حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
سير أعلام النبلاء

الْمُعِزُّ

الْمُعِزُّ هُوَ الْمُعِزُّ لِدِينِ اللَّهِ ، أَبُو تَمِيمٍ مَعَدُّ بْنُ الْمَنْصُورِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْقَائِمِ ، الْعُبَيْدِيُّ الْمَهْدَوِيُّ الْمَغْرِبِيُّ الَّذِي بُنِيَتِ الْقَاهِرَةُ الْمُعِزِّيَّةُ لَهُ ، كَانَ صَاحِبَ الْمَغْرِبِ ، وَكَانَ وَلِيَّ عَهْدِ أَبِيهِ . وَلِيَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، وَسَارَ فِي نَوَاحِي إِفْرِيقِيَّةَ يُمَهِّدُ مُلْكَهُ ، فَذَلَّلَ الْخَارِجِينَ عَلَيْهِ ، وَاسْتَعْمَلَ مَمَالِيكَهُ عَلَى الْمُدُنِ ، وَاسْتَخْدَمَ الْجُنْدَ ، وَأَنْفَقَ الْأَمْوَالَ وَجَهَّزَ مَمْلُوكَهُ جَوْهَرًا الْقَائِدَ فِي الْجُيُوشِ فَسَارَ ، فَافْتَتَحَ سِجِلْمَاسَةَ ، وَسَارَ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى الْبَحْرِ الْأَعْظَمِ ، وَصِيدَ لَهُ مِنْ سَمَكِهِ ، وَافْتَتَحَ مَدِينَةَ فَاسَ ، وَأَسَرَ صَاحِبَهَا وَصَاحِبَ سَبْتَةَ ، وَبَعَثَ بِهِمَا إِلَى أُسْتَاذِهِ وَقِيلَ : لَمْ يَقْدِرْ عَلَى سَبْتَةَ ، وَكَانَتْ لِصَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ الْمَرْوَانِيِّ . قَالَ الْقِفْطِيُّ عَزَمَ الْمُعِزُّ عَلَى بَعْثِ جَيْشِهِ إِلَى مِصْرَ ، فَسَأَلَتْهُ أُمُّهُ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ لِتَحُجَّ خُفْيَةً ، فَأَجَابَهَا ، وَحَجَّتْ ، فَأَحَسَّ بِقُدُومِهَا الْأُسْتَاذُ كَافُورٌ - يَعْنِي : صَاحِبَ مِصْرَ - فَحَضَرَ إِلَيْهَا وَخَدَمَهَا ، وَحَمَلَ إِلَيْهَا تُحَفًا ، وَبَعَثَ فِي خِدْمَتِهَا أَجْنَادًا ، فَلَمَّا رَجَعَتْ مَنَعَتِ ابْنَهَا مِنْ قَصْدِ مِصْرَ ، فَلَمَّا مَاتَ كَافُورٌ بَعَثَ الْمُعِزُّ جَيْشَهُ ، فَأَخَذُوا مِصْرَ .

قُلْتُ : قَدَّمَ عَلَيْهِمْ جَوْهَرًا ، فَجَنَى مَا عَلَى الْبَرْبَرِ مِنَ الضَّرَائِبِ ، فَكَانَ ذَلِكَ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ ، وَعَمَدَ الْمُعِزُّ إِلَى خَزَائِنَ آبَائِهِ ، فَبَذَلَ مِنْهَا خَمْسَمِائَةِ حِمْلٍ مِنَ الْمَالِ ، وَسَارُوا فِي أَوَّلِ سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ فِي أُهْبَةٍ عَظِيمَةٍ . وَكَانَتْ مِصْرُ فِي الْقَحْطِ ، فَأَخَذَهَا جَوْهَرٌ ، وَأَخَذَ الشَّامَ وَالْحِجَازَ . وَنَفَّذَ يُعَرِّفُ مَوْلَاهُ بِانْتِظَامِ الْأَمْرِ .

وَضُرِبَتِ السِّكَّةُ عَلَى الدِّينَارِ بِمِصْرَ وَهِيَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ، عَلِيٌّ خَيْرُ الْوَصِيَّيْنِ . وَالْوَجْهُ الْآخَرُ اسْمُ الْمُعِزِّ وَالتَّارِيخُ وَأُعْلِنُ الْأَذَانُ بِحَيِّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ وَنُودِيَ : مَنْ مَاتَ عَنْ بِنْتٍ وَأَخٍ أَوْ أُخْتٍ فَالْمَالُ كُلُّهُ لِلْبِنْتِ . فَهَذَا رَأْيُ هَؤُلَاءِ .

ثُمَّ جَهَّزَ جَوْهَرٌ هَدِيَّةً إِلَى الْمُعِزِّ ، وَهِيَ عِشْرُونَ كَجَاوَهْ مِنْهَا وَاحِدَةٌ مُرَصَّعَةٌ بِالْجَوَاهِرِ ، وَخَمْسُونَ فَرَسًا كَامِلَةُ الْعُدَّةِ ، وَخَمْسٌ وَخَمْسُونَ نَاقَةً مُزَيَّنَةٌ ، وَثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ جَمَلًا بَخَاتِيَّ ، وَعِدَّةُ أَحْمَالٍ مِنْ نَفَائِسِ الْمَتَاعِ ، وَطُيُورٌ فِي أَقْفَاصٍ ، سَارَ بِهَا جَعْفَرٌ وَلَدُ جَوْهَرٍ ، وَمَعَهُ عِدَّةُ أُمَرَاءَ إِخْشِيدِيَّةٌ تَحْتَ الْحَوْطَةِ مُكَرَّمِينَ وَاعْتَقَلَ أَبْنَاءَ الْمَلِكِ عَلِيِّ بْنِ الْإِخْشِيدِ فِي رَفَاهِيَةٍ ، وَأَحْسَنَ إِلَى الرَّعِيَّةِ ، وَتَصَدَّقَ بِمَالٍ عَظِيمٍ . وَأُخِذَتِ الرَّمْلَةُ بِالسَّيْفِ ، وَأُسِرَ صَاحِبُهَا الْحَسَنُ بْنُ أَخِي الْإِخْشِيدِ وَأُمَرَاؤُهُ ، وَبُعِثُوا إِلَى الْمَغْرِبِ . وَأَمَرَ الْأَعْيَانَ بِأَنْ يَعُولُوا الْمَسَاكِينَ لِشِدَّةِ الْغَلَاءِ .

فَتَهَيَّأَ الْمُعِزُّ ، وَاسْتَنَابَ عَلَى الْمَغْرِبِ بُلْكِينَ الصُّنْهَاجِيَّ ، وَسَارَ بِخَزَائِنِهِ وَتَوَابِيتِ آبَائِهِ وَكَانَ دُخُولُهُ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، وَتَلَقَّاهُ قَاضِي مِصْرَ الذُّهْلِيُّ وَأَعْيَانُهَا ، فَأَكْرَمَهُمْ وَطَالَ حَدِيثُهُ مَعَهُمْ ، وَعَرَّفَهُمْ أَنَّ قَصْدَهُ الْحَقُّ وَالْجِهَادُ ، وَأَنْ يَخْتِمَ عُمْرَهُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ، وَأَنْ يُقِيمَ أَوَامِرَ جَدِّهِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ حَتَّى أَعْجَبَهُمْ ، وَبَكَى بَعْضُهُمْ ، ثُمَّ خَلَعَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ لِلْقَاضِي أَبِي الطَّاهِرِ الذُّهْلِيِّ : مَنْ رَأَيْتَ مِنَ الْخُلَفَاءِ ؟ فَقَالَ : وَاحِدًا . قَالَ مَنْ هُوَ ؟ قَالَ : مَوْلَانَا . فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ .

ثُمَّ أَنَّهُ سَارَ حَتَّى خَيَّمَ بِالْجِيزَةِ ، فَأَخَذَ عَسْكَرُهُ فِي التَّعْدِيَةِ إِلَى الْفُسْطَاطِ ، ثُمَّ دَخَلَ الْقَاهِرَةَ ، وَقَدْ بُنِيَ لَهُ بِهَا قَصْرُ الْإِمَارَةِ ، وَزُيِّنَتْ مِصْرُ ، فَاسْتَوَى عَلَى سَرِيرِ مُلْكِهِ ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ . وَكَانَ عَاقِلًا لَبِيبًا حَازِمًا ذَا أَدَبٍ وَعِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ وَجَلَالَةٍ وَكَرَمٍ ، يَرْجِعُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى عَدْلٍ وَإِنْصَافٍ ، وَلَوْلَا بِدْعَتُهُ وَرَفْضُهُ لَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ . قِيلَ : إِنَّ زَوْجَةَ صَاحِبِ مِصْرَ الْإِخْشِيدِ لَمَّا زَالَتْ دَوْلَتُهُمْ أَوْدَعَتْ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بغلطَاقًا مِنْ جَوْهَرٍ ، ثُمَّ إِنَّهَا طَلَبَتْهُ مِنْهُ ، فَأَنْكَرَهُ وَصَمَّمَ ، فَبَذَلَتْ لَهُ كُمَّهُ ، فَأَصَرَّ ، فَمَا زَالَتْ حَتَّى قَالَتْ : خُذْهُ ، وَهَاتِ كَمًّا مِنْهُ .

فَمَا فَعَلَ . فَأَتَتِ الْقَصْرَ ، فَأَذِنَ الْمُعِزُّ لَهَا ، فَحَدَّثَتْهُ بِأَمْرِهَا ، فَأَحْضَرَ الْيَهُودِيَّ ، وَقَرَّرَهُ فَلَمْ يُقِرَّ . فَنَفَّذَ إِلَى دَارِهِ مَنْ أَخْرَبَ حِيطَانِهَا ، فَوَجَدُوا جَرَّةً فِيهَا الْبغلطَاقُ ، فَلَمَّا رَآهُ الْمُعِزُّ ابْتَهَرَ مِنْ حُسْنِهِ ، وَقَدْ نَقَصَهُ الْيَهُودِيُّ دُرَّتَيْنِ بَاعَهُمَا بِأَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ دِينَارٍ ، فَسَلَّمَهُ إِلَيْهَا ، فَاجْتَهَدَتْ أَنْ يَأْخُذَهُ هَدِيَّةً مِنْهَا أَوْ بِثَمَنٍ فَأَبَى ، فَقَالَتْ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّمَا كَانَ يَصْلُحُ لِي إِذْ كُنَّا أَصْحَابَ الْبِلَادِ ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا .

ثُمَّ أَخَذَتْهُ وَمَضَتْ . قِيلَ : إِنَّ الْمُنَجِّمِينَ أَخْبَرُوا الْمُعِزَّ أَنَّ عَلَيْكَ قَطْعًا ، فَأَشَارُوا أَنْ يَتَّخِذَ سَرَبًا يَتَوَارَى فِيهِ سَنَةً ، فَفَعَلَ . فَلَمَّا طَالَتِ الْغَيْبَةُ ظَنَّ جُنْدُهُ الْمَغَارِبَةُ أَنَّهُ رُفِعَ ، فَكَانَ الْفَارِسُ مِنْهُمْ إِذَا رَأَى غَمَامَةً تَرَجَّلَ ، وَيَقُولُ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ .

ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ بَعْدَ سَنَةٍ ، فَخَرَجَ فَمَا عَاشَ بَعْدَهَا إِلَّا يَسِيرًا . وَلِلشُّعَرَاءِ فِيهِ مَدَائِحُ . وَمِنْ شِعْرِهِ : أَطْلَعَ الْحُسْنُ مِنْ جَبِينِكَ شَمْسًا فَوْقَ وَرْدٍ مِنْ وَجْنَتَيْكَ أَطَلَّا فَكَأَنَّ الْجَمَالَ خَافَ عَلَى الْوَرْ دِ ذُبُولًا فَمَدَّ بِالشَّعْرِ ظِلَّا .

وَمِنْ شِعْرِهِ : لِلَّهِ مَا صَنَعَتْ بِنَا تِلْكَ الْمَحَاجِرُ فِي الْمَعَاجِرِ أَمْضَى وَأَقْضَى فِي النُّفُوسِ مِنَ الْخَنَاجِرِ فِي الْحَنَاجِرِ وَلَقَدْ تَعِبْتُ بِبَيْنِكُمْ تَعَبَ الْمُهَاجِرِ فِي الْهَوَاجِرِ قِيلَ : إِنَّهُ أُحْضِرَ إِلَى الْمُعِزِّ بِمِصْرَ كِتَابٌ فِيهِ شَهَادَةُ جَدِّهِمْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِسَلَمِيَّةَ ، وَفِيهِ : وَكَتَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَاهِلِيُّ ، فَقَالَ : نَعَمْ ، هَذِهِ شَهَادَةُ جَدِّنَا . وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ الْبَاهِلِيُّ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْمُبَاهَلَةِ ؛ لَا أَنَّهُ مِنْ بَاهِلَةَ . قُلْتُ : ظَهَرَ هَذَا الْوَقْتَ الرَّفْضُ ، وَأَبْدَى صَفْحَتَهُ ، وَشَمَخَ بِأَنْفِهِ فِي مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْحِجَازِ وَالْغَرْبِ بِالدَّوْلَةِ الْعُبَيْدِيَّةِ ، وَبِالْعِرَاقِ وَالْجَزِيرَةِ وَالْعَجَمِ بَينِي بُوَيْهِ ، وَكَانَ الْخَلِيفَةُ الْمُطِيعُ ضَعِيفَ الدَّسَتِ وَالرُّتْبَةِ مَعَ بَنِيَ بُوَيْهِ ، ثُمَّ ضَعُفَ بَدَنُهُ ، وَأَصَابَهُ فَالِجٌ وَخَرَسٌ ، فَعَزَلُوهُ وَأَقَامُوا ابْنَهُ الطَّائِعَ لِلَّهِ ، وَلَهُ السِّكَّةُ وَالْخُطْبَةُ ، وَقَلِيلٌ مِنَ الْأُمُورِ ، فَكَانَتْ مَمْلَكَةُ هَذَا الْمُعِزِّ أَعْظَمَ وَأَمْكَنَ ، وَكَذَلِكَ دَوْلَةُ صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ الْمَرْوَانِيِّ ، كَانَتْ مُوَطَّدَةً مُسْتَقِلَّةً كَوَالِدِهِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ الَّذِي وَلِيَ خَمْسِينَ عَامًا .

وَأُعْلِنَ الْأَذَانُ بِالشَّامِ وَمِصْرَ بِحَيِّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ . فَلِلَّهِ الْأَمْرُ كُلُّهُ . قِيلَ : مَا عُرِفَ عَنِ الْمُعِزِّ غَيْرَ التَّشَيُّعِ ، وَكَانَ يُطِيلُ الصَّلَاةَ ، وَمَاتَ قَبْلَهُ بِسَنَةٍ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ ، وَلِيُّ الْعَهْدِ ، وَصَبَرَ .

وَغُلِّقَتْ مِصْرُ لِعَزَائِهِ ثَلَاثًا ، وَشَيَّعُوهُ بِلَا عَمَائِمَ ؛ بَلْ بِمَنَادِيلَ صُوفٍ ، فَأَمَّهُمُ الْمُعِزُّ بِأَتَمِّ صَلَاةٍ وَأَحْسَنِهَا . فِي سَنَةِ سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وُجِدَ بِالسُّوقِ . قَدْ نُسِجَ فِيهِ : الْمُعِزُّ عَزَّ وَجَلَّ ، فَأُحْضِرُ [ النَّسَّاجُ ] إِلَى جَوْهَرٍ ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، وَصُلِبَ النَّسَّاجُ ثُمَّ أُطْلِقَ .

وَأَخَذَ الْمُحْتَسِبُ مِنَ الطَّحَّانِينَ سَبْعَمِائَةِ دِينَارٍ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ جَوْهَرٌ ، وَرَدَّ الذَّهَبَ إِلَيْهِمْ . وَأُبِيعَ تِلِّيسُ الدَّقِيقِ بِتِسْعَةَ عَشَرَ دِينَارًا ، ثُمَّ انْحَلَّ السِّعْرُ فِي سَنَةِ سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، وَكَانَ الْغَلَاءُ أَرْبَعَ سِنِينَ . وَقَبَضَ جَوْهَرٌ عَلَى تِسْعِمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ جُنْدِيًّا وَالْإِخْشِيدِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَقُيِّدُوا .

وَثَارَتْ عَلَيْهِ الْقَرَامِطَةُ ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الشَّامِ ، وَسَارُوا حَتَّى أَتَوْا مِصْرَ ، فَحَارَبَهُمْ جَوْهَرٌ ، وَجَرَتْ أُمُورٌ مَهُولَةٌ . وَعُزِلَ سَنَةَ 361 مِنَ الْوِزَارَةِ ابْنُ حِنْزَابَةَ ، وَأُهِينَ . وَوَقَعَ الْمَصَافُّ بَيْنَ جَوْهَرٍ وَالْقَرَامِطَةِ ، وَقُتِلَ خَلْقٌ وَذَلِكَ بِظَاهِرِ الْقَاهِرَةِ ، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، ثُمَّ تَرَحَّلَ الْأَعْسَمُ الْقِرْمِطِيُّ مُنْهَزِمًا وَذَلُّوا ، وَاتَّهَمَ الْأَعْسَمُ أُمَرَاءَهُ بِالْمُخَامَرَةِ ، فَقَبَضَ عَلَيْهِمْ .

وَصَلَّى بِالنَّاسِ الْمُعِزُّ يَوْمَيِ الْعِيدِ صَلَاةً طَوِيلَةً بِحَيْثُ إِنَّهُ سَبَّحَ فِي السُّجُودِ نَحْوَ ثَلَاثِينَ ، ثُمَّ خَطَبَهُمْ فَأَبْلَغَ ، وَأَحَبَّتْهُ الرَّعِيَّةُ . وَصَنَعَ شَمْسِيَّةً لِتُعْمَلَ عَلَى الْكَعْبَةِ ثَمَانِيَةَ أَشْبَارٍ فِي مَثَلِهَا مِنْ حَرِيرٍ أَحْمَرَ ، وَفِيهَا اثْنَا عَشَرَ هِلَالًا مِنْ ذَهَبٍ ، وَفِي الْهِلَالِ تُرُنْجَةٌ قَدْ رُصِّعَتْ بِجَوَاهِرَ وَيَاقُوتٍ وَزُمُرُّدٍ ، لَمْ يُشَاهِدْ أَحَدٌ مِثْلَهَا . وَقَدَّمَ لَهُ جَوْهَرٌ الْقَائِدُ تُحَفًا بِنَحْوٍ مَنْ أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ ، وَأَعْطَاهُ مَا يَلِيقُ بِهِ .

مَاتَ الْمُعِزُّ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سِنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ بِالْقَاهِرَةِ الْمُعَزِّيَّةِ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِالْمَهْدِيَّةِ الَّتِي بَنَاهَا جَدُّهُمْ ، وَعَاشَ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً . وَكَانَتْ دَوْلَتُهُ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً . وَقَامَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْعَزِيزُ بِاللَّهِ .

وَقَدْ جَرَى عَلَى دِمَشْقَ وَغَيْرِهَا مِنْ عَسَاكِرِ الْمَغَارِبَةِ كُلُّ قَبِيحٍ مِنَ الْقَتْلِ وَالنَّهْبِ ، وَفَعَلُوا مَا لَا يَفْعَلُهُ الْفِرَنْجُ ، وَلَوْلَا خَوْفُ الْإِطَالَةِ لَسُقْتُ مَا يُبْكِي الْأَعْيُنَ .

موقع حَـدِيث