الْمَاوَرْدِيُّ
الْمَاوَرْدِيُّ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ ، أَقَضَى الْقُضَاةِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ الْبَصْرِيُّ ، الْمَاوَرْدِيُّ ، الشَّافِعِيُّ ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ . حَدَّثَ عَنْ : الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَبَلِيِّ صَاحِبِ أَبِي خَلِيفَةَ الْجُمَحِيِّ . وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَدِيٍّ الْمِنْقَرِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مُعَلَّى ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ .
حَدَّثَ عَنْهُ : أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ ، وَوَثَّقَهُ ، وَقَالَ : مَاتَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَقَدْ بَلَغَ سِتًّا وَثَمَانِينَ سَنَةً ، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِبُلْدَانٍ شَتَّى ، ثُمَّ سَكَنَ بَغْدَادَ . قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الطَّبَقَاتِ وَمِنْهُمْ أَقَضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ ، تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الْقَاسِم الصَّيْمَرِيِّ بِالْبَصْرَةِ ، وَارْتَحَلَ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ ، وَدَرَسَ بِالْبَصْرَةِ وَبَغْدَادَ سِنِينَ ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي الْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ ، وَأُصُولِ الْفِقْهِ وَالْأَدَبِ ، وَكَانَ حَافِظًا لِلْمَذْهَبِ . مَاتَ بِبَغْدَادَ .
وَقَالَ الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ فِي وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ مَنْ طَالَعَ كِتَابَ الْحَاوِي لَهُ ، يَشْهَدُ لَهُ بِالتَّبَحُّرِ وَمَعْرِفَةِ الْمَذْهَبِ ، وَلِيَ قَضَاءَ بِلَادٍ كَثِيرَةٍ ، وَلَهُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ سَمَّاهُ : النُّكَتَ وَ أَدَبُ الدُّنْيَا وَالدِّينِ وَ الْأَحْكَامُ السُّلْطَانِيَّةِ وَ قَانُونُ الْوِزَارَةِ وَسِيَاسَةُ الْمُلْكِ وَ الْإِقْنَاعُ ، مُخْتَصَرٌ فِي الْمَذْهَبِ . وَقِيلَ : إِنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ شَيْئًا مِنْ تَصَانِيفِهِ فِي حَيَاتِهِ ، وَجَمَعَهَا فِي مَوْضِعٍ ، فَلَمَّا دَنَتْ وَفَاتُهُ ، قَالَ لِمَنْ يَثِقُ بِهِ : الْكُتُبُ الَّتِي فِي الْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ كُلُّهَا تَصْنِيفِي ، وَإِنَّمَا لَمْ أُظْهِرْهَا لِأَنِّي لَمْ أَجِدْ نِيَّةً خَالِصَةً ، فَإِذَا عَايَنْتُ الْمَوْتَ ، وَوَقَعْتُ فِي النَّزْعِ ، فَاجْعَلْ يَدَكَ فِي يَدِي ، فَإِنْ قَبَضْتُ عَلَيْهَا وَعَصَرْتُهَا ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنِّي شَيْءٌ مِنْهَا ، فَاعْمَدْ إِلَى الْكُتُبِ ، وَأَلْقِهَا فِي دِجْلَةَ وَإِنْ بَسَطْتُ يَدِيَ ، فَاعْلَمْ أَنَّهَا قُبِلَتْ . قَالَ الرَّجُلُ : فَلَمَّا احْتَضَرَ وَضَعْتُ يَدِيَ فِي يَدِهِ ، فَبَسَطَهَا ، فَأَظْهَرْتُ كُتُبَهُ .
قُلْتُ : آخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ أَبُو الْعِزِّ بْنُ كَادِشٍ . قَالَ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونَ : كَانَ رَجُلًا عَظِيمَ الْقَدْرِ ، مُتَقَدِّمًا عِنْدَ السُّلْطَانِ ، أَحَدَ الْأَئِمَّةِ ، لَهُ التَّصَانِيفُ الْحِسَانُ فِي كُلِّ فَنٍّ ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ فِي الْوَفَاةِ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا . وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ : هُوَ مُتَّهَمٌ بِالِاعْتِزَالِ وَكُنْتُ أَتَأَوَّلُ لَهُ ، وَأَعْتَذِرُ عَنْهُ ، حَتَّى وَجَدْتُهُ يَخْتَارُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ أَقْوَالَهُمْ ، قَالَ فِي تَفْسِيرِهِ : لَا يَشَاءُ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ .
وَقَالَ فِي : جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مَعْنَاهُ : حَكَمْنَا بِأَنَّهُمْ أَعْدَاءُ ، أَوْ تَرَكْنَاهُمْ عَلَى الْعَدَاوَةِ فَلَمْ نَمْنَعْهُمْ مِنْهَا . فَتَفْسِيرُهُ عَظِيمُ الضَّرَرِ ، وَكَانَ لَا يَتَظَاهَرُ بِالِانْتِسَابِ إِلَى الْمُعْتَزِلَةِ ، بَلْ يَتَكَتَّمُ ، وَلَكِنَّهُ لَا يُوَافِقُهُمْ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ ، وَيُوَافِقُهُمْ فِي الْقَدَرِ . قَالَ فِي قَوْلِهِ : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾أَيْ بِحُكْمٍ سَابِقٍ .
وَكَانَ لَا يَرَى صِحَّةَ الرِّوَايَةِ بِالْإِجَازَةِ . وَرَوَى خَطِيبُ الْمَوْصِلِ ، عَنِ ابْنِ بَدْرَانَ الْحُلْوَانِيِّ ، عَنِ الْمَاوَرْدِيِّ . وَفِيهَا مَاتَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرَيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَنِّيُّ وَالْمُحَدِّثُ عَلِيُّ بْنُ بَقَاءٍ الْوَرَّاقُ ، وَأَبُو الْقَاسِمِ عُمَرُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْخَفَّافُ وَرَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ عَلِيُّ بْنُ الْمُسْلِمَةِ الْوَزِيرُ ، وَأَبُو الْفَتْحِ مَنْصُورُ بْنُ الْحُسَيْنِ التَّانِيُّ .