حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
سير أعلام النبلاء

الْقَائِمُ

الْقَائِمُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ أَبُو جَعْفَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْقَادِرِ بِاللَّهِ أَحْمَدَ ابْنِ الْأَمِيرِ إِسْحَاقَ بْنِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُعْتَضِدِ الْعَبَّاسِيُّ الْبَغْدَادِيُّ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَة . وَأُمُّهُ أَرْمَنِيَّةٌ تُسَمَّى بَدْرَ الدُّجَى ، وَقِيلَ : قَطْرَ النَّدَى . وَقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ اسْتِطْرَادًا بَعْدَ الْعِشْرِينَ وَالثَلَاثِمِائَة ، وَأَنَّهُ كَانَ جَمِيلًا وَسِيمًا أَبْيَضَ بِحُمْرَةٍ ، ذَا دِينٍ وَخَيْرٍ وَبِرٍّ وَعِلْمٍ وَعَدْلٍ ، بُويِعَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ، وَأَنَّهُ نُكِبَ سَنَةَ خَمْسِينَ فِي كَائِنَةِ الْبَسَاسِيرِيِّ ، فَفَرَّ إِلَى الْبَرِّيَّةِ فِي ذِمَامِ أَمِيرٍ لِلْعَرَبِ ، ثُمَّ عَادَ إِلَى خِلَافَتِهِ بَعْدَ عَامٍ بِهِمَّةِ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَكَ ، وَأُزِيلَتْ خُطْبَةُ خَلِيفَةِ مِصْرَ الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ مِنَ الْعِرَاقِ ، وَقُتِلَ الْبَسَاسِيرِيُّ .

وَلَمَّا أَنْ فَرَّ الْقَائِمُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ ، رَفَعَ قِصَّةً إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ مُسْتَعْدِيًا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ ، وَنَفَذَ بِهَا إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ ، فَنَفَعَتْ ، وَأَخَذَ اللَّهُ بِيَدِهِ ، وَرَدَّهُ إِلَى مَقَرِّ عِزِّهِ . فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ قُهِرَ وَبُغِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِاللَّهِ - تَعَالَى - وَإِنْ صَبَرَ وَغَفَرَ ، فَإِنَّ فِي اللَّهِ كِفَايَةً وَوِقَايَةً . وَكَانَ أَبْيَضَ وَسِيمًا ، عَالِمًا مَهِيبًا ، فِيهِ دِينٌ وَعَدْلٌ .

ظَهَرَ عَلَيْهِ مَاشِرًا فَافْتَصَدَ وَنَامَ ، فَانْفَجَرَ فِصَادُهُ ، وَخَرَجَ دَمٌ كَثِيرٌ ، وَضَعُفَ ، وَخَارَتْ قِوَاهُ . وَكَانَ ذَا حَظٍّ مِنْ تَعَبُّدٍ وَصِيَامٍ وَتَهَجُّدٍ ، لَمَّا أَنْ أُعِيدَ إِلَى خِلَافَتِهِ قِيلَ : إِنَّهُ لَمْ يَسْتَرِدَّ شَيْئًا مِمَّا نُهِبَ مِنْ قَصْرِهِ ، وَلَا عَاقَبَ مَنْ أَذَاهُ ، وَاحْتَسَبَ وَصَبَرَ . وَكَانَ تَارِكًا لِلْمَلَاهِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً .

وَغَسَّلَهُ شَيْخُ الْحَنَابِلَةِ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ أَبِي مُوسَى الْهَاشِمِيُّ . وَعَاشَ سِتًّا وَسَبْعِينَ سَنَةً ، وَبُويِعَ بَعْدَهُ ابْنُ ابْنِهِ الْمُقْتَدِي بِاللَّهِ . وَوَزَرَ لِلْقَائِمِ أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ ، وَأَبُو الْفَتْحِ بْنُ دَارَسْتَ وَأَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْمَسْلَمَةِ وَأَبُو نَصْرِ بْنُ جَهِيرٍ .

وَكَانَ مُلْكُ بَنِي بُوَيْهٍ فِي خِلَافَتِهِ ضَعِيفًا ، بِحَيْثُ إِنَّ جَلَالَ الدَّوْلَةِ بَاعَ مِنْ ثِيَابِهِ الْمَلْبُوسَةِ بِبَغْدَادَ ، وَقَلَّ مَا بِيَدِهِ ، وَخَلَتْ دَارُهُ مِنْ حَاجِبٍ وَفِرَاشٍ ، وَقُطِعَتِ النَّوْبَةُ عَلَى بَابِهِ لِذَهَابِ الطَّبَّالِينَ ، وَثَارَ عَلَيْهِ جُنْدُهُ ، ثُمَّ كَاشَرُوا لَهُ رَحْمَةً ، ثُمَّ جَرَتْ فِتْنَةُ الْبَسَاسِيرِيِّ ، ثُمَّ بَدَتِ الدَّوْلَةُ السَّلْجُوقِيَّةُ ، وَأَوَّلُ مَا مَلَكُوا خُرَاسَانُ ، ثُمَّ الْجَبَلُ ، وَعَسَفُوا وَنَهَبُوا وَقَتَلُوا ، وَفَعَلُوا الْقَبَائِحَ - وَهُمْ تُرْكُمَانٌ . وَمَاتَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ سَنَةَ 435 وَلَهُ نَيِّفٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً ، وَكَانَ عَلَى ذُنُوبِهِ يُعْتَقَدُ فِي الصُّلَحَاءِ ، وَخَلَّفَ أَوْلَادًا . وَدَخَلَ أَبُو كَالَيْجَارَ بَغْدَادَ ، وَتَعَاظَمَ ، وَلَمْ يَرْضَ إِلَّا بِضَرْبِ الطَّبْلِ لَهُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، وَكَانَ جَدُّهُمْ عَضُدُ الدَّوْلَةِ - مَعَ عُلُوِّ شَأْنِهِ - لَمْ تُضْرَبْ لَهُ إِلَّا ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ .

وَمَاتَ أَبُو كَالَيْجَارَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ ، فَوَلِيَ الْمُلْكَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ أَبُو نَصْرِ بْنُ السُّلْطَانِ أَبِي كَالَيْجَارَ بْنِ سُلْطَانِ الدَّوْلَةِ بْنِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ . وَفِيهَا غَزَا يَنَالُ السَّلْجُوقِيُّ أَخُو طُغْرُلْبَكَ بِجُيُوشِهِ ، وَوَغَلَ فِي بِلَادِ الرُّومِ ، وَغَنِمَ مَا لَا يُعَبَّرُ عَنْهُ ، وَكَانَتْ غَزْوَةً مَشْهُودَةً وَفَتْحًا مُبِينًا . فَهَذَا هُوَ أَوَّلُ اسْتِيلَاءِ آلِ سَلْجُوقَ مُلُوكِ الرُّومِ عَلَى الرُّومِ ، وَفِي هَذَا الْحِينِ خَطَبَ مُتَوَلِّي الْقَيْرَوَانِ الْمُعِزُّ بْنُ بَادِيسَ لِلْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ ، وَقَطَعَ خُطْبَةَ الْعُبَيْدِيَّةِ ، فَبَعَثُوا مَنْ حَارَبَهُ ، فَتَمَّتْ فُصُولٌ طَوِيلَةٌ .

وَفِي سَنَةِ 441 عُمِلَتْ بِبَغْدَادَ مَأَتِمُ عَاشُورَاءَ ، فَجَرَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ تَفُوتُ الْوَصْفَ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ ، وَنُدِبَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ النَّسَوِيِّ لِشَحْنَكِيَّةِ بَغْدَادَ ، فَثَارَتِ الْعَامَّةُ كُلُّهُمْ ، وَاصْطَلَحَ السُّنَّةُ وَالشِّيعَةُ ، وَتَوَادُّوا وَصَاحُوا : مَتَى وَلِيَ ابْنُ النَّسَوِيِّ أَحْرَقْنَا الْأَسْوَاقَ ، وَنَزَحْنَا . وَتَرَحَّمَ أَهْلُ الْكَرْخِ عَلَى الصَّحَابَةِ ، وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يُعْهَدْ . وَكَانَ الرَّخَاءُ بِبَغْدَادَ بِحَيْثُ إِنَّهُ أُبِيعَ الْكُرُّ بِسَبْعَةِ دَنَانِيرَ .

وَمَاتَ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ مُعْتَمِدُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْمَنِيعِ . ثُمَّ بَعْدَ سَنَةٍ فَسَدَ مَا بَيْنَ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ ، وَعَمِلَتِ الشِّيعَةُ سُورًا عَلَى الْكَرْخِ ، وَكَتَبُوا عَلَيْهِ بِالذَّهَبِ : مُحَمَّدٌ وَعَلِيٌّ خَيْرُ الْبَشَرِ ، فَمَنْ أَبَى فَقَدْ كَفَرَ . ثُمَّ وَقَعَ الْقِتَالُ وَالنَّهْبُ ، وَقَوِيَتِ السُّنَّةُ ، وَفَعَلُوا الْعَظَائِمَ ، وَنُبِشَتْ قُبُورٌ ، وَأُحْرِقَتْ عِظَامُ الْعَوْنِيِّ وَالنَّاشِيِّ وَالْجُذُوعِيِّ ، وَقُتِلَ مُدَرِّسُ الْحَنَفِيَّةِ السَّرَخْسِيُّ ، وَعَجَزَتِ الدَّوْلَةُ عَنْهُمْ .

وَأَخَذَ طُغْرُلْبَكُ أَصْبَهَانَ ، وَجَعَلَهَا دَارَ مُلْكِهِ . وَاقْتَتَلَ الْمَغَارِبَةُ وَجَيْشُ مِصْرَ ، فَقُتِلَ مِنَ الْمَغَارِبَةِ ثَلَاثُونَ أَلْفًا . وَفِي سَنَةِ 444 هَاجَتِ السُّنَّةُ عَلَى أَهْلِ الْكَرْخِ ، وَأَحْرَقُوا ، وَقَتَلُوا ، وَهَلَكَ يَوْمَئِذٍ فِي الزَّحْمَةِ نَيِّفٌ وَأَرْبَعُونَ نَفْسًا ، أَكْثَرُهُمْ نِسَاءُ نَظَّارَةَ ، وَجَرَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ بَيْنَ جَيْشِ خُرَاسَانَ وَبَيْنَ الْغُزِّ عَلَى الْمُلْكِ ، وَحَاصَرَ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ وَالْبَسَاسِيرِيُّ الْبَصْرَةَ ، وَأَخَذَهَا مِنْ وَلَدِ أَبِي كَالَيْجَارَ ، ثُمَّ اسْتَوْلَى عَسْكَرُ الْمَلِكِ الرَّحِيمِ عَلَى شِيرَازَ بَعْدَ حِصَارٍ طَوِيلٍ ، وَقَحْطٍ وَبَلَاءٍ ، حَتَّى قِيلَ : لَمْ يَبْقَ فِيهَا إِلَّا نَحْوُ أَلْفِ نَفْسٍ ، وَدَوْرُ سُورِهَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ ذِرَاعٍ ، وَلَهَا أَحَدَ عَشَرَ بَابًا .

وَفِي سَنَةِ 447 قَبَضَ طُغْرُلْبَكُ عَلَى الْمَلِكِ الرَّحِيمِ ، وَانْقَضَتْ أَيَّامُ بَنِي بُوَيْهٍ ، وَكَانَ فِيهَا دُخُولُ طُغْرُلْبَكَ بَغْدَادَ ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا بَيْنَ يَدَيْهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فِيلًا ، مُظْهِرًا أَنَّهُ يَحُجُّ ، وَيَغْزُو الشَّامَ وَمِصْرَ ، وَيُزِيلُ الدَّوْلَةَ الْعُبَيْدِيَّةَ . وَمَاتَ ذَخِيرَةُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ الْخَلِيفَةِ وَلِيُّ عَهْدِ أَبِيهِ ، وَخَلَّفَ وَلَدًا طِفْلًا وَهُوَ الْمُقْتَدِي ، وَعَاثَتْ جُيُوشُ طُغْرُلْبَكَ بِالْقُرَى ، بِحَيْثُ لَأُبِيعَ الثَّوْرُ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ ، وَالْحِمَارُ بِدِرْهَمَيْنِ . وَوَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بِبَغْدَادَ بَيْنَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ .

وَتَزَوَّجَ الْخَلِيفَةُ بِبِنْتِ طُغْرُلْبَكَ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ . وَفِي سَنَةِ ثَمَانٍ مَبْدَأُ فِتْنَةِ الْبَسَاسِيرِيِّ ، وَخَطَبَ بِالْكُوفَةِ وَوَاسِطَ وَبَعْضِ الْقُرَى لِلْمُسْتَنْصِرِ الْعُبَيْدِيِّ وَكَانَ الْقَحْطُ عَظِيمًا بِمِصْرَ وَبِالْأَنْدَلُسِ ، وَمَا عُهِدَ قَحْطٌ وَلَا وَبَاءٌ مِثْلُهُ بِقُرْطُبَةَ ، حَتَّى بَقِيَتِ الْمَسَاجِدُ مُغْلَقَةً بِلَا مُصَلٍّ ، وَسُمِّيَ عَامَ الْجُوعِ الْكَبِيرِ . وَفِي سَنَةِ تِسْعٍ أَخَذَ طُغْرُلْبَكُ الْمَوْصِلَ ، وَسَلَّمَهَا إِلَى أَخِيهِ يَنَالَ ، وَكَتَبَ فِي أَلْقَابِهِ : مَلِكُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ .

وَفِيهَا كَانَ الْجُوعُ الْمُفْرِطُ بِبَغْدَادَ وَالْفَنَاءُ ، وَكَذَلِكَ بِبُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ حَتَّى يُقَالَ : هَلَكَ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ أَلْفُ أَلْفٍ وَسِتُّمِائَةِ أَلْفٍ . وَفِي سَنَةِ خَمْسِينَ أَخَذَ الْبَسَاسِيرِيُّ بَغْدَادَ كَمَا قَدَّمْنَا ، وَخَطَبَ لِصَاحِبِ مِصْرَ ، فَأَقْبَلَ فِي أَرْبَعِمِائَةِ فَارِسٍ فِي وَهَنٍ وَضَعْفٍ وَمَعَهُ قُرَيْشٌ أَمِيرُ الْعَرَبِ فِي مِائَتَيْ فَارِسٍ بَعْدَ أَنْ حَاصَرَا الْمَوْصِلَ ، وَأَخَذَاهَا ، وَهَدَمَا قَلْعَتَهَا . وَاشْتَغَلَ طُغْرُلْبَكُ بِحَرْبِ أَخِيهِ ، فَمَالَتِ الْعَامَّةُ إِلَى الْبَسَاسِيرِيِّ لِمَا فَعَلَتْ بِهِمُ الْغَزُّ ، وَفَرِحَتْ بِهِ الرَّافِضَةُ ، فَحَضَرَ الْهَمَذَانِيُّ عِنْدَ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ الْوَزِيرِ ، وَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْحَرْبِ ، وَضَمِنَ لَهُ قَتْلَ الْبَسَاسِيرِيِّ ، فَأَذِنَ لَهُ .

وَكَانَ رَأْيُ عَمِيدِ الْعِرَاقِ الْمُطَاوَلَةَ رَجَاءَ نَجْدَةِ طُغْرُلْبَكَ ، فَبَرَزَ الْهَمَذَانِيُّ بِالْهَاشِمِيِّينَ وَالْخَدَمِ وَالْعَوَامِّ إِلَى الْحَلْبَةِ ، فَتَقَهْقَرَ الْبَسَاسِيرِيُّ ، وَاسْتَجَرَّهُمْ ، ثُمَّ كَرَّ عَلَيْهِمْ ، فَهَرَبُوا ، وَقُتِلَ عِدَّةٌ ، وَنُهِبَ بَابُ الْأَزَجِ ، وَأَغْلَقَ الْوَزِيرُ عَلَيْهِمْ ، وَلَطَمَ الْعَمِيدَ كَيْفَ اسْتَبَدَّ الْوَزِيرُ بِالْأَمْرِ وَلَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِالْحَرْبِ ؟ فَطَلَبَ الْخَلِيفَةُ الْعَمِيدَ ، وَأَمَرَهُ بِالْقِتَالِ عَلَى سُورِ الْحَرِيمِ ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلَّا الصَّرِيخُ وَنَهْبُ الْحَرِيمِ ، وَدَخَلُوا مِنْ بَابِ النُّوبى ، فَرَكِبَ الْخَلِيفَةُ وَعَلَى كَتِفِهِ الْبُرْدَةُ ، وَبِيَدِهِ السَّيْفُ ، وَحَوْلَهُ عَدَدٌ ، فَرَجَعَ نَحْوَ الْعَمِيدِ ، فَوَجَدَهُ قَدِ اسْتَأْمَنَ إِلَى قُرَيْشٍ ، فَصَعِدَ الْمَنْظَرَةَ ، فَصَاحَ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ بِقُرَيْشٍ : يَا عَلَمَ الدِّينِ ، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَسْتَدْنِيكَ . فَدَنَا ، فَقَالَ : قَدْ أَنَالَكَ اللَّهُ رُتْبَةً لَمْ يَنَلْهَا أَحَدٌ ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَسْتَذِمُّ مِنْكَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَصْحَابِهِ بِذِمَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَذِمَامِ الْعَرَبِ . قَالَ : نَعَمْ .

وَخَلَعَ قَلَنْسُوَتَهُ ، فَأَعْطَاهَا الْخَلِيفَةَ ، وَأَعْطَى الْوَزِيرَ مِخْصَرَتَهُ ، فَنَزَلَا إِلَيْهِ ، وَذَهَبَا مَعَهُ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْبَسَاسِيرِيُّ : أَتُخَالِفُ مَا تَقَرَّرَ بَيْنَنَا ؟ قَالَ : لَا . ثُمَّ اتَّفَقَا عَلَى تَسْلِيمِ الْوَزِيرِ ، فَلَمَّا أَتَاهُ ; قَالَ : مَرْحَبًا بِمُهْلِكِ الدُّوَلِ . قَالَ : الْعَفْوُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ .

قَالَ : أَنْتَ قَدَرْتَ فَمَا عَفَوْتَ ، وَرَكِبْتَ الْقَبِيحَ مَعَ أَطْفَالِي ، فَكَيْفَ أَعْفُو وَأَنَا رَبُّ سَيْفٍ ؟ ! وَحَمَلَ قُرَيْشٌ الْخَلِيفَةَ إِلَى مُخَيَّمِهِ ، وَسَلَّمَ زَوْجَتَهُ إِلَى ابْنِ جَرْدَةَ ، وَنُهِبَتْ دُورُ الْخِلَافَةِ ، فَسَلَّمَ قُرَيْشٌ الْخَلِيفَةَ إِلَى ابْنِ عَمِّهِ مُهَارِشِ بْنِ مُجَلٍّ ، فَسَارَ بِهِ فِي هَوْدَجٍ إِلَى الْحَدِيثَةِ ، وَسَارَ حَاشِيَةُ الْخَلِيفَةِ عَلَى حَمِيَّةٍ إِلَى طُغْرُلْبَكَ ، وَشَكَى الْخَلِيفَةُ الْبَرْدَ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُتَوَلِّي الْأنْبَارِ جُبَّةً وَلِحَافًا . وَلَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ لَطَفَ بِالْقَائِمِ لِدِينِهِ . حَكَى الْمُحَدِّثُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : سَمِعْتُ الْأُسْتَاذَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : دَخَلْتُ إِلَى الْخِزَانَةِ ، فَأَعْطَوْنِي عِدَّةَ قِصَصٍ ، حَتَّى امْتَلَأَ كُمِّي ، فَقُلْتُ : لَوْ كَانَ الْخَلِيفَةُ أَخِي لَضَجِرَ مِنِّي ، وَأَلْقَيْتُهَا فِي الْبِرْكَةِ .

وَكَانَ الْقَائِمُ يَنْظُرُ ، وَلَمْ أَدْرِ . قَالَ : فَأَمَرَ بِأَخْذِ الرِّقَاعِ ، فَنُشِرَتْ فِي الشَّمْسِ ، ثُمَّ وَقَّعَ عَلَى الْجَمِيعِ ، وَقَالَ : يَا عَامِّيُّ ! لِمَ فَعَلْتَ هَذَا ؟ قَالَ : فَاعْتَذَرْتُ ، فَقَالَ : مَا أَطْلَقْنَا شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِنَا بَلْ نَحْنُ خُزَّانُهُمْ . نَعَمْ ، وَأَحْسَنَ الْبَسَاسِيرِيُّ السِّيرَةَ ، وَوَصَلَ الْفُقَهَاءَ ، وَلَمْ يَتَعَصَّبْ لِلشِّيعَةِ ، وَرَتَّبَ لِأُمِّ الْخَلِيفَةِ رَاتِبًا .

ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ أَخْرَجَ الْوَزِيرَ مُقَيَّدًا عَلَيْهِ طُرْطُورٌ ، وَفِي رَقَبَتِهِ قِلَادَةُ جُلُودٍ وَهُوَ يَقْرَأُ : قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ فَبَصَقَ فِي وَجْهِهِ أَهْلُ الرَّفْضِ - فَالْأَمْرُ لِلَّهِ - ثُمَّ صُلِبَ ، وَجُعِلَ فِي فَكَّيْهِ كَلُّوبَانِ ، فَمَاتَ لِيَوْمِهِ وَقَتَلُوا الْعَمِيدَ أَيْضًا ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى رِبَاطَ شَيْخِ الشُّيُوخِ ثُمَّ سَارَ الْبَسَاسِيرِيُّ ، فَحَكَمَ عَلَى الْبَصْرَةِ وَوَاسِطَ ، وَخَطَبَ بِهَا لِلْمُسْتَنْصِرِ ، وَلَكِنْ قَطَعَ الْمُسْتَنْصِرُ مُكَاتَبَتَهُ ، خَوَّفَهُ وَزِيرُهُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ أَخِي الْوَزِيرِ الْمَغْرِبِيِّ ، وَكَانَ قَدْ هَرَبَ مِنَ الْبَسَاسِيرِيِّ ، فَذَمَّ أَفْعَالَهُ ، وَخَوَّفَ مِنْ عَوَاقِبِهِ . وَبِكُلِّ حَالٍ فَنَالَهُ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ نَحْوُ أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ . وَفِي سَنَةِ 454 زَوَّجَ الْقَائِمُ بِنْتَهُ طُغْرُلْبَكَ بَعْدَ اسْتِعْفَاءٍ وَكُرْهٍ ، وَغَرِقَتْ بَغْدَادُ ; وَبَلَغَ الْمَاءُ أَحَدًا وَعِشْرِينَ ذِرَاعًا .

وَفِي سَنَةِ 456 قَبَضَ السُّلْطَانُ أَلْبُ أَرْسَلَانَ عَلَى وَزِيرِهِ عَمِيدِ الْمُلْكِ الْكُنْدُرِيِّ وَاسْتَوْزَرَ نِظَامَ الْمُلْكِ وَكَانَ الْمَصَافُّ بِالرَّيِّ بَيْنَ أَلْبِ أَرْسَلَانَ وَقَرَابَتِهِ قُتُلْمِشَ فَقُتِلَ قُتُلْمِشُ ، وَنَدِمَ السُّلْطَانُ ، وَعَمِلَ عَزَاءَهُ ، ثُمَّ سَارَ يَغْزُو الرُّومَ . وَأُنْشِئَتْ مَدِينَةُ بِجَايَةَ ، بَنَاهَا النَّاصِرُ بْنُ عَلْنَاسَ وَكَانَتْ مَرْعًى لِلدَّوَابِّ . وَفِي سَنَةِ ثَمَانٍ أُنْشِئَتْ نِظَامِيَّةُ بَغْدَادَ ، وَسَلْطَنَ أَلْبُ أَرْسَلَانَ ابْنَهُ مَلِكْشَاهْ وَجَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ ، وَسَارَ إِلَيْهِ مُسْلِمُ بْنُ قُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ فَأَقْطَعُهُ هِيتَ وَحَرْبًا وَبَنَوْا عَلَى قَبْرِ أَبِي حَنِيفَةَ قُبَّةً عَظِيمَةً .

وَفِي سَنَةِ 461 احْتَرَقَ جَامِعُ دِمَشْقَ كُلُّهُ وَدَارُ السَّلْطَنَةِ الَّتِي بِالْخَضْرَاءِ ، وَذَهَبَتْ مَحَاسِنُ الْجَامِعِ وَزَخْرَفَتُهُ الَّتِي تُضْرَبُ بِهَا الْأَمْثَالُ ، مِنْ حَرْبٍ وَقَعَ بَيْنَ جَيْشِ مِصْرَ وَجَيْشِ الْعِرَاقِ . وَفِي سَنَةِ 62 أَقْبَلَ طَاغِيَةُ الرُّومِ فِي جَيْشٍ لَجِبٍ ، حَتَّى أَنَاخَ بِمَنْبَجَ ، فَاسْتَبَاحَهَا ، وَأَسْرَعَ الْكَرَّةَ لِلْغَلَاءِ ، أُبِيعَ فِي عَسْكَرِهِ رِطْلُ الْخُبْزِ بِدِينَارٍ ، وَكَانَ بِمِصْرَ الْغَلَاءُ الْمُفْرِطُ وَهِيَ النَّوْبَةُ الَّتِي قَالَ فِيهَا صَاحِبُ الْمِرْآةِ : فَخَرَجَتِ امْرَأَةٌ بِالْقَاهِرَةِ بِيَدِهَا مُدُّ جَوْهَرٍ فَقَالَتْ : مَنْ يَأْخُذُهُ بِمُدِّ قَمْحٍ ؟ فَمَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا أَحَدٌ ، فَرَمَتْهُ ، وَقَالَتْ : مَا نَفَعَنِي وَقْتَ الْحَاجَةِ ، فَلَا أُرِيدُهُ . فَمَا كَانَ لَهُ مَنْ يَأْخُذُهُ ، وَكَادَ الْخَرَابُ أَنْ يَشْمَلَ الْإِقْلِيمَ ، حَتَّى بِيعَ كَلْبٌ بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ وَالْهِرُّ بِثَلَاثَةٍ ، وَبَلَغَ ثَمَنُ الْإِرْدَبِّ مِائَةَ دِينَارٍ ، وَأَكَلَ النَّاسُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا ، وَتَشَتَّتَ أَهْلُ مِصْرَ فِي الْبِلَادِ .

وَفِي سَنَةِ 63 كَانَتِ الْمَلْحَمَةُ الْعُظْمَى بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالنَّصَارَى . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : خَرَجَ أَرْمَانُوسُ فِي مِائَتَيْ أَلْفٍ ، وَقَصَدَ الْإِسْلَامَ ، وَوَصَلَ إِلَى بِلَادِ خِلَاطَ . وَكَانَ السُّلْطَانُ أَلْبُ أَرْسَلَانَ بِخُوَيَّ فَبَلَغَهُ كَثْرَةُ الْعَدُوِّ ، وَهُوَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ ، فَقَالَ : أَنَا أَلْتَقِيهِمْ ، فَإِنْ سَلِمْتُ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ ، وَإِنْ قُتِلْتُ فَمَلِكْشَاهْ وَلِيُّ عَهْدِي .

فَوَقَعَتْ طَلَائِعُهُ عَلَى طَلَائِعِهِمْ ، فَانْكَسَرَ الْعَدُوُّ ، وَأُسِرَ مُقَدِّمُهُمْ ، فَلَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ ; بَعَثَ السُّلْطَانُ يَطْلُبُ الْهُدْنَةَ ، فَقَالَ أَرْمَانُوسُ : لَا هُدْنَةَ إِلَّا بِبَذْلِ الرَّيِّ . فَانْزَعَجَ السُّلْطَانُ ، فَقَالَ لَهُ إِمَامُهُ أَبُو نَصْرٍ : إِنَّكَ تُقَاتِلُ عَنْ دِينٍ وَعَدَ اللَّهُ بِنَصْرِهِ وَإِظْهَارِهِ عَلَى الْأَدْيَانِ ، فَأَرْجُو أَنَّ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ كَتَبَ بِاسْمِكَ هَذَا الْفَتْحَ ، وَالْقَهُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالسَّاعَةَ يَكُونُ الْخُطَبَاءُ عَلَى الْمَنَابِرِ يَدْعُونَ لِلْمُجَاهِدِينَ ، فَصَلَّى بِهِ ، وَبَكَى السُّلْطَانُ ، وَبَكَى النَّاسُ ، وَدَعَا ، وَأَمَّنُوا ، وَقَالَ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ فَلْيَنْصَرِفْ ، فَمَا ثَمَّ سُلْطَانٌ يَأْمُرُ وَلَا يَنْهَى ، وَرَمَى الْقَوْسَ ، وَسَلَّ السَّيْفَ ، وَعَقَدَ بِيَدِهِ ذَنَبَ فَرَسِهِ ، وَفَعَلَ الْجُنْدُ كَذَلِكَ ، وَلَبِسَ الْبَيَاضَ ، وَتَحَنَّطَ ، وَقَالَ : إِنْ قُتِلْتُ فَهَذَا كَفَنِي . ثُمَّ حَمَلَ ، فَلَمَّا لَاطَخَ الْعَدُوَّ ، تَرَجَّلَ ، وَعَفَّرَ وَجْهَهُ بِالتُّرَابِ ، وَأَكْثَرَ التَّضَرُّعَ ، ثُمَّ رَكِبَ ، وَحَصَلَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْوَسَطِ ، فَقَتَلُوا فِي الرُّومِ كَيْفَ شَاؤُوا ، وَنَزَلَ النَّصْرُ ، وَتَطَايَرَتِ الرُّؤُوسُ ، وَأُسِرَ مَلِكُ الرُّومِ ، وَأُحْضِرَ بَيْنَ يَدَيِ السُّلْطَانِ ، فَضَرَبَهُ بِالْمِقْرَعَةِ ، وَقَالَ : أَلَمْ أَسْأَلْكَ الْهُدْنَةَ ؟ قَالَ : لَا تُوَبِّخْ ، وَافْعَلْ مَا تُرِيدُ .

قَالَ : مَا كُنْتَ تَفْعَلُ لَوْ أَسَرْتَنِي ؟ قَالَ : أَفْعَلُ الْقَبِيحَ . قَالَ : فَمَا تَظُنُّ بِي ؟ قَالَ : تَقْتُلُنِي أَوْ تُشَهِّرُنِي فِي بِلَادِكَ ، وَالثَّالِثَةُ بَعِيدَةٌ ، أَنْ تَعْفُوَ ، وَتَأْخُذَ الْأَمْوَالَ . قَالَ : مَا عَزَمْتُ عَلَى غَيْرِهَا ، فَفَكَّ نَفْسَهُ بِأَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ وَخَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَبِكُلِّ أَسِيرٍ فِي مَمْلَكَتِهِ ، فَنَزَّلَهُ فِي خَيْمَةٍ ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ ، وَبَعَثَ لَهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ يَتَجَهَّزُ بِهَا ، وَأَطْلَقَ لَهُ عِدَّةَ بَطَارِقَةٍ ، وَهَادَنَهُ خَمْسِينَ سَنَةً وَشَيَّعَهُ ، وَأَمَّا جَيْشُهُ ، فَمَلَّكُوا مِيخَائِيلَ .

وَمَضَى أَرْمَانُوسُ ، فَبَلَغَهُ ذَهَابُ مُلْكِهِ ، فَتَرَهَّبَ ، وَلَبِسَ الصُّوفَ ، وَجَمَعَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ الذَّهَبِ ، فَكَانَ نَحْوَ ثَلَاثِمِائَة أَلْفِ دِينَارٍ ، فَبَعَثَهَا ، وَاعْتَذَرَ . وَفِيهَا تَمَلَّكَ الشَّامَ أَتْسِزُ الْخُوَارَزْمِيُّ وَبَدَّعَ وَأَفْسَدَ ، وَعَثَّرَ الرَّعِيَّةَ . وَفِي سَنَةِ 65 قُتِلَ السُّلْطَانُ أَلْبُ أَرْسَلَانَ .

وَفِيهَا اخْتَلَفَ جَيْشُ مِصْرَ ، وَتَحَارَبُوا مَرَّاتٍ ، وَقَوِيَتِ الْأَتْرَاكُ ، وَقُتِلَ خَلْقٌ مِنْ عَرَبِ مِصْرَ ، وَاضْمَحَلَّ دَسْتُ الْمُسْتَنْصِرِ ، وَذَاقَ ذُلًّا وَحَاجَةً ، وَبَالَغَ فِي إِهَانَتِهِ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ الْحَمْدَانِيُّ ، وَعَظُمَ ، وَجَرَتْ أُمُورٌ مُزْعِجَةٌ . وَفِي سَنَةِ 66 غَرِقَتْ بَغْدَادُ ، وَأُقِيمَتِ الْجُمُعَةُ فِي السُّفُنِ مَرَّتَيْنِ ، وَهَلَكَ خَلْقٌ لَا يُحْصَوْنَ حَتَّى لَقِيلَ : إِنَّ الْمَاءَ بَلَغَ ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا . حَتَّى لَقَالَ سِبْطُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ : وَانْهَدَمَتْ مِائَةُ أَلْفِ دَارٍ ، وَبَقِيَتْ بَغْدَادُ مَلَقَةً وَاحِدَةً .

وَفِي سَنَةِ 67 بَعَثَ الْمُسْتَنْصِرُ إِلَى سَاحِلِ الشَّامِ إِلَى بَدْرٍ الْجَمَالِيِّ لِيُغِيثَهُ ، فَسَارَ مِنْ عَكَّا فِي الْبَحْرِ زَمَنَ الشِّتَاءِ ، وَخَاطَرَ ، وَهَجَمَ مِصْرَ بَغْتَةً ، وَسَمَّاهُ الْمُسْتَنْصِرُ أَمِيرَ الْجُيُوشِ ، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلِ ، بَعَثَ إِلَى كُلِّ أَمِيرٍ مِنْ أَعْيَانِ الْأُمَرَاءِ طَائِفَةً أَتَوْهُ بِرَأْسِهِ ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ إِلَى قَصْرِ الْمُسْتَنْصِرِ ، وَأَضَاءَتْ حَالُهُ ، وَسَارَ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ، فَحَاصَرَهَا مُدَّةً ، وَأَخَذَهَا ، وَقَتَلَ طَائِفَةً اسْتَوْلَوْا ، وَسَارَ إِلَى دِمْيَاطَ ، فَفَعَلَ كَذَلِكَ ، وَسَارَ إِلَى الصَّعِيدِ ، فَقَتَلَ بِهِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ، وَنَهَبَ وَبَدَّعَ ، فَتَجَمَّعُوا لَهُ بِالصَّعِيدِ فِي سِتِّينَ أَلْفًا مِنْ بَيْنِ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ ، فَبَيَّتَهُمْ لَيْلًا ، فَهَزَمَهُمْ ، وَقُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ ، وَغَرِقَ مِثْلُهُمْ ، وَغُنِمَتْ أَمْوَالُهُمْ . ثُمَّ الْتَقَوْا ثَانِيَةً ، وَنُصِرَ عَلَيْهِمْ ، وَوَقَعَ بِبَغْدَادَ حَرِيقٌ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ ، وَذَهَبَ الْأَمْوَالُ . وَمَاتَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَبَايَعُوا حَفِيدَهُ ، فَنَذْكُرُهُ اسْتِطْرَادًا :

موقع حَـدِيث