حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
سير أعلام النبلاء

الرِّفَاعِيُّ

الرِّفَاعِيُّ الْإِمَامُ ، الْقُدْوَةُ ، الْعَابِدُ ، الزَّاهِدُ ، شَيْخُ الْعَارِفِينَ ، أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَازِمِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ رِفَاعَةَ الرِّفَاعِيُّ الْمَغْرِبِيُّ ثُمَّ الْبَطَائِحِيُّ . قَدِمَ أَبُوهُ مِنَ الْمَغْرِبِ ، وَسَكَنَ الْبَطَائِحَ ، بِقَرْيَةِ أُمِّ عَبِيدَةَ . وَتَزَوَّجَ بِأُخْتِ مَنْصُورٍ الزَّاهِدِ ، وَرُزِقَ مِنْهَا الشَّيْخَ أَحْمَدَ وَإِخْوَتَهُ .

وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ مُقْرِئًا يَؤُمُّ بِالشَّيْخِ مَنْصُورٍ ، فَتُوُفِّيَ وَابْنُهُ أَحْمَدُ حَمْلٌ . فَرَبَّاهُ خَالُهُ ، فَقِيلَ : كَانَ مَوْلِدُهُ فِي أَوَّلِ سَنَةِ خَمْسِمِائَةٍ . قِيلَ : إِنَّهُ أَقْسَمَ عَلَى أَصْحَابِهِ إِنْ كَانَ فِيهِ عَيْبٌ يُنَبِّهُونَهُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ الشَّيْخُ عُمَرُ الْفَارُوثِيُّ : يَا سَيِّدِي أَنَا أَعْلَمُ فِيكَ عَيْبًا .

قَالَ : مَا هُوَ ؟ قَالَ : يَا سَيِّدِي ، عَيْبُكَ أَنَّنَا مِنْ أَصْحَابِكَ . فَبَكَى الشَّيْخُ وَالْفُقَرَاءُ ، وَقَالَ - أَيْ عُمَرُ - : إِنْ سَلِمَ الْمَرْكَبُ ، حَمَلَ مَنْ فِيهِ . قِيلَ : إِنَّ هِرَّةً نَامَتْ عَلَى كُمِّ الشَّيْخِ أَحْمَدَ ، وَقَامَتِ الصَّلَاةُ فَقَصَّ كُمَّهُ ، وَمَا أَزْعَجَهَا ، ثُمَّ قَعَدَ ، فَوَصَلَهُ ، وَقَالَ : مَا تَغَيَّرَ شَيْءٌ .

وَقِيلَ : تَوَضَّأَ ، فَنَزَلَتْ بَعُوضَةٌ عَلَى يَدِهِ ، فَوَقَفَ لَهَا حَتَّى طَارَتْ . وَعَنْهُ قَالَ : أَقْرَبُ الطَّرِيقِ الِانْكِسَارُ وَالذُّلُّ وَالِافْتِقَارُ ; تُعَظِّمُ أَمْرَ اللَّهِ ، وَتُشْفِقُ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ ، وَتَقْتَدِي بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : كَانَ شَافِعِيًّا يَعْرِفُ الْفِقْهَ .

وَقِيلَ : كَانَ يَجْمَعُ الْحَطَبَ . وَيَجِيءُ بِهِ إِلَى بُيُوتِ الْأَرَامِلِ ، وَيَمْلَأُ لَهُمْ بِالْجَرَّةِ . قِيلَ لَهُ : أَيْشِ أَنْتَ يَا سَيِّدِي ؟ فَبَكَى ، وَقَالَ : يَا فَقِيرُ ، وَمَنْ أَنَا فِي الْبَيْنِ ، ثَبِّتْ نَسَبْ وَاطْلُبْ مِيرَاثْ .

وَقَالَ : لَمَّا اجْتَمَعَ الْقَوْمُ ، طَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ شَيْئًا ، فَقَالَ هَذَا اللَّاشُ أَحْمَدُ : أَيْ رَبِّ عِلْمُكَ مُحِيطٌ بِي وَبِطَلَبِي ، فَكُرِّرَ عَلَيَّ الْقَوْلُ . قُلْتُ : أَيْ مَوْلَايَ ، أُرِيدُ أَنْ لَا أُرِيدَ ، وَأَخْتَارُ أَنْ لَا يَكُونَ لِيَ اخْتِيَارٌ ، فَأُجِبْتُ ، وَصَارَ الْأَمْرُ لَهُ وَعَلَيْهِ . وَقِيلَ : إِنَّهُ رَأَى فَقِيرًا يَقْتُلُ قَمْلَةً ، فَقَالَ : لَا وَاخَذَكَ اللَّهُ ، شَفَيْتَ غَيْظَكَ ! وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَوْ أَنَّ عَنْ يَمِينِي جَمَاعَةً يُرَوِّحُونِي بِمَرَاوِحَ النِّدِّ وَالطِّيبِ ، وَهُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيَّ ، وَعَنْ يَسَارِي مِثْلَهُمْ يُقْرِضُونَ لَحْمِي بِمَقَارِيضَ وَهُمْ أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ ، مَا زَادَ هَؤُلَاءِ عِنْدِي ، وَلَا نَقْصَ هَؤُلَاءِ عِنْدِي بِمَا فَعَلُوهُ ، ثُمَّ تَلَا : لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَقِيلَ : أُحْضِرَ بَيْنَ يَدَيْهِ طَبَقُ تَمْرٍ ، فَبَقِيَ يُنَقِّي لِنَفْسِهِ الْحَشَفَ يَأْكُلُهُ ، وَيَقُولُ : أَنَا أَحَقُّ بِالدُّونِ ، فَإِنِّي مِثْلُهُ دُونٌ .

وَكَانَ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ لُبْسِ قَمِيصَيْنِ ، وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَكْلَةً ، وَإِذَا غَسَلَ ثَوْبَهُ ، يَنْزِلُ فِي الشَّطِّ كَمَا هُوَ قَائِمٌ يَفْرُكُهُ ، ثُمَّ يَقِفُ فِي الشَّمْسِ حَتَّى يَنْشَفَ ، وَإِذَا وَرَدَ ضَيْفٌ ، يَدُورُ عَلَى بُيُوتِ أَصْحَابِهِ يَجْمَعُ الطَّعَامَ فِي مِئْزَرٍ . وَعَنْهُ قَالَ : الْفَقِيرُ الْمُتَمَكِّنُ إِذَا سَأَلَ حَاجَةً ، وَقُضِيَتْ لَهُ ، نَقَصَ تَمَكُّنُهُ دَرَجَةً . وَكَانَ لَا يَقُومُ لِلرُّؤَسَاءِ ، وَيَقُولُ : النَّظَرُ إِلَى وُجُوهِهِمْ يُقَسِّي الْقَلْبَ .

وَكَانَ كَثِيرَ الِاسْتِغْفَارِ ، عَالِيَ الْمِقْدَارِ ، رَقِيقَ الْقَلْبِ ، غَزِيرَ الْإِخْلَاصِ . تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِي جُمَادَى الْأُولَى رَحِمَهُ اللَّهُ .

موقع حَـدِيث