حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
سير أعلام النبلاء

ابْنُ تُومَرْتَ

ابْنُ تُومَرْتَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ، الْفَقِيهُ الْأُصُولِيُّ الزَّاهِدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ تُومَرْتَ الْبَرْبَرِيُّ الْمَصْمُودِيُّ الْهَرْغِيُّ ، الْخَارِجُ بِالْمَغْرِبِ ، الْمُدَّعِي أَنَّهُ عَلَوِيٌّ حَسَنِيٌّ ، وَأَنَّهُ الْإِمَامُ الْمَعْصُومُ الْمَهْدِيُّ ، وَأَنَّهُ مُحَمَّدُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُودِ بْنِ خَالِدِ بْنِ تَمَّامِ بْنِ عَدْنَانَ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ جَابِرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ رَبَاحِ بْنِ يَسَارِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ . رَحَلَ مِنَ السُّوسِ الْأَقْصَى شَابًّا إِلَى الْمَشْرِقِ ، فَحَجَّ وَتَفَقَّهَ ، وَحَصَّلَ أَطْرَافًا مِنَ الْعِلْمِ ، وَكَانَ أَمَّارًا بِالْمَعْرُوفِ ، نَهَّاءً عَنِ الْمُنْكَرِ ، قَوِيَّ النَّفْسِ ، زَعِرًا شُجَاعًا ، مَهِيبًا قَوَّالًا بِالْحَقِّ ، عَمَّالًا عَلَى الْمُلْكِ ، غَاوِيًا فِي الرِّيَاسَةِ وَالظُّهُورِ ، ذَا هَيْبَةٍ وَوَقَارٍ ، وَجَلَالَةٍ وَمُعَامَلَةٍ وَتَأْلُّهٍ ، انْتَفَعَ بِهِ خَلْقٌ ، وَاهْتَدَوْا فِي الْجُمْلَةِ ، وَمَلَكُوا الْمَدَائِنَ ، وَقَهَرُوا الْمُلُوكَ . أَخَذَ عَنْ إِلِكْيَا الْهَرَّاسِيِّ ، وَأَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ ، وَأَبِي بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيِّ ، وَجَاوَرَ سَنَةً .

وَكَانَ لَهِجًا بِعِلْمِ الْكَلَامِ ، خَائِضًا فِي مَزَالِّ الْأَقْدَامِ ، أَلَّفَ عَقِيدَةً لَقَّبَهَا بِالْمُرْشِدَةِ ، فِيهَا تَوْحِيدٌ وَخَيْرٌ بِانْحِرَافٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَتْبَاعَهُ ، وَسَمَّاهُمُ الْمُوَحِّدِينَ ، وَنَبَزَ مَنْ خَالَفَ الْمُرْشِدَةَ بِالتَّجْسِيمِ ، وَأَبَاحَ دَمَهُ ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْغَيِّ وَالْهَوَى . وَكَانَ خَشِنَ الْعَيْشِ ، فَقِيرًا ، قَانِعًا بِالْيَسِيرِ ، مُقْتَصِرًا عَلَى زِيِّ الْفَقْرِ ، لَا لَذَّةَ لَهُ فِي مَأْكَلٍ وَلَا مَنْكَحٍ ، وَلَا مَالٍ ، وَلَا فِي شَيْءٍ غَيْرِ رِيَاسَةِ الْأَمْرِ ، حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى . لَكِنَّهُ دَخَلَ- وَاللَّهِ- فِي الدِّمَاءِ لِنَيْلِ الرِّيَاسَةِ الْمُرْدِيَةِ .

وَكَانَ ذَا عَصًا وَرَكْوَةٍ وَدَفَّاسٍ ، غَرَامُهُ فِي إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ ، وَالصَّدْعِ بِالْحَقِّ ، وَكَانَ يَتَبَسَّمُ إِلَى مَنْ لَقِيَهُ . وَلَهُ فَصَاحَةٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَالْبَرْبَرِيَّةِ ، وَكَانَ يُؤْذَى وَيُضْرَبُ وَيَصْبِرُ ، أُوذِيَ بِمَكَّةَ ، فَرَاحَ إِلَى مِصْرَ ، وَبَالَغَ فِي الْإِنْكَارِ ، فَطَرَدُوهُ ، وَآذَوْهُ ، وَكَانَ إِذَا خَافَ مِنَ الْبَطْشِ بِهِ خَلَّطَ وَتَبَالَهَ . ثُمَّ سَكَنَ الثَّغْرَ مُدَّةً ، ثُمَّ رَكِبَ الْبَحْرَ إِلَى الْمَغْرِبِ ، وَقَدْ رَأَى أَنَّهُ شَرِبَ مَاءَ الْبَحْرِ مَرَّتَيْنِ ، وَأَخَذَ يُنْكِرُ فِي الْمَرْكِبِ عَلَى النَّاسِ ، وَأَلْزَمَهُمْ بِالصَّلَاةِ ، فَآذَوْهُ ، فَقَدِمَ الْمَهْدِيَّةَ وَعَلَيْهَا ابْنُ بَادِيسَ ، فَنَزَلَ بِمَسْجِدٍ مُعَلَّقٍ ، فَمَتَى رَأَى مُنْكَرًا أَوْ خَمْرًا ، كَسَّرَ وَبَدَّدَ ، فَالْتَفَّ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ وَاشْتَغَلُوا عَلَيْهِ ، فَطَلَبَهُ ابْنُ بَادِيسَ ، فَلَمَّا رَأَى حَالَهُ ، وَسَمِعَ كَلَامَهُ ، سَأَلَهُ الدُّعَاءَ ، فَقَالَ : أَصْلَحَكَ اللَّهُ لِرَعِيَّتِكَ .

وَسَارَ إِلَى بَجَايَةَ ، فَبَقِيَ يُنْكِرُ كَعَادَتِهِ ، فَنُفِيَ ، فَذَهَبَ إِلَى قَرْيَةِ مَلَّالَةَ ، فَوَقَعَ بِهَا بِعَبْدِ الْمُؤْمِنِ الَّذِي تَسَلْطَنَ ، وَكَانَ أَمْرَدَ ، عَاقِلًا ، فَقَالَ : يَا شَابُّ ، مَا اسْمُكَ ؟ قَالَ : عَبْدُ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، أَنْتَ طِلْبَتِي ، فَأَيْنَ مَقْصِدُكَ ؟ قَالَ : طَلَبُ الْعِلْمِ ، قَالَ : قَدْ وَجَدْتَ الْعِلْمَ وَالشَّرَفَ ، اصْحَبْنِي ، وَنَظَرَ فِي حِلْيَتِهِ ، فَوَافَقَتْ مَا عِنْدَهُ مِمَّا قِيلَ : إِنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى كِتَابِ الْجَفْرِ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ ، فَقَالَ : مِمَّنْ أَنْتَ ؟ قَالَ مِنْ كُومِيَّةَ ، فَرَبَطَ الشَّابَّ ، وَشَوَّقَهُ إِلَى أُمُورٍ عَشِقَهَا ، وَأَفْضَى إِلَيْهِ بِسِرِّهِ ، وَكَانَ فِي صُحْبَتِهِ الْفَقِيهُ عَبْدُ اللَّهِ الْوَنشَرِيسِيُّ ، وَكَانَ جَمِيلًا نَحْوِيًّا ، فَاتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُخْفِيَ عِلْمَهَ وَفَصَاحَتَهُ ، وَيَتَظَاهَرَ بِالْجَهْلِ وَاللَّكَنِ مُدَّةً ، ثُمَّ يَجْعَلُ إِظْهَارَ نَفْسِهِ مُعْجِزَةً ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى سِتَّةٍ مِنْ أَجْلَادِ أَتْبَاعِهِ ، وَسَارَ بِهِمْ إِلَى مَرَّاكُشَ ، وَهِيَ لِابْنِ تَاشَفِينَ ، فَأَخَذُوا فِي الْإِنْكَارِ ، فَخَوَّفُوا الْمَلِكَ مِنْهُمْ ، وَكَانُوا بِمَسْجِدٍ خَرَابٍ ، فَأَحْضَرَهُمُ الْمَلِكُ ، فَكَلَّمُوهُ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ سَبِّ الْمَلِكِ ، فَقَالَ : مَا نُقِلَ مِنَ الْوَقِيعَةِ فِيهِ ، فَقَدْ قَلْتُهُ ، هَلْ مِنْ وَرَائِهِ أَقْوَالٌ ، وَأَنْتُمْ تُطْرُونَهُ وَهُوَ مَغْرُورٌ بِكُمْ ، فَيَا قَاضِي ، هَلْ بَلَغَكَ أَنَّ الْخَمْرَ تُبَاعُ جِهَارًا ، وَتَمْشِي الْخَنَازِيرُ فِي الْأَسْوَاقِ ، وَتُؤْخَذُ أَمْوَالُ الْيَتَامَى ؟ فَذَرَفَتْ عَيْنَا الْمَلِكِ وَأَطْرَقَ ، وَفَهِمَ الدُّهَاةُ طَمَعَ ابْنِ تُومَرْتَ فِي الْمُلْكِ ، فَنَصَحَ مَالِكُ بْنُ وَهِيبٍ الْفَيْلَسُوفُ سُلْطَانَهُ ، وَقَالَ : إِنِّي خَائِفٌ عَلَيْكَ مِنْ هَذَا ، فَاسْجِنْهُ وَأَصْحَابَهُ ، وَأَنْفِقْ عَلَيْهِمْ مُؤْنَتَهُمْ ، وَإِلَّا أَنْفَقْتَ عَلَيْهِمْ خَزَائِنَكَ ، فَوَافَقَهُ ، فَقَالَ الْوَزِيرُ : يَقْبُحُ بِالْمَلِكِ أَنْ يَبْكِيَ مِنْ وَعْظِهِ ، ثُمَّ يُسِيءَ إِلَيْهِ فِي مَجْلِسٍ ، وَأَنْ يَظْهَرَ خَوْفُكَ- وَأَنْتَ سُلْطَانٌ- مِنْ رَجُلٍ فَقِيرٍ ، فَأَخَذَتْهُ نَخْوَةٌ ، وَصَرَفَهُ ، وَسَأَلَهُ الدُّعَاءَ . وَسَارَ ابْنُ تُومَرْتَ إِلَى أَغْمَاتَ ، فَنَزَلُوا عَلَى الْفَقِيهِ عَبْدِ الْحَقِّ الْمَصْمُودِيِّ ، فَأَكْرَمَهُمْ ، فَاسْتَشَارُوهُ ، فَقَالَ : هُنَا لَا يَحْمِيكُمْ هَذَا الْمَوْضِعُ ، فَعَلَيْكُمْ بِتِينَمَلَّ فَهِيَ يَوْمٌ عَنَّا ، وَهُوَ أَحْصَنُ الْأَمَاكِنِ ، فَأَقِيمُوا بِهِ بُرْهَةً كَيْ يَنْسَى ذِكْرَكُمْ . فَتَجَدَّدَ لِابْنِ تُومَرْتَ بِهَذَا الِاسْمِ ذِكْرٌ لِمَا عِنْدَهُ ، فَلَمَا رَآهُمْ أَهْلُ الْجَبَلِ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ ، عَلِمُوا أَنَّهُمْ طَلَبَةُ عِلْمٍ ، فَأَنْزَلُوهُمْ ، وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ تَسَامَعَ بِهِ أَهْلُ الْجَبَلِ ، فَتَسَارَعُوا إِلَيْهِمْ ، فَكَانَ ابْنُ تُومَرْتَ مَنْ رَأَى فِيهِ جَلَادَةً ، عَرَضَ عَلَيْهِ مَا فِي نَفْسِهِ ، فَإِنْ أَسْرَعَ إِلَيْهِ ، أَضَافَهُ إِلَى خَوَاصِّهِ ، وَإِنْ سَكَتَ ، أَعْرَضَ عَنْهُ ، وَكَانَ كُهُوْلُهُمْ يَنْهَوْنَ شُبَّانَهُمْ وَيُحَذِّرُونَهُمْ ، وَطَالَتِ الْمُدَّةُ ، ثُمَّ كَثُرَ أَتْبَاعُهُ مِنْ جِبَالِ دَرَنِ ، وَهُوَ جَبَلُ الثَّلْجِ ، وَطَرِيقُهُ وَعْرٌ ضَيِّقٌ .

قَالَ الْيَسَعُ فِي تَارِيخِهِ : لَا أَعْلَمُ مَكَانًا أَحْصَنَ مِنْ تِينَمَلَلَ لِأَنَّهَا بَيْنَ جَبَلَيْنِ ، وَلَا يَصِلُ إِلَيْهِمَا إِلَّا الْفَارِسُ ، وَرُبَّمَا نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ فِي أَمَاكِنَ صَعْبَةٍ ، وَفِي مَوَاضِعَ يَعْبُرُ عَلَى خَشَبَةٍ ، فَإِذَا أُزِيلَتِ الْخَشَبَةُ ، انْقَطَعَ الدَّرْبُ ، وَهِيَ مَسَافَةُ يَوْمٍ ، فَشَرَعَ أَتْبَاعُهُ يُغِيرُونَ وَيَقْتُلُونَ ، وَكَثُرُوا وَقَوُوا ، ثُمَّ غَدَرَ بِأَهْلِ تِينَمَلَلَ الَّذِينَ آوَوْهُ ، وَأَمَرَ خَوَاصَّهُ ، فَوَضَعُوا فِيهِمُ السَّيْفَ ، فَقَالَ لَهُ الْفَقِيهُ الْإِفْرِيقِيُّ أَحَدُ الْعَشْرَةِ مِنْ خَوَاصِّهِ : مَا هَذَا ؟ ! قَوْمٌ أَكْرَمُونَا وَأَنْزَلُونَا نَقْتُلُهُمْ !! فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : هَذَا شَكَّ فِي عِصْمَتِي ، فَاقْتُلُوهُ ، فَقُتِلَ . قَالَ الْيَسَعُ : وَكُلُّ مَا أَذْكُرُهُ مِنْ حَالِ الْمُصَامِدَةِ ، فَقَدْ شَاهَدْتُهُ ، أَوْ أَخَذْتُهُ مُتَوَاتِرًا ، وَكَانَ فِي وَصِيَّتِهِ إِلَى قَوْمِهِ إِذَا ظَفِرُوا بِمُرَابِطٍ أَوْ تِلِمْسَانِيٍّ أَنْ يَحْرِقُوهُ . فَلَمَّا كَانَ عَامُ تِسْعَةَ عَشَرَ وَخَمْسِمِائَةٍ ، خَرَجَ يَوْمًا ، فَقَالَ : تَعْلَمُونَ أَنَّ الْبَشِيرَ - يُرِيدُ الْوَنْشَرِيسِيَّ - رَجُلٌ أُمِّيٌّ ، وَلَا يَثْبُتُ عَلَى دَابَّةٍ ، فَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ مُبَشِّرًا لَكُمْ ، مُطَّلِعًا عَلَى أَسْرَارِكُمْ ، وَهُوَ آيَةٌ لَكُمْ ، قَدْ حَفِظَ الْقُرْآنَ ، وَتَعَلَّمَ الرُّكُوبَ ، وَقَالَ : اقْرَأْ ، فَقَرَأَ الْخَتْمَةَ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ، وَرَكِبَ حِصَانًا وَسَاقَهُ ، فَبُهِتُوا ، وَعَدُّوهَا آيَةً لِغَبَاوَتِهِمْ ، فَقَامَ خَطِيبًا ، وَتَلَا : لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَتَلَا : مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ فَهَذَا الْبَشِيرُ مُطَّلِعٌ عَلَى الْأَنْفُسِ ، مُلْهَمٌ ، وَنَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مُحْدَّثِينَ وَإِنَّ عُمَرَ مِنْهُمْ وَقَدْ صَحِبَنَا أَقْوَامٌ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى سِرِّهِمْ ، وَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي أَمْرِهِمْ ، وَتَيَمُّمِ الْعَدْلِ فِيهِمْ ، ثُمَّ نُودِيَ فِي جِبَالِ الْمُصَامِدَةِ : مَنْ كَانَ مُطِيعًا لِلْإِمَامِ ، فَلْيَأْتِ ، فَأَقْبَلُوا يُهْرَعُونَ ، فَكَانُوا يُعْرَضُونَ عَلَى الْبَشِيرِ ، فَيُخْرِجُ قَوْمًا عَلَى يَمِينِهِ ، وَيَعُدُّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَقَوْمًا عَلَى يَسَارِهِ ، فَيَقُولُ : هَؤُلَاءِ شَاكُّونَ فِي الْأَمْرِ ، وَكَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ مِنْهُمْ ، فَيَقُولُ : هَذَا تَائِبٌ رُدُّوهُ عَلَى الْيَمِينِ تَابَ الْبَارِحَةَ ، فَيَعْتَرِفُ بِمَا قَالَ ، وَاتَّفَقَتْ لَهُ فِيهِمْ عَجَائِبُ ، حَتَّى كَانَ يُطْلِقُ أَهْلَ الْيَسَارِ ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ مَآلَهُمْ إِلَى الْقَتْلِ ، فَلَا يَفِرُّ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، إِذَا تَجَمَّعَ مِنْهُمْ عِدَّةٌ ، قَتَلَهُمْ قَرَابَاتُهُمْ حَتَّى يَقْتُلَ الْأَخُ أَخَاهُ .

قَالَ : فَالَّذِي صَحَّ عِنْدِي أَنَّهُمْ قُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ، وَيُسَمُّونَهُ التَّمْيِيزَ ، فَلَمَّا كَمُلَ التَّمْيِيزُ ، وَجَّهَ جُمُوعَهُ مَعَ الْبَشِيرِ نَحْوَ أَغْمَاتَ ، فَالْتَقَاهُمُ الْمُرَابِطُونَ ، فَهَزَمَهُمُ الْمُرَابِطُونَ ، وَثَبَتَ خَلْقٌ مِنَ الْمَصَامِدَةِ ، فَقُتِلُوا ، وَجُرِحَ عُمَرُ الْهِنْتَاتِيُّ عِدَّةَ جِرَاحَاتٍ ، فَحُمِلَ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ مُثْخَنًا ، فَقَالَ لَهُمُ الْبَشِيرُ : إِنَّهُ لَا يَمُوتُ حَتَّى تُفْتَحَ الْبِلَادُ ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ ، فَتَحَ عَيْنَيْهِ ، وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا أَتَوْا ، عَزَّاهُمُ ابْنُ تُومَرْتَ ، وَقَالَ : يَوْمٌ بِيَوْمٍ ، وَكَذَلِكَ حَرْبُ الرُّسُلِ . وَقَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَرَّاكُشِيُّ سَمِعَ ابْنُ تُومَرْتَ بِبَغْدَادَ مِنَ الْمُبَارَكِ بْنِ الطُّيُورِيِّ ، وَأَخَذَ الْأُصُولَ عَنِ الشَّاشِيِّ ، وَنَفَاهُ مِنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ أَمِيرُهَا ، فَبَلَغَنِي أَنَّهُ اسْتَمَرَّ يُنْكِرُ فِي الْمَرْكِبِ ، فَأَلْقَوْهُ ، فَأَقَامَ نِصْفَ يَوْمٍ يَعُومُ ، فَأَنْزَلُوا مَنْ أَطْلَعَهُ ، وَاحْتَرَمُوهُ ، فَنَزَلَ بِبَجَايَةَ ، فَدَرَّسَ وَوَعَظَ ، وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ ، فَخَافَ صَاحَبُهَا ، وَأَخْرَجَهُ ، وَكَانَ بَارِعًا فِي خَطِّ الرَّمْلِ . وَقِيلَ : وَقَعَ بِالْجَفْرِ ، وَصَادَفَ عَبْدَ الْمُؤْمِنِ ، ثُمَّ لَقِيَهُمَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الشَّرْقِيُّ ، فَسَارُوا إِلَى أَقْصَى الْمَغْرِبِ .

وَقِيلَ : لَقِيَ عَبْدَ الْمُؤْمِنِ يُؤَدِّبُ بِأَرْضٍ مُتَيَّجَةٍ ، وَرَأَى عَبْدَ الْمُؤْمِنِ أَنَّهُ يَأْكُلُ مَعَ الْمَلِكِ عَلَيِّ بْنِ تَاشَفِينَ ، وَأَنَّهُ زَادَ عَلَى أَكْلِهِ ، ثُمَّ اخْتَطَفَ مِنْهُ الصَّحْفَةَ ، فَقَالَ لَهُ الْعَابِرُ : لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الرُّؤْيَا لَكَ ، بَلْ لِمَنْ يَثُورُ عَلَى أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَنْ يَغْلِبَ عَلَى بِلَادِهِ . وَكَانَ ابْنُ تُومَرْتَ طَوِيلَ الصَّمْتِ ، دَائِمَ الِانْقِبَاضِ ، لَهُ هَيْبَةٌ فِي النُّفُوسِ ، قِيلَ لَهُ مَرَّةً : فُلَانٌ مَسْجُونٌ ، فَأَتَى الْحَبْسَ ، فَابْتَدَرَ السَّجَّانُونَ يَتَمَسَّحُونَ بِهِ ، فَنَادَى : فَلَانُ ، فَأَجَابَهُ ، فَقَالَ : اخْرُجْ ، فَخَرَجَ وَالسَّجَّانُونَ بَاهِتُونَ ، فَذَهَبَ بِهِ ، وَكَانَ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ أَمْرٌ ، وَانْفَصَلَ عَنْ تِلِمْسَانَ وَقَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَى قُلُوبِ كُبَرَائِهَا ، فَأَتَى فَاسَ ، وَأَخَذَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ . قَالَ : وَكَانَ جُلَّ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ الِاعْتِقَادُ عَلَى رَأْيِ الْأَشْعَرِيِّ ، وَكَانَ أَهْلُ الْغَرْبِ يُنَافِرُونَ هَذِهِ الْعُلُومَ ، فَجَمَعَ مُتَوَلِّي فَاسَ الْفُقَهَاءَ ، وَنَاظَرُوهُ ، فَظَهَرَ ، وَوَجَدَ جَوًّا خَالِيًا ، وَقَوْمًا لَا يَدْرُونَ الْكَلَامَ ، فَأَشَارُوا عَلَى الْأَمِيرِ بِإِخْرَاجِهِ ، فَسَارَ إِلَى مَرَّاكُشَ ، فَبَعَثُوا بِخَبَرِهِ إِلَى ابْنِ تَاشَفِينَ ، فَجَمَعَ لَهُ الْفُقَهَاءَ ، فَنَاظَرَهُ ابْنُ وَهِيبٍ الْفَيْلَسُوفُ ، فَاسْتَشْعَرَ ذَكَاءَهُ وَقُوَّةَ نَفْسِهِ ، فَأَشَارَ عَلَى ابْنِ تَاشَفِينَ بِقَتْلِهِ ، وَقَالَ : إِنْ وَقَعَ إِلَى الْمُصَامِدَةِ ، قَوِيَّ شَرُّهُ ، فَخَافَ اللَّهَ فِيهِ ، فَقَالَ : فَاحْبِسْهُ ، قَالَ : كَيْفَ أَحْبِسُ مُسْلِمًا لَمْ يَتَعَيَّنْ لَنَا عَلَيْهِ حَقٌّ ؟ بَلْ يُسَافِرُ ، فَذَهَبَ وَنَزَلَ بِتِينَمَلَلَ ، وَمِنْهُ ظَهْرَ ، وَبِهِ دُفِنَ ، فَبَثَّ فِي الْمَصَامِدَةِ الْعِلْمَ ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَاسْتَمَالَهُمْ ، وَأَخَذَ يُشَوِّقُ إِلَى الْمَهْدِيِّ ، وَيَرْوِي أَحَادِيثَ فِيهِ ، فَلَمَّا تَوَّثَقَ مِنْهُمْ قَالَ : أَنَا هُوَ ، وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَسَاقَ نَسَبًا لَهُ إِلَى عَلِيٍّ ، فَبَايَعُوهُ ، وَأَلَّفَ لَهُمْ كِتَابَ أَعَزَّ مَا يُطْلَبُ ، وَوَافَقَ الْمُعْتَزِلَةَ فِي شَيْءٍ ، وَالْأَشْعَرِيَّةَ فِي شَيْءٍ ، وَكَانَ فِيهِ تَشَيُّعٌ ، وَرَتَّبَ أَصْحَابَهَ ، فَمِنْهُمُ الْعَشْرَةُ ، فَهُمْ أَوَّلُ مَنْ لَبَّاهُ ، ثُمَّ الْخَمْسِينَ ، وَكَانَ يُسَمِّيهِمُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَيَقُولُ : مَا فِي الْأَرْضِ مَنْ يُؤْمِنُ إِيمَانَكُمْ ، وَأَنْتُمُ الْعِصَابَةُ الَّذِينَ عَنَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : لَا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ وَأَنْتُمْ تَفْتَحُونَ الرُّومَ ، وَتَقْتُلُونَ الدَّجَّالَ ، وَمِنْكُمُ الَّذِي يَؤُمُّ بِعِيسَى وَحَدَّثَهُمْ بِجُزْئِيَّاتٍ اتَّفَقَ وُقُوعُ أَكْثَرِهَا ، فَعَظُمَتْ فِتْنَةُ الْقَوْمِ بِهِ حَتَّى قَتَلُوا أَبْنَاءَهُمْ وَإِخْوَتَهُمْ لِقَسْوَتِهِمْ وَغِلْظِ طِبَاعِهِمْ ، وَإِقْدَامِهِمْ عَلَى الدِّمَاءِ ، فَبَعَثَ جَيْشًا ، وَقَالَ : اقْصِدُوا هَؤُلَاءِ الْمَارِقِينَ الْمُبَدِّلِينَ الدِّينَ ، فَادْعُوهُمْ إِلَى إِمَاتَةِ الْمُنْكَرِ وَإِزَالَةِ الْبِدَعِ ، وَالْإِقْرَارِ بِالْمَهْدِيِّ الْمَعْصُومِ ، فَإِنْ أَجَابُوا ، فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ ، وَإِلَّا فَالسُّنَّةُ قَدْ أَبَاحَتْ لَكُمْ قِتَالَهُمْ ، فَسَارَ بِهِمْ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ يَقْصِدُ مَرَّاكُشَ ، فَالْتَقَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ ، فَكَلَّمُوهُمْ بِالدَّعْوَةِ ، فَرَدُّوا أَقْبَحَ رَدٍّ ، ثُمَّ انْهَزَمَتِ الْمَصَامِدَةُ ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَلْحَمَةٌ ، فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ ابْنَ تُومَرْتَ .

قَالَ : أَنَجَى عَبْدُ الْمُؤِمِنِ ؟ قِيلَ : نَعَمْ ، قَالَ : لَمْ يُفْقَدْ أَحَدٌ ، وَهَوَّنَ عَلَيْهِمْ ، وَقَالَ : قَتْلَاكُمْ شُهَدَاءُ . قَالَ الْأَمِيرُ عَزِيزٌ فِي أَخْبَارِ الْقَيْرَوَانِ : سَمَّى ابْنُ تُومَرْتَ أَصْحَابَهُ بِالْمُوَحِّدِينَ ، وَمَنْ خَالَفَهُ بِالْمُجَسِّمِينَ ، وَاشْتَهَرَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ ، وَبَايَعَتْهُ هَرْغَةُ عَلَى أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ ، فَقَصَدَهُ الْمُلَثَّمُونَ ، فَكَسَرُوا الْمُلَثَّمِينَ ، وَحَازُوا الْغَنَائِمَ ، وَوَثِقَتْ نُفُوسُهُمْ ، وَأَتَتْهُمْ أَمْدَادُ الْقَبَائِلِ ، وَوَحَّدَتْ هِنْتَاتَةُ ، وَهِيَ مِنْ أَقْوَى الْقَبَائِلِ . ثُمَّ قَالَ عَزِيزٌ : لَهُمْ تَوَدُّدٌ وَأَدَبٌ وَبَشَاشَةٌ ، وَيَلْبَسُونَ الثِّيَابَ الْقَصِيرَةَ الرَّخِيصَةَ ، وَلَا يَخْلُونَ يَوْمًا مِنْ طِرَادٍ وَمُثَاقَفَةٍ وَنِضَالٍ ، وَكَانَ فِي الْقَبَائِلِ مُفْسِدُونَ ، فَطَلَبَ ابْنُ تُومَرْتَ مَشَايِخَ الْقَبَائِلِ وَوَعَظَهُمْ ، وَقَالَ : لَا يَصْلُحُ دِينُكُمْ إِلَّا بِالنَّهْيِّ عَنِ الْمُنْكَرِ ، فَابْحَثُوا عَنْ كُلِّ مُفْسِدٍ ، فَانْهُوهُ ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ ، فَاكْتُبُوا إِلَيَّ أَسْمَاءَهُمْ ، فَفَعَلُوا ، ثُمَّ هَدَّدَ ثَانِيًا ، فَأَخَذَ مَا تَكَرَّرَ مِنَ الْأَسْمَاءِ ، فَأَفْرَدَهَا ، ثُمَّ جَمَعَ الْقَبَائِلَ ، وَحَضَّهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَغِيبَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، وَدَفَعَ تِلْكَ الْأَسْمَاءَ إِلَى الْبَشِيرِ ، فَتَأَمَّلَهَا ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ رَجُلًا رَجُلًا ، فَمَنْ وَجَدَ اسْمَهُ ، رَدَّهُ إِلَى الشِّمَالِ ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْهُ ، بَعَثَهُ عَلَى الْيَمِينِ ، ثُمَّ أَمَرَ بِتَكْتِيفِ أَهْلِ الشِّمَالِ ، وَقَالَ لِقَرَابَاتِهِمْ : هَؤُلَاءِ أَشْقِيَاءُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، فَلْتَقْتُلْ كُلُّ قَبِيلَةٍ أَشْقِيَاءَهَا ، فَقَتَلُوهُمْ ، فَكَانَتْ وَاقِعَةٌ عَجِيبَةٌ ، وَقَالَ : بِهَذَا الْفِعْلِ صَحَّ دِينُكُمْ ، وَقَوِيَّ أَمْرُكُمْ .

وَأَهْلُ الْعَشْرَةِ هُمْ : عَبْدُ الْمُؤْمِنِ ، وَالْهَزْرَجِيُّ ، وَعُمَرُ بْنُ يَحْيَى الْهِنْتَاتِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ الْبَشِيرُ ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ الزَّوَاوِيُّ طَيْرُ الْجَنَّةِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرُ بْنُ أَرْنَاقَ ، وَوَاسْنَارُ أَبُو مُحَمَّدٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ جَامِعٍ ، وَآخَرُ . وَفِي أَوَّلِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ ; جَهَّزَ عِشْرِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ عَلَيْهِمُ الْبَشِيرُ ، وَعَبْدُ الْمُؤْمِنِ بَعْدَ أُمُورٍ يَطُولُ شَرْحُهَا ، فَالْتَقَى الْجَمْعَانِ ، وَاسْتَحَرَّ الْقَتْلُ بِالْمُوَحِّدِينَ ، وَقُتِلَ الْبَشِيرُ ، وَدَامَ الْحَرْبُ إِلَى اللَّيْلِ ، فَصَلَّى بِهِمْ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ صَلَاةَ الْخَوْفِ ، ثُمَّ تَحَيَّزَ بِمَنْ بَقِيَ إِلَى بُسْتَانٍ يُعْرَفُ بِالْبُحَيْرَةِ ، فَرَاحَ مِنْهُمْ تَحْتَ السَّيْفِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفًا ، وَكَانَ ابْنُ تُومَرْتَ مَرِيضًا ، فَأَوْصَى بِاتِّبَاعِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، وَعَقَدَ لَهُ ، وَلَقَّبَهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَقَالَ : هُوَ الَّذِي يَفْتَحُ الْبِلَادَ ، فَاعْضُدُوهُ بِأَنْفُسِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ ، ثُمَّ مَاتَ فِي آخِرِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ . قَالَ الْيَسَعُ بْنُ حَزْمٍ : سَمَّى ابْنُ تُومَرْتَ الْمُرَابِطِينَ بِالْمُجَسِّمِينِ ، وَمَا كَانَ أَهْلُ الْمَغْرِبِ يُدِينُونَ إِلَّا بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عَمَّا لَا يَجِبُ وَصْفُهُ بِمَا يَجِبُ لَهُ ، مَعَ تَرْكِ خَوْضِهِمْ عَمَّا تَقْصُرُ الْعُقُولُ عَنْ فَهْمِهِ .

إِلَى أَنْ قَالَ : فَكَفَّرَهُمُ ابْنُ تُومَرْتَ لِجَهْلِهِمُ الْعَرَضَ وَالْجَوْهَرَ ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ ، لَمْ يَعْرِفِ الْمَخْلُوقَ مِنَ الْخَالِقِ ، وَبِأَنَّ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْهِ ، وَيُقَاتِلْ مَعَهُ ، فَإِنَّهُ حَلَالُ الدَّمِ وَالْحَرِيمِ ، وَذَكَرَ أَنَّ غَضَبَهُ لِلَّهِ وَقِيَامَهُ حِسْبَةٌ . قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ : قَبْرُهُ بِالْجَبَلِ مُعَظَمٌ ، مَاتَ كَهْلًا ، وَكَانَ أَسْمَرَ رَبْعَةً ، عَظِيمَ الْهَامَةِ ، حَدِيدَ النَّظَرِ مَهِيبًا ، وَآثَارُهُ تُغْنِي عَنْ أَخْبَارِهِ ، قَدَمٌ فِي الثَّرَى ، وَهَامَةٌ فِي الثُّرَيَّا ، وَنَفْسٌ تَرَى إِرَاقَةَ مَاءِ الْحَيَاةِ دُونَ إِرَاقَةِ مَاءِ الْمُحَيَّا ، أَغْفَلَ الْمُرَابِطُونَ رَبْطَهُ وَحَلَّهُ ، حَتَّى دَبَّ دَبِيبَ الْفَلَقِ فِي الْغَسَقِ ، وَكَانَ قُوتُهُ مِنْ غَزْلِ أُخْتِهِ رَغِيفًا بِزَيْتٍ ، أَوْ قَلِيلِ سَمْنٍ ، لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ ذَلِكَ حِينَ كَثُرَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا ، رَأَى أَصْحَابَهُ يَوْمًا ، وَقَدْ مَالَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَى كَثْرَةِ مَا غَنِمُوهُ ، فَأَمَرَ بِإِحْرَاقِ جَمِيعِهِ ، وَقَالَ : مَنْ أَرَادَ الدُّنْيَا ، فَهَذَا لَهُ عِنْدِي ، وَمَنْ كَانَ يَبْغِي الْآخِرَةَ ، فَجَزَاؤُهُ عِنْدَ اللَّهِ ، وَكَانَ يَتَمَثَّلُ كَثِيرًا : تَجَرَّدْ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَكَ إِنَّمَا خَرَجْتَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنْتَ مُجَرَّدُ وَلَمْ يَفْتَتِحْ شَيْئًا مِنَ الْمَدَائِنِ ، وَإِنَّمَا قَرَّرَ الْقَوَاعِدَ ، وَمَهَّدَ ، وَبَغَتَهُ الْمَوْتُ ، وَافْتَتَحَ بَعْدَهُ الْبِلَادَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ . وَقَدْ بَلَغَنِي- فِيمَا يُقَالُ- : أَنَّ ابْنَ تُومَرْتَ أَخْفَى رِجَالًا فِي قُبُورِ دَوَارِسَ ، وَجَاءَ فِي جَمَاعَةٍ لِيُرِيَهُمْ آيَةً ، يَعْنِي فَصَاحَ : أَيُّهَا الْمَوْتَى أَجِيبُوا ، فَأَجَابُوهُ : أَنْتَ الْمَهْدِيُّ الْمَعْصُومُ ، وَأَنْتَ وَأَنْتَ ، ثُمَّ إِنَّهُ خَافَ مِنَ انْتِشَارِ الْحِيلَةِ ، فَخَسَفَ فَوْقَهُمْ الْقُبُورَ فَمَاتُوا .

وَبِكُلِّ حَالٍ ، فَالرَّجُلُ مِنْ فُحُوْلِ الْعَالَمِ ، رَامَ أَمْرًا ، فَتَمَّ لَهُ ، وَرَبَطَ الْبَرْبَرَ بِادِّعَاءِ الْعِصْمَةِ ، وَأَقْدَمَ عَلَى الدِّمَاءِ إِقْدَامَ الْخَوَارِجِ ، وَوَجَدَ مَا قَدَّمَ . قَالَ الْحَافِظُ مَنْصُورٌ ابْنُ الْعِمَادِيَّةِ فِي تَارِيخِ الثَّغْرِ أَمْلَى عَلَيَّ نَسَبَهُ فَلَانٌ ، وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ لَمْ يُعَقِّبْ . وَلِابْنِ تُومَرْتَ : دَعْنِي فَفِي النَّفْسِ أَشْيَاءٌ مُخَبَّأَةٌ لَأَلْبِسَنَّ بِهَا دِرْعًا وَجِلْبَابَا وَاللَّهِ لَوْ ظَفِرَتْ نَفْسِي بِبُغْيَتِهَا مَا كُنْتُ عَنْ ضَرْبِ أَعْنَاقِ الْوَرَى آبَى حَتَّى أُطَهِّرَ ثَوْبَ الدِّينِ عَنْ دَنَسٍ وَأُوجِبَ الْحَقَّ لِلسَّادَاتِ إِيجَابَا

موقع حَـدِيث