الْأَهْوَازِيُّ
الْأَهْوَازِيُّ قَدْ ذَكَرْتُهُ فِي التَّارِيخِ ، وَفِي طَبَقَاتِ الْقُرَّاءِ ، وَفِي مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ مُسْتَوْفًى ، فَلْنَذْكُرْهُ مُلَخَّصًا . كَانَ رَأْسًا فِي الْقِرَاءَاتِ ، مُعَمَّرًا ، بَعِيدَ الصِّيتِ ، صَاحِبَ حَدِيثٍ وَرِحْلَةٍ وَإِكْثَارٍ وَلَيْسَ بِالْمُتْقِنِ لَهُ ، وَلَا الْمُجَوِّدِ ، بَلْ هُوَ حَاطِبُ لَيْلٍ ، وَمَعَ إِمَامَتِهِ فِي الْقِرَاءَاتِ فَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ وَفِي دَعَاوِيهِ تِلْكَ الْأَسَانِيدَ الْعَالِيَةَ . وَهُوَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ، الْعَلَّامَةُ ، مُقْرِئُ الْآفَاقِ أَبُو عَلِيٍّ ، الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزْدَادَ بْنِ هُرْمُزَ الْأَهْوَازِيُّ ، نُزِيلُ دِمَشْقَ .
وُلِدَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ . وَزَعَمَ أَنَّهُ تَلَا عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْغَضَائِرِيِّ . مَجْهُولٌ لَا يُوثَقُ بِهِ ، ادَّعَى أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى الْأُشْنَانِيِّ وَالْقَاسِمِ الْمُطَرِّزِ - وَذَكَرَ أَنَّهُ تَلَا لِقَالُونَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ بِالْأَهْوَازِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ فَيْرُوزَ ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ الْحُبَابِ ، وَأَنَّهُ قَرَأَ عَلَى شَيْخٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سَيْفٍ ، وَعَلَى الشَّنَبُوذِيِّ وَأَبِي حَفْصٍ الْكَتَّانِيِّ ، وَجَمَاعَةٍ ، قَبْلَ التِّسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ .
وَسَمِعَ مِنْ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ الْمُرْجِيِّ صَاحِبِ أَبِي يَعْلَى ، وَمِنَ الْمُعَافَى الْجَرِيرِيِّ ، وَالْكَتَّانِيِّ ، وَعِدَّةٍ . وَلَحِقَ بِدِمَشْقَ عَبْدَ الْوَهَّابِ الْكِلَابِيَّ ، وَأَنَّهُ سَمِعَ بِمِصْرَ مِنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَاتِبِ ، وَيَرْوِي الْعَالِي وَالنَّازِلَ ، وَخَطُّهُ رَدِيءُ الْوَضْعِ ، جَمَعَ سِيرَةً لِمُعَاوِيَةَ ، وَ مُسْنَدًا فِي بِضْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا ، حَشَاهُ بِالْأَبَاطِيلِ السَّمِجَةِ . تَلَا عَلَيْهِ الْهُذَلِيُّ وَغُلَامُ الْهَرَّاسِ وَأَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْأَشْعَثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْمَصِّينِيُّ ، وَعَتِيقٌ الرِّدَائِيُّ وَأَبُو الْوَحْشِ سُبَيْعُ بْنُ قِيرَاطٍ ، وَخَلْقٌ .
وَحَدَّثَ عَنْهُ : الْخَطِيبُ ، وَالْكَتَّانِيُّ ، وَالْفَقِيهُ نَصْرُ الْمَقْدِسِيُّ ، وَأَبُو طَاهِرٍ الْحِنَّائِيُّ ، وَأَبُو الْقَاسِمِ النَّسِيبُ وَوَثَّقَهُ ، وَبِالْإِجَازَةِ أَبُو سَعْدِ بْنُ الطُّيُورِيِّ . وَأَلَّفَ كِتَابًا طَوِيلًا فِي الصِّفَاتِ فِيهِ كَذِبٌ ، وَمِمَّا فِيهِ : حَدِيثُ عَرَقِ الْخَيْلِ وَتِلْكَ الْفَضَائِحُ ، فَسَبَّهُ عُلَمَاءُ الْكَلَامِ وَغَيْرُهُمْ . وَكَانَ يَنَالُ مِنِ ابْنِ أَبِي بِشْرٍ وَعَلَّقَ فِي ثَلْبِهِ ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُمَا .
قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ كَانَ عَلَى مَذْهَبِ السَّالِمِيَّةِ يَقُولُ بِالظَّاهِرِ ، وَيَتَمَسَّكُ بِالْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي تُقَوِّي رَأْيَهُ . وَسَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ قُبَيْسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : لَمَّا ظَهَرَ مِنْ أَبِي عَلِيٍّ الْإِكْثَارُ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي الْقِرَاءَاتِ اتُّهِمَ ، فَسَارَ رَشَأُ بْنُ نَظِيفٍ وَابْنُ الْفُرَاتِ ، وَقَرَؤُوا بِبَغْدَادَ عَلَى الَّذِينَ رَوَى عَنْهُمُ الْأَهْوَازِيُّ ، وَجَاؤُوا ، فَمَضَى إِلَيْهِمْ أَبُو عَلِيٍّ ، وَسَأَلَهُمْ أَنْ يُرُوهُ الْإِجَازَاتِ ، فَأَخَذَهَا ، وَغَيَّرَ أَسْمَاءَ مَنْ سَمَّى لِيَسْتُرَ دَعْوَاهُ ، فَعَادَتْ عَلَيْهِ بَرَكَةُ الْقُرْآنِ فَلَمْ يَفْتَضِحْ ، وَعُوتِبَ رَجُلٌ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : أَقْرَأُ عَلَيْهِ لِلْعِلْمِ ، وَلَا أُصَدِّقُهُ فِي حَرْفٍ . قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْكَتَّانِيُّ : اجْتَمَعْتُ بِهِبَةِ اللَّهِ اللَّالَكَائِيِّ ، فَسَأَلَنِي : مَنْ بِدِمَشْقَ ؟ فَذَكَرْتُ مِنْهُمُ الْأَهْوَازِيَّ ، فَقَالَ : لَوْ سَلِمَ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي الْقِرَاءَاتِ .
ثُمَّ قَالَ الْكَتَّانِيُّ : وَكَانَ مُكْثِرًا مِنَ الْحَدِيثِ ، وَصَنَّفَ الْكَثِيرَ فِي الْقِرَاءَاتِ وَفِي أَسَانِيدِهَا ، لَهُ غَرَائِبُ يَذْكُرُ أَنَّهُ أَخَذَهَا رِوَايَةً وَتِلَاوَةً . وَمِمَّنْ وَهَّاهُ ابْنُ خَيْرُونَ . وَقَالَ الدَّانِيُّ : أَخَذَ الْقِرَاءَاتِ عَرْضًا وَسَمَاعًا مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شَنَبُودَ ، وَابْنِ مُجَاهِدٍ .
قَالَ : وَكَانَ وَاسِعَ الرِّوَايَةِ ، حَافِظًا ضَابِطًا ، أَقْرَأَ دَهْرًا بِدِمَشْقَ . قُلْتُ : فِي نَفْسِي أُمُورٌ مِنْ عُلُوِّهِ فِي الْقِرَاءَاتِ . وَقَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَقِيبَ حَدِيثٍ كَذِبٍ : الْأَهْوَازِيُّ مُتَّهَمٌ .
قُلْتُ : الْحَدِيثُ أَنْبَأَنِي بِهِ ابْنُ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ ابْنِ بَوْشٍ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنْ الْأَهْوَازِيِّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَطْرَابُلُسِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْقَاضِي ، عَنِ الْبَغَوِيِّ ، عَنْ هُدْبَةَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ عُدْسٍ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : رَأَيْتُ رَبِّي بِمِنًى عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ . وَقَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَبْيِينِ كَذِبِ الْمُفْتَرِي لَا يَسْتَبْعِدَنَّ جَاهِلٌ كَذِبَ الْأَهْوَازِيِّ فِيمَا أَوْرَدَهُ مِنْ تِلْكَ الْحِكَايَاتِ ، فَقَدْ كَانَ مِنْ أَكْذَبِ النَّاسِ فِيمَا يَدَّعِي مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي الْقِرَاءَاتِ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ الْمِلْحِيُّ : كُنْتُ عِنْدَ رَشَأِ بْنِ نَظِيفٍ فِي دَارِهِ عَلَى بَابِ الْجَامِعِ ، فَاطَّلَعَ مِنْهَا وَقَالَ : قَدْ عَبَرَ رَجُلٌ كَذَّابٌ .
فَاطَّلَعْتُ فَوَجَدْتُهُ الْأَهْوَازِيَّ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّمَرْقَنْدِيِّ : قَالَ لَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ : أَبُو عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيُّ كَذَّابٌ فِي الْقِرَاءَاتِ وَالْحَدِيثِ جَمِيعًا . قُلْتُ : يُرِيدُ تَرْكِيبَ الْإِسْنَادِ ، وَادِّعَاءَ اللِّقَاءِ ، أَمَّا وَضْعُ حُرُوفٍ أَوْ مُتُون فَحَاشَا وَكَلَّا ، مَا أُجَوِّزُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ بَحْرٌ فِي الْقِرَاءَاتِ ، تَلَقَّى الْمُقْرِئُونَ تَوَالِيفَهُ وَنَقْلَهُ لِلْفَنِّ بِالْقَبُولِ ، وَلَمْ يَنْتَقِدُوا عَلَيْهِ انْتِقَادَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، كَمَا أَحْسَنُوا الظَّنَّ بِالنِّقَاشِ وَبِالسَّامِرِيِّ وَطَائِفَةٍ رَاجُوا عَلَيْهِمْ .
تُوُفِّيَ أَبُو عَلِيٍّ - سَامَحَهُ اللَّهُ - فِي رَابِعِ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ .