ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ
ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ الْإِمَامُ الْحَافِظُ اللُّغَوِيُّ ذُو الْفُنُونِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ بَشَّارِ بْنِ الْأَنْبَارِيِّ ، الْمُقْرِئُ النَّحْوِيُّ . وُلِدَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ . وَسَمِعَ فِي صِبَاهُ بِاعْتِنَاءِ أَبِيهِ مِنْ : مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ الْكُدَيْمِيِّ ، وَإِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي ، وَأَحْمَدَ بْنِ الْهَيْثَمِ الْبَزَّازِ ، وَأَبِي الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٍ ، وَخَلْقٍ كَثِيرٍ .
وَحَمَلَ عَنْ وَالِدِهِ ، وَأَلَّفَ الدَّوَاوِينَ الْكِبَارَ مَعَ الصِّدْقِ وَالدِّينِ ، وَسِعَةِ الْحِفْظِ . حَدَّثَ عَنْهُ : أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الشَّذَائِيُّ ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي هَاشِمٍ ، وَأَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَخِي مِيمِي الدَّقَّاقِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَرَّاحِ ، وَأَبُو مُسْلِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ ، وَآخَرُونَ . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْقَالِيُّ : كَانَ شَيْخُنَا أَبُو بَكْرٍ يَحْفَظُ فِيمَا قِيلَ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ بَيْتٍ شَاهِدٍ فِي الْقُرْآنِ .
قُلْتُ : هَذَا يَجِيءُ فِي أَرْبَعِينَ مُجَلَّدًا . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ التَّنُوخِيُّ : كَانَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ يُمْلِي مِنْ حِفْظِهِ ، مَا أَمْلَى مِنْ دَفْتَرٍ قَطُّ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ التَّمِيمِيُّ : مَا رَأَيْنَا أَحَدًا أَحْفَظَ مِنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ ، وَلَا أَغْزَرَ مِنْ عِلْمِهِ .
وَحَدَّثُونِي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَحْفَظُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ صُنْدُوقًا . وَقِيلَ : كَانَ يَأْكُلُ الْقَلِيَّةَ وَيَقُولُ : أُبْقِي عَلَى حِفْظِي . وَقِيلَ : إِنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَحْفُوظِهِ عِشْرِينَ وَمِائَةَ تَفْسِيرٍ بِأَسَانِيدِهَا .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ : كَانَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ صَدُوقًا دَيِّنًا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ . صَنَّفَ فِي عُلُومِ الْقُرْآنِ ، وَالْغَرِيبِ وَالْمُشْكِلِ ، وَالْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : كَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ وَأَفْضَلِهِمْ فِي نَحْوِ الْكُوفِيِّينَ ، وَأَكْثَرِهِمْ حِفْظًا لِلُّغَةِ .
أَخَذَ عَنْ ثَعْلَبٍ ، وَأَخَذَ النَّاسُ عَنْهُ وَهُوَ شَابٌّ فِي حُدُودِ سَنَةِ ثَلَاثِمِائَةٍ . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْعَرُوضِيُّ : كُنْتُ أَنَا وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ عِنْدَ الرَّاضِي بِاللَّهِ فَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ سَأَلَتْهُ جَارِيَةٌ عَنْ تَفْسِيرِ شَيْءٍ مِنَ الرُّؤْيَا ، فَقَالَ : أَنَا حَاقِنٌ . وَمَضَى ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ ، عَادَ ، وَقَدْ صَارَ مُعَبِّرًا لِلرُّؤْيَا .
مَضَى مِنْ يَوْمِهِ ، فَدَرَسَ كِتَابَ الْكِرْمَانِيِّ فِي التَّعْبِيرِ وَجَاءَ . قُلْتُ : لَهُ كِتَابُ الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ ، وَكِتَابُ الْمُشْكِلِ ، وَ غَرِيبِ الْغَرِيبِ النَّبَوِيِّ ، وَ شَرْحِ الْمُفَضَّلِيَّاتِ ، وَ شَرْحِ السَّبْعِ الطِّوَالِ ، وَكِتَابُ الزَّاهِرِ ، وَكِتَابُ الْكَافِي فِي النَّحْوِ ، وَكِتَابُ اللَّامَاتِ ، وَكِتَابُ شَرْحِ الْكَافِي ، وَكِتَابُ الْهَاءَاتِ ، وَكِتَابُ الْأَضْدَادِ ، وَكِتَابُ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ ، وَكِتَابُ رِسَالَةِ الْمُشْكِلِ يَرُدُّ عَلَى ابْنِ قُتَيْبَةَ ، وَأَبِي حَاتِمٍ ، وَكِتَابُ الرَّدِّ عَلَى مَنْ خَالَفَ مُصْحَفَ عُثْمَانَ بِأَخْبَرَنَا وَحَدَّثَنَا ، يَقْضِي بِأَنَّهُ حَافِظٌ لِلْحَدِيثِ ، وَلَهُ أَمَالِي كَثِيرَةٌ ، وَكَانَ مِنْ أَفْرَادِ الْعَالَمِ . وَقَالَ حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ : كَانَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ زَاهِدًا مُتَوَاضِعًا ، حَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ حَضَرَهُ ، فَصَحَّفَ فِي اسْمٍ ، قَالَ : فَأَعْظَمْتُ أَنْ يُحْمَلَ عَنْهُ وَهْمٌ وَهِبْتُهُ ، فَعَرَّفْتُ مُسْتَمْلِيهِ ، فَلَمَّا حَضَرْتُ الْجُمُعَةَ الْأُخْرَى ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ لِمُسْتَمْلِيهِ : عَرِّفِ الْجَمَاعَةَ أَنَّا صَحَّفْنَا الِاسْمَ الْفُلَانِيَّ ، وَنَبَّهَنَا عَلَيْهِ ذَلِكَ الشَّابُّ عَلَى الصَّوَابِ .
وَقِيلَ : إِنَّ ابْنَ الْأَنْبَارِيِّ - عَلَى مَا بَلَغَنِي - أَمْلَى غَرِيبَ الْحَدِيثِ فِي خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفَ وَرَقَةٍ . فَإِنَّ صَحَّ هَذَا ، فَهَذَا الْكِتَابُ يَكُونُ أَزْيَدَ مِنْ مِائَةِ مُجَلَّدٍ ، وَكِتَابُ شَرْحِ الْكَافِي لَهُ ثَلَاثُ مُجَلَّدَاتٍ كِبَارٍ ، وَلَهُ كِتَابُ الْجَاهِلِيَّاتِ فِي سَبْعِمِائَةِ وَرَقَةٍ . وَقَدْ كَانَ أَبُوهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْبَارِيُّ مُحَدِّثًا أَخْبَارِيًّا عَلَّامَةً مِنْ أَئِمَّةِ الْأَدَبِ .
أَخَذَ عَنْ : سَلَمَةَ بْنِ عَاصِمٍ ، وَأَبِي عِكْرِمَةَ الضَّبِّيِّ . وَلَهُ كِتَابُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ ، وَكِتَابُ خَلْقِ الْفَرَسِ ، وَكِتَابُ الْأَمْثَالِ ، وَ الْمَقْصُورِ وَالْمَمْدُودِ ، وَ غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَأَشْيَاءُ عِدَّةٌ . مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ .
وَمَاتَ ابْنُهُ الْعَلَّامَةُ أَبُو بَكْرٍ فِي لَيْلَةِ الْأَضْحَى بِبَغْدَادَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ عَنْ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً . وَفِيهَا مَاتَ الْعَلَّامَةُ أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ رَبَّهِ الْقُرْطُبِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ الْعِقْدِ عَنِ اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً ، وَكَبِيرُ الشَّافِعِيَّةِ أَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَزِيدَ الْإِصْطَخْرِيُّ بِبَغْدَادَ عَنْ بِضْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً ، وَمُقْرِئُ الْعِرَاقِ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَنَبُوذَ ، وَشَيْخُ الصُّوفِيَّةِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمُرْتَعِشُ بِبَغْدَادَ ، وَالْوَزِيرُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ مُقْلَةَ ، وَمُسْنِدُ نَيْسَابُورَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الشَّرْقِيِّ ، وَمُسْنِدُ دِمَشْقَ أَبُو الدَّحْدَاحِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ التَّمِيمِيُّ ، وَمُسْنِدُ بَغْدَادَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْعَلَاءِ الْجَوْزَجَانِيُّ عَنْ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً ، وَعَالِمُ نَيْسَابُورَ وَقُدْوَتُهَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْمَطْبَقِيِّ بِبَغْدَادَ مِنْ شُيُوخِ ابْنِ جُمَيْعٍ . أَخْبَرَنَا الْمُسَلَّمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَلَّانِيُّ فِي كِتَابِهِ ، أَخْبَرَنَا زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَتَّابٍ الدَّلَّالُ ، حَدَّثَنَا الْمُخْتَارُ بْنُ نَافِعٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ ; زَوَّجَنِي ابْنَتَهُ ، وَنَقَلَنِي إِلَى دَارِ الْهِجْرَةِ ، وَأَعْتَقَ بِلَالًا .
رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ ; يَقُولُ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا ، تَرَكَهُ الْحَقُّ وَمَا لَهُ مِنْ صَدِيقٍ . رَحِمَ اللَّهُ عُثْمَانَ ; تَسْتَحْيِيهِ الْمَلَائِكَةُ . رَحِمَ اللَّهُ عَلِيًّا ; اللَّهُمَّ أَدِرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ .