فَخْرُ الْمُلْكِ
فَخْرُ الْمُلْكِ الْوَزِيرُ الْكَبِيرُ ، أَبُو غَالِبٍ ، مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفِ بْنِ الصَّيْرَفِيِّ . وَبِاسْمِهِ صُنِّفَ كِتَابُ الْفَخْرِيِّ فِي الْجَبْرِ وَالْمُقَابَلَةِ . كَانَ صَدْرًا مُعَظَّمًا ، جَوَادًا مُمَدَّحًا مِنْ رِجَالِ الدَّهْرِ ، كَانَ أَبُوهُ صَيْرَفِيًّا بِدِيوَانِ وَاسِطَ ، وَكَانَ أَبُو غَالِبٍ مِنْ صِبَاهُ يَتَعَانَى الْمَكَارِمَ وَالْأَفْضَالَ ، وَيُلَقِّبُونَهُ بِالْوَزِيرِ الصَّغِيرِ ، ثُمَّ وَلِيَ بَعْضَ الْأَعْمَالِ ، وَتَنَقَّلَتْ بِهِ الْأَحْوَالُ إِلَى أَنْ وَلِيَ دِيوَانَ وَاسِطَ ، ثُمَّ وَزَرَ ، وَنَابَ لِلسُّلْطَانِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ بِفَارِسَ ، وَافْتَتَحَ قِلَاعًا ، ثُمَّ وَلِيَ الْعِرَاقَ بَعْدَ عَمِيدِ الْجُيُوشِ فَعَدَلَ قَلِيلًا ، وَأَعَادَ اللَّطْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ ، وَثَارَتِ الْفِتَنُ لِذَلِكَ ، وَمَدَحَتْهُ الشُّعَرَاءُ وَدَامَ سِتَّ سِنِينَ ، ثُمَّ أُمْسِكَ بِالْأَهْوَازِ ، وَقُتِلَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ، وَأَخَذُوا لَهُ جَوْهَرًا وَنَفَائِسَ ، وَأَلْفَ أَلْفَ دِينَارٍ وَغَيْرَ ذَلِكَ ، وَطُمِرَ فِي ثِيَابِهِ .
وَكَانَ شَهْمًا كَافِيًا ، خَبِيرًا بِالتَّصَرُّفِ ، سَدِيدَ التَّوْقِيعِ ، طَلْقَ الْمُحَيَّا ، يُكَاتِبُ مُلُوكَ النَّوَاحِي ، وَيُهَادِيهِمْ ، وَفِيهِ عَدْلٌ فِي الْجُمْلَةِ ، عَمِرَتِ الْعِرَاقُ فِي أَيَّامِهِ ، وَكَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الدَّهْرِ ، أَنْشَأَ بِيمَارِسْتَانًا عَظِيمًا بِبَغْدَادَ ، وَكَانَتْ ، جَوَائِزُهُ مُتَوَاتِرَةً عَلَى الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ ، وَعَاشَ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ سَنَةً . رُفِعَتْ إِلَيْهِ سِعَايَةٌ بِرَجُلٍ ، فَوَقَّعَ فِيهَا : السِّعَايَةُ قَبِيحَةٌ ، وَلَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً ، وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَقْبَلَ مِنْ مَهْتُوكٍ فِي مَسْتُورٍ ، وَلَوْلَا أَنَّكَ فِي خُفَارَةِ شَيْبِكَ ، لَعَامَلْنَاكَ بِمَا يُشْبِهُ مَقَالَكَ ، وَيَرْدَعُ أَمْثَالَكَ ، فَاكْتُمْ هَذَا الْعَيْبَ ، وَاتَّقِ مَنْ يَعْلَمُ الْغَيْبَ . فَأَخَذَهَا فُقَهَاءُ الْمَكَاتِبِ ، وَعَلَّمُوهَا الصِّغَارَ .
وَقَدْ أَنْشَأَ بِبَغْدَادَ دَارًا عَظِيمَةً وَكَانَ يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِكَثْرَةِ جَوَائِزِهِ وَعَطَايَاهُ .