ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ
ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادِ بْنِ بِشْرِ بْنِ دِرْهَمٍ ، الْإِمَامُ الْمُحَدِّثُ الْقُدْوَةُ الصَّدُوقُ الْحَافِظُ ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو سَعِيدِ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ الْبَصْرِيُّ الصُّوفِيُّ ، نَزِيلُ مَكَّةَ ، وَشَيْخُ الْحَرَمِ . وَمَا هُوَ بِابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْأَعْرَابِيِّ اللُّغَوِيِّ ; ذَاكَ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ هَذَا بِأَعْوَامٍ عِدَّةٍ . وُلِدَ سَنَةَ نَيِّفٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ .
وَسَمِعَ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَاحِ الزَّعْفَرَانِيَّ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَيُّوبَ الْمُخَرِّمِيَّ ، وَسَعْدَانَ بْنَ نَصْرٍ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقِيَّ ، وَأَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمُنَادِي ، وَعَبَّاسًا التَّرْقُفِيَّ ، وَعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدٍ الدُّورِيَّ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيَّ ، وَأُمَمًا سِوَاهُمْ . خَرَجَ عَنْهُمْ مُعْجَمًا كَبِيرًا وَرَحَلَ إِلَى الْأَقَالِيمِ ، وَجَمَعَ وَصَنَّفَ ، صَحِبَ الْمَشَايِخَ ، وَتَعْبَدَ وَتَأَلَّهَ وَأَلَّفَ مَنَاقِبَ الصُّوفِيَّةِ ، وَحَمَلَ السُّنَنَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ ، وَلَهُ فِي غُضُونِ الْكِتَابِ زِيَادَاتٌ فِي الْمَتْنِ وَالسَّنَدِ . رَوَى عَنْهُ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ خَفِيفٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِئِ ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ ، وَالْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُفَرِّجٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جُمَيْعٍ الصَّيْدَاوِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ الْقَطَّانُ ، وَصَدَقَةُ بْنُ الدَّلَمِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ بْنِ النَّحَّاسِ ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُنِيرٍ الْمِصْرِيَّانِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنُ ضَيْفُونَ شَيْخُ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَأَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الطَّرَسُوسِيُّ وَعَدَدٌ كَثِيرٌ مِنَ الْحُجَّاجِ وَالْمُجَاوِرِينَ .
وَكَانَ كَبِيرَ الشَّأْنِ ، بَعِيدَ الصِّيتِ ، عَالِيَ الْإِسْنَادِ . قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ الْخَشَّابَ ، سَمِعْتُ ابْنَ الْأَعْرَابِيِّ يَقُولُ : الْمَعْرِفَةُ كُلُّهَا الِاعْتِرَافُ بِالْجَهْلِ ، وَالتَّصَوُّفُ كُلُّهُ تَرْكُ الْفُضُولِ ، وَالزُّهْدُ كُلُّهُ أَخْذُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَالْمُعَامَلَةُ كُلُّهَا اسْتِعْمَالُ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى ، وَالرِّضَا كُلُّهُ تَرْكُ الِاعْتِرَاضِ ، وَالْعَافِيَةُ كُلُّهَا سُقُوطُ التَّكَلُّفِ بِلَا تَكَلُّفٍ . وَكَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَدْ صَحِبَ الْجُنَيْدَ ، وَأَبَا أَحْمَدَ الْقَلَانِسِيَّ .
وَعَمِلَ تَارِيخًا لِلْبَصْرَةِ لَمْ أَرَهُ ، أَمَّا كِتَابُهُ فِي طَبَقَاتِ النُّسَّاكِ فَنَقَلْتُ مِنْهُ . وَمِنْ كَلَامِهِ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي الْحُسَيْنِ النُّورِيِّ ، قَالَ : مَاتَ وَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ عِنْدَهُ فِي شَيْءٍ ، سُكُوتُهُمْ عَنْهُ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ شَيْءٌ يَتَكَهَّنُونَ فِيهِ ، وَيَتَعَسَّفُونَ بِظُنُونِهِمْ ، فَإِذَا كَانَ أُولَئِكَ كَذَلِكَ ، فَكَيْفَ بِمَنْ حَدَّثَ بَعْدَهُمْ ؟ . قَالَ أَيْضًا : إِنَّمَا كَانُوا يَقُولُونَ جَمْعٌ ، وَصُورَةُ الْجَمْعِ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ بِخِلَافِهَا عِنْدَ الْآخَرِ ، وَكَذَلِكَ صُورَةُ الْفَنَاءِ ، وَكَانُوا يَتَّفِقُونَ فِي الْأَسْمَاءِ ، وَيَخْتَلِفُونَ فِي مَعْنَاهَا ; لِأَنَّ مَا تَحْتَ الِاسْمِ غَيْرُ مَحْصُورٍ ، لِأَنَّهَا مِنَ الْمَعَارِفِ .
قَالَ : وَكَذَلِكَ عِلْمُ الْمَعْرِفَةِ غَيْرُ مَحْصُورٍ لَا نِهَايَةَ لَهُ وَلَا لِوُجُودِهِ ، وَلَا لِذَوْقِهِ . إِلَى أَنْ قَالَ : - وَلَقَدْ أَحْسَنَ فِي الْمَقَالِ - فَإِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَسْأَلُ عَنِ الْجَمْعِ أَوِ الْفَنَاءِ ، أَوْ يُجِيبُ فِيهِمَا ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ فَارِغٌ ، لَيْسَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ إِذْ أَهْلُهُمَا لَا يَسْأَلُونَ عَنْهُ لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُ لَا يُدْرَكُ بِالْوَصْفِ . قُلْتُ : إِي وَاللَّهِ ، دَقَّقُوا وَعَمَّقُوا ، وَخَاضُوا فِي أَسْرَارٍ عَظِيمَةٍ ، مَا مَعَهُمْ عَلَى دَعْوَاهُمْ فِيهَا سِوَى ظَنٍّ وَخَيَالٍ ، وَلَا وُجُودَ لِتِلْكَ الْأَحْوَالِ مِنَ الْفَنَاءِ وَالْمَحْوِ وَالصَّحْوِ وَالسُّكْرِ إِلَّا مُجَرَّدُ خَطِرَاتٍ وَوَسَاوِسَ ، مَا تَفَوَّهَ بِعِبَارَاتِهِمْ صَدِّيقٌ ، وَلَا صَاحِبٌ ، وَلَا إِمَامٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ ، فَإِنْ طَالَبَتْهُمْ بِدَعَاوِيهِمْ مَقَتُوكَ ، وَقَالُوا : مَحْجُوبٌ ، وَإِنْ سَلَّمْتَ لَهُمْ قِيَادَكَ تَخَبَّطَ مَا مَعَكَ مِنَ الْإِيمَانِ ، وَهَبَطَ بِكَ الْحَالُ عَلَى الْحَيْرَةِ وَالْمُحَالِ ، وَرَمَقْتَ الْعُبَّادَ بِعَيْنِ الْمَقْتِ ، وَأَهْلَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ بِعَيْنِ الْبُعْدِ ، وَقُلْتَ : مَسَاكِينُ مَحْجُوبُونَ .
فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . فَإِنَّمَا التَّصَوُّفُ وَالتَّأَلُّهُ وَالسُّلُوكُ وَالسَّيْرُ وَالْمَحَبَّةُ مَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الرِّضَا عَنِ اللَّهِ ، وَلُزُومِ تَقْوَى اللَّهِ ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالتَّأَدُّبِ بِآدَابِ الشَّرِيعَةِ مِنَ التِّلَاوَةِ بِتَرْتِيلٍ وَتَدَبُّرٍ ، وَالْقِيَامِ بِخَشْيَةٍ وَخُشُوعٍ ، وَصَوْمِ وَقْتٍ ، وَإِفْطَارِ وَقْتٍ ، وَبَذْلِ الْمَعْرُوفِ ، وَكَثْرَةِ الْإِيثَارِ ، وَتَعْلِيمِ الْعَوَامِّ ، وَالتَّوَاضُعِ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَالتَّعَزُّزِ عَلَى الْكَافِرِينَ ، وَمَعَ هَذَا فَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَالْعَالِمُ إِذَا عَرِيَ مِنَ التَّصَوُّفِ وَالتَّأَلُّهِ ، فَهُوَ فَارِغٌ ، كَمَا أَنَّ الصُّوفِيَّ إِذَا عَرِيَ مِنْ عِلْمِ السُّنَّةِ ، زَلَّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ .
وَقَدْ كَانَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ مِنْ عُلَمَاءِ الصُّوفِيَّةِ ، فَتَرَاهُ لَا يَقْبَلُ شَيْئًا مِنَ اصْطِلَاحَاتِ الْقَوْمِ إِلَّا بِحُجَّةٍ . تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ فِي شَهْرِ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَلَهُ أَرْبَعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً وَأَشْهَرٌ . أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْعَلَوِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقُرَشِيُّ ، قَالَا : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمَادٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رِفَاعَةَ ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، أَخْبَرَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ .
وَبِهِ أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ بِمَكَّةَ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ ، يُقَالُ لَهُ : كَرْكَرَةُ ، فَمَاتَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُوَ فِي النَّارِ . فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ ، فَوَجَدُوا عَلَيْهِ عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا . قُلْتُ : الْجَمَّالُ حَتَّى فِي الصَّحَابَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَمَا تَرَى .
وَفِيهَا مَاتَ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ الطُّوسِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ فُلَيْحٍ الطَّرَائِفِيُّ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ ، وَقَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ مُحَدِّثُ الْأَنْدَلُسِ ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ الْبَرْذَعِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْأُسْتَاذُ بِبُخَارَى ، وَأَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ الزَّجَّاجِيُّ صَاحِبُ الْجُمَلِ ، وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَالَوَيْهِ بِنَيْسَابُورَ ، وَشَيْخُ الْحَنَفِيَّةِ أَبُو الْحَسَنِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكَرْخِيُّ ، وَشَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَرْوَزِيُّ .