَّ الْأَنْبِيَاءِ ، وَكَانَ مُنَادِيهِ يَصِيحُ : الْعَنُوا الْغَارَ وَمَا حَوَى .
وَأَبَادَ عِدَّةً مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَكَانَ يُرَاسِلُ قَرَامِطَةَ الْبَحْرِينِ ، وَيَأْمُرُهُمْ بِإِحْرَاقِ الْمَسَاجِدِ وَالْمَصَاحِفِ ، فَتَجَمَّعَتْ الْإِبَاضِيَّةُ وَالْبَرْبَرُ عَلَى مَخْلَدٍ ، وَأَقْبَلَ - وَكَانَ نَاسِكًا قَصِيرَ الدَّلَقِ - يَرْكَبُ حِمَارًا لَكِنَّهُمْ خَوَارِجُ ، وَقَامَ مَعَهُ خَلْقٌ مِنَ السُّنَّةِ وَالصُّلَحَاءِ ، وَكَادَ أَنْ يَتَمَلَّكَ الْعَالَمَ ، وَرُكِّزَتْ بُنُودُهُمْ عِنْدَ جَامِعِ الْقَيْرَوَانِ فِيهَا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ . وَبَنْدَانِ أَصْفَرَانِ فِيهِمَا : نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ . وَبَنْدٌ لِمَخْلَدٍ فِيهِ : اللَّهُمَّ انْصُرْ وَلِيَّكَ عَلَى مَنْ سَبَّ نَبِيَّكَ .
وَخَطَبَهُمْ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ فَحَضَّ عَلَى الْجِهَادِ ، ثُمَّ سَارُوا ، وَنَازَلُوا الْمَهْدِيَّةَ . وَلَمَّا الْتَقَوْا ، وَأَيْقَنَ مَخْلَدٌ بِالنَّصْرِ ، تَحَرَّكَتْ نَفْسُهُ الْخَارِجِيَّةُ ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : انْكَشِفُوا عَنْ أَهْلِ الْقَيْرَوَانِ حَتَّى يَنَالَ مِنْهُمْ عَدُوُّهُمْ . فَفَعَلُوا ذَلِكَ ، فَاسْتُشْهِدَ خَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ نَفْسًا مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ .
وَخَوَارِجُ الْمَغْرِبِ إِبَاضِيَةٌ مَنْسُوبُونَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ إِبَاضٍ الَّذِي خَرَجَ فِي أَيَّامِ مَرْوَانَ الْحِمَارِ وَانْتَشَرَ أَتْبَاعُهُ بِالْمَغْرِبِ ، يَقُولُ : أَفْعَالُنَا مَخْلُوقَةٌ لَنَا . وَيُكَفِّرُ بِالْكَبَائِرِ ، وَيَقُولُ : لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ خُصُوصٌ ، وَمَنْ خَالَفَهُ حَلَّ دَمُهُ . نَعَمْ ، وَكَانَ الْقَائِمُ يُسَمَّى - أَيْضًا - نِزَارًا وَلَمَّا أَخَذَ أَكْثَرَ بِلَادِ مِصْرَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ انْتُدِبَ لِحَرْبِهِ جَيْشُ الْمُقْتَدِرِ ، عَلَيْهِمْ مُؤْنِسٌ ، فَالْتَقَى الْجَمْعَانِ ، فَكَانَتْ وَقْعَةٌ مَشْهُورَةٌ ، ثُمَّ تَقَهْقَرَ الْقَائِمُ إِلَى الْمَغْرِبِ ، وَوَقَعَ فِي جَيْشِهِ الْغَلَاءُ وَالْوَبَاءُ ، وَفِي خَيْلِهِمْ ، وَتَبِعَهُ أَيَّامًا جَيْشُ الْمُقْتَدِرِ .
وَكَانَ مَوْتُ الْقَائِمِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ مَحْصُورًا بِالْمَهْدِيَّةِ . لَكِنْ قَامَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْمَنْصُورُ . وَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمَغْرِبِ عَلَى مُحَارَبَةِ آلِ عُبَيْدٍ لِمَا شَهَرُوهُ مِنَ الْكُفْرِ الصُّرَاحِ الَّذِي لَا حِيلَةَ فِيهِ ، وَقَدْ رَأَيْتُ فِي ذَلِكَ تَوَارِيخَ عِدَّةً يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا .
وَعُوتِبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْخُرُوجِ مَعَ أَبِي يَزِيدَ الْخَارِجِيِّ ، فَقَالَ : وَكَيْفَ لَا أَخْرُجُ وَقَدْ سَمِعْتُ الْكُفْرَ بِأُذُنِي ؟ حَضَرْتُ عَقْدًا فِيهِ جَمْعٌ مِنْ سُنَّةٍ وَمَشَارِقَةٍ ، وَفِيهِمْ أَبُو قُضَاعَةَ الدَّاعِي . فَجَاءَ رَئِيسٌ ، فَقَالَ كَبِيرٌ مِنْهُمْ : إِلَى هُنَا يَا سَيِّدِي ارْتَفِعْ إِلَى جَانِبِ رَسُولِ اللَّهِ - يَعْنِي : أَبَا قُضَاعَةَ - ، فَمَا نَطَقَ أَحَدٌ . وَوُجِدَ بِخَطِّ فَقِيهٍ قَالَ : فِي رَجَبٍ سَنَةَ 331 قَامَ الْمُكَوْكِبُ يَقْذِفُ الصَّحَابَةَ ، وَيَطْعَنُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعُلِّقَتْ رُؤوسُ حَمِيرٍ وَكِبَاشٍ عَلَى الْحَوَانِيتِ ، كُتِبَ عَلَيْهَا أَنَّهَا رُؤوسُ صَحَابَةٍ .
وَخَرَجَ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ مَعَ أَبِي يَزِيدَ ، وَقَالَ : هُمْ أَهْلُ الْقِبْلَةِ ، وَأُولَئِكَ لَيْسُوا أَهْلَ قِبْلَةٍ . وَهُمْ بَنُو عَدُوِّ اللَّهِ ، فَإِنْ ظَفِرْنَا بِهِمْ لَمْ نَدْخُلْ تَحْتَ طَاعَةِ أَبِي يَزِيدَ ؛ لِأَنَّهُ خَارِجِيٌّ . قَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ الضَّرِيرُ أَدْخَلَنِي اللَّهُ فِي شَفَاعَةِ أَسْوَدَ رَمَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ بِحَجَرٍ .
وَقَالَ السَّبَائِيُّ : إِي وَاللَّهِ ، نَجِدُّ فِي قَتْلِ الْمُبَدِّلِ لِلدِّينِ . وَتَسَارَعَ الْفُقَهَاءُ وَالْعُبَّادُ فِي أُهْبَةٍ كَامِلَةٍ بِالطُّبُولِ وَالْبُنُودِ ، وَخَطَبَهُمْ فِي الْجُمُعَةِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ ، وَحَرَّضَهُمْ . وَقَالَ : جَاهِدُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ رَبٌّ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وَغَيَّرَ أَحْكَامَ اللَّهِ ، وَسَبَّ نَبِيَّهُ وَأَصْحَابَ نَبِيِّهِ .
فَبَكَى النَّاسُ بُكَاءً شَدِيدًا . وَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا الْقِرْمِطِيَّ الْكَافِرَ الْمَعْرُوفَ بِابْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمُدَّعِيَ الرُّبُوبِيَّةَ ، جَاحِدٌ لِنِعْمَتِكَ ، كَافِرٌ بِرُبُوبِيَّتِكَ ، طَاعِنٌ عَلَى رُسُلِكَ ، مُكَذِّبٌ بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّكَ ، سَافِكٌ لِلدِّمَاءِ ، فَالْعَنْهُ لَعْنًا وَبِيلًا ، وَاخْزِهِ خِزْيًا طَوِيلًا ، وَاغَضَبْ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا . ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى بِهِمُ الْجُمُعَةَ .
وَرَكِبَ رَبِيعٌ الْقَطَّانُ فَرَسَهُ مُلْبِسًا ، وَفِي عُنُقِهِ الْمُصْحَفُ ، وَحَوْلَهُ جَمْعٌ كَبِيرٌ ، وَهُوَ يَتْلُو آيَاتِ جِهَادِ الْكَفَرَةِ ، فَاسْتُشْهِدَ رَبِيعٌ فِي خَلْقٍ مِنَ النَّاسِ يَوْمَ الْمَصَافِّ فِي صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ ، وَكَانَ غَرَضُ هَؤُلَاءِ الْمَجُوسِ بَنِي عُبَيْدٍ أَخْذَهُ حَيًّا لِيُعَذِّبُوهُ . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ : اسْتُشْهِدَ مَعَهُ فُضَلَاءُ ، وَأَئِمَّةٌ وَعُبَّادٌ . وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي بَنِي عُبَيْدٍ : الْمَاكِرُ الْغَادِرُ الْغَاوِي لِشِيعَتِهِ شَرُّ الزَّنَادِقِ مِنْ صَحْبٍ وَتُبَّاعِ الْعَابِدِينَ إِذًا عِجْلًا يُخَاطِبُهُمْ بِسِحْرِ هَارُوتَ مِنْ كُفْرٍ وَإِبْدَاعِ لَوْ قِيلَ لِلرُّومِ : أَنْتُمْ مِثْلُهُمْ ، لَبَكَوْا أَوْ لِلْيَهُودِ لَسَدُّوا صَمْخَ أَسْمَاعِ