ابْنُ الطَّلاَّيَةِ
ابْنُ الطَّلاَّيَةِ الشَّيْخ الصَّادِقُ الزَّاهِدُ الْقُدْوَةُ ، بَرَكَةُ الْمُسْلِمِينَ ، أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي غَالِبِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عُرِفَ بِابْنِ الطَّلاَّيَةِ ، الْكَاغِدِيُّ الْبَغْدَادِيُّ . وُلِدَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ . رَوَى جُزْءًا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَلِيٍّ الْأَنْمَاطِيِّ ، وَتَفَرَّدَ بِهِ ، وَهُوَ التَّاسِعُ مِنَ المُخَلَّصِيَّاتِ انْتِقَاءَ ابْنِ الْبَقَّالِ وَحَفِظَ الْقُرْآنَ .
قَالَ السَّمْعَانِيُّ : شَيْخٌ كَبِيرٌ ، أَفْنَى عُمُرَهُ فِي الْعِبَادَةِ وَالْقِيَامِ وَالصِّيَامِ ، لَعَلَّهُ مَا صَرَفَ سَاعَةً مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي عِبَادَةٍ ، وَانْحَنَى حَتَّى لَا يَتَبَيَّنَ قِيَامُهُ مِنْ رُكُوعِهِ إِلَّا بِيَسِيرٍ ، وَكَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ ، لَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا ، وَلَهُ كِفَايَةٌ يَتَقَنَّعُ بِهَا ، دَخَلْتُ عَلَيْهِ فِي مَسْجِدِهِ مَرَّاتٍ ، بِالْعَتَّابِيِّينَ وَسَأَلْتُهُ : هَلْ سَمِعْتَ شَيْئًا ؟ فَقَالَ : سَمِعْتُ مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأَنْمَاطِيِّ . قَالَ السَّمْعَانِيُّ : مَا ظَفِرْنَا بِذَلِكَ ، لَكِنْ قَرَأْتُ عَلَيْهِ الرَّدَّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ لْنَفْطَوَيْهِ ، سَمِعَهُ مِنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ قُرَيْشٍ ، وَحَضَرَ سَمَاعَهُ مَعَنَا شَيْخُنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ . قُلْتُ : ظَهَرَ سَمَاعُهُ مِنَ الْأَنْمَاطِيِّ بَعْدَ فِرَاقِ الْحَافِظِ أَبِي سَعْدٍ بَغْدَادَ ، فَرَوَى عَنْهُ الْجُزْءَ يُونُسُ بْنُ يَحْيَى الْهَاشِمِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَاقُولِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ السِّمِّذِيُّ ، وَعَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْعُرَيْبِيِّ ، وَشُجَاعٌ الْبَيْطَارُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْبَلِّ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ كَمُّونَةَ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَنْصُورِيُّ ، وَعُمَرُ بْنُ طَبَرْزَدَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْأَصْفَرِ ، وَرَيْحَانُ بْنُ تِيكَانَ الضَّرِيرُ ، وَمُظَفَّرُ بْنُ أَبِي يَعْلَى بْنِ جَحْشَوَيْهِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ تُمَيْرَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحَاسِنَ بْنِ أَبِي شَرِيكٍ ، وَعَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّيَّادُ ، وَعَبْدُ السَّلَامِ بْنُ الْمُبَارَكِ الْبَرْدَغُولِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ صرْمَا ، وَالْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْجُودِ شَيْخُ الْأَبَرْقُوهِيِّ ، وَآخَرُونَ .
قَالَ أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ الْجَوْزِيِّ سَمِعْتُ مَشَايِخَ الْحَرْبِيَّةِ يَحْكُونَ عَنْ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ أَنَّ السُّلْطَانَ مَسْعُودًا لَمَّا أَتَى بَغْدَادَ ، كَانَ يُحِبُّ زِيَارَةَ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ ، فَالْتَمَسَ حُضُورَ ابْنِ الطَّلاَّيَةِ ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ : أَنَا فِي هَذَا الْمَسْجِدِ أَنْتَظِرُ دَاعِيَ اللَّهِ فِي النَّهَارِ خَمْسَ مَرَّاتٍ . فَذَهَبَ الرَّسُولُ ، فَقَالَ السُّلْطَانُ : أَنَا أَوْلَى بِالْمَشْيِ إِلَيْهِ . فَزَارَهُ ، فَرَآهُ يُصَلِّي الضُّحَى ، وَكَانَ يُطَوِّلُهَا يُصَلِّيهَا بِثَمَانِيَةِ أَجْزَاءٍ ، فَصَلَّى مَعَهُ بَعْضَهَا ، فَقَالَ لَهُ الْخَادِمُ : السُّلْطَانُ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِكَ .
فَقَالَ : أَيْنَ مَسْعُودٌ ؟ قَالَ : هَا أَنَا . قَالَ : يَا مَسْعُودُ ، اعْدِلْ ، وَادْعُ لِي ، اللَّهُ أَكْبَرُ . ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ ، فَبَكَى السُّلْطَانُ ، وَكَتَبَ وَرَقَةً بِخَطِّهِ بِإِزَالَةِ الْمُكُوسِ وَالضَّرَائِبِ ، وَتَابَ تَوْبَةً صَادِقَةً .
مَاتَ ابْنُ الطَّلاَّيَةِ فِي حَادِيَ عَشَرَ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ وَحُمِلَ عَلَى الرُّؤُوسِ ، وَكَانَتْ جِنَازَتُهُ كَجِنَازَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْقَزْوِينِيِّ وَمَا خَلَّفَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، دُفِنَ إِلَى جَانِبِ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ سَمْعُونَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - .