ابْنُ تَاشْفِينَ
ابْنُ تَاشْفِينَ السُّلْطَانُ ، صَاحِبُ الْمَغْرِبِ ، أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ ، أَبُو الْحَسَنِ ، عَلِيُّ ابْنُ صَاحِبِ الْغْرِبِ يُوسُفَ بْنِ تَاشْفِينَ ، الْبَرْبَرِيُّ ، مَلِكُ الْمُرَابِطِينَ . تَوَلَّى بَعْدَ أَبِيهِ سَنَةَ خَمْسِمِائَةٍ . وَكَانَ شُجَاعًا مُجَاهِدًا ، عَادِلًا دَيِّنًا ، وَرِعًا صَالِحًا ، مُعَظِّمًا لِلْعُلَمَاءِ ، مُشَاوِرًا لَهُمْ ، نَفَقَ فِي زَمَانِهِ الْفِقْهُ وَالْكُتُبُ وَالْفُرُوعُ ، حَتَّى تَكَاسَلُوا عَنِ الْحَدِيثِ وَالْآثَارِ ، وَأُهِينَتِ الْفَلْسَفَةُ ، وَمُجَّ الْكَلَامُ ، وَمُقِتَ ، وَاسْتَحْكَمَ فِي ذِهْنِ عَلِيٍّ أَنَّ الْكَلَامَ بِدْعَةٌ مَا عَرَفَهُ السَّلَفُ ، فَأَسْرَفَ فِي ذَلِكَ ، وَكَتَبَ يَتَهَدَّدُ ، وَيَأْمُرُ بِإِحْرَاقِ الْكُتُبِ ، وَكَتَبَ يَأْمُرُ بِإِحْرَاقِ تَوَالِيفِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ ، وَتَوَعَّدَ بِالْقَتْلِ مَنْ كَتَمَهَا ، وَاعْتَنَى بِعِلْمِ الرَّسَائِلِ وَالْإِنْشَاءِ ، وَعُمِّرَ .
وَلَمَّا الْتَقَى عَسْكَرَهُ الْعَدُوُّ ، انْهَزَمُوا وَاخْتَلَّتِ الْأَنْدَلُسُ ، وَظَهَرَ بِهَا الْمُنْكَرُ ، وَقُتِلَ خَلْقٌ مِنَ الْمُرَابِطِينَ ، وَأَخَذَ يَتَهَاوَنُ ، وَيَقْنَعُ بِالِاسْمِ ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْعِبَادَةِ وَأَهْمَلَ الرَّعَايَا ، وَعَجَزَ ، حَتَّى قِيلَ : إِنَّهُ رَفَعَ يَدَيْهِ وَدَعَا ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ قَيِّضْ لِهَذَا الْأَمْرِ مَنْ يَقْوَى عَلَيْهِ . وَابْتُلِيَ بِنُوَّابٍ ظَلَمَةٍ ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِ ابْنُ تُومَرْتَ ، وَحَارَبَهُ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ ، وَقَوِيَ عَلَيْهِ ، وَأَخَذَ الْبِلَادَ ، وَوَلَّتْ أَيَّامُ الْمُلَثَّمَةِ فَمَاتَ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ . وَعُهِدَ بِالْأَمْرِ إِلَى ابْنِهِ يُوسُفَ ، فَقَاوَمَ عَبْدَ الْمُؤْمِنِ مُدَيْدَةً ، ثُمَّ انْزَوَى إِلَى وَهْرَانَ ، وَتَفَرَّقَتْ جُمُوعُهُ ، فَظَفِرَ بِهِ الْمُوَحِّدُونَ ، وَهَلَكَ فِي سَنَةِ أَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ .
وَعِنْدِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ الَّذِي وَلِيَ بَعْدَ عَلِيٍّ وَلَدُهُ تَاشْفِينَ فَحَارَبَ الْمُوَحِّدِينَ مُدَيْدَةً ، ثُمَّ تَحَصَّنَ بِوَهْرَانَ ، وَأَنَّهُ هَلَكَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَصَلَبُوهُ .