ابْنُ حُبَيْشٍ
ابْنُ حُبَيْشٍ الْقَاضِي الْإِمَامُ ، الْعَالِمُ الْحَافِظُ ، الثَّبْتُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ الْأَنْصَارِيُّ الْأَنْدَلُسِيُّ الْمَرِيِّيُّ ، نَزِيلُ مُرْسِيَةَ ، ابْنُ حُبَيْشٍ ، وَحُبَيْشٌ هُوَ خَالُهُ ، فَيُنْسَبُ إِلَيْهِ . وُلِدَ بِالْمَرِيَّةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِمِائَةٍ . تَلَا بِالرِّوَايَاتِ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَصَبِيِّ ، وَابْنِ أَبِي رَجَاءٍ الْبَلَوِيِّ ، وَطَائِفَةٍ .
وَتَفَقَّهَ بِأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ وَرْدٍ ، وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ نَافِعٍ . وَسَمِعَ مِنْ خَلْقٍ ، مِنْهُمْ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ وَضَّاحٍ ، وَعَبْدُ الْحَقِّ بْنُ غَالِبٍ ، وَعَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ مُوهَبٍ . وَلَقِيَ بِقُرْطُبَةَ يُونُسَ بْنَ مُغِيثٍ ، وَجَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مَكِّيٍّ ، وَقَاضِيَ الْجَمَاعَةِ مُحَمَّدَ بْنَ أَصْبَغَ ، وَالْقَاضِيَ أَبَا بَكْرِ ابْنَ الْعَرَبِيِّ ، وَعِدَّةً .
رَوَى عَنْهُ : أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّرَسُوسِيُّ ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ بْنُ حَوْطِ اللَّهِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ صَلَتَانَ ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي الْعَافِيَةِ ، وَنَذِيرُ بْنُ وَهْبٍ ، وَالْحَافِظُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ ابْنِ الْقُرْطُبِيِّ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ بْنُ دِحْيَةَ ، وَعَلِيُّ بْنُ الشَّرِيكِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي السَّدَّادِ ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ ، وَقُصِدَ مِنَ الْبِلَادِ . وَأَخَذَ الْأَدَبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ النَّحْوِيِّ ، وَبَرَعَ فِي الْعَرَبِيَّةِ . وَلَمَّا تَغَلَّبَتِ الرُّومُ عَلَى الْمَرِيَّةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ، خَرَجَ إِلَى مُرْسِيَةَ ، ثُمَّ سَكَنَ جَزِيرَةَ شَقْرَ فَوَلِيَ الْقَضَاءَ وَالْخَطَابَةَ بِهَا .
وَكَانَ فِي خُلُقِهِ ضِيقٌ ، وَكَانَ مِنْ فُرْسَانِ الْحَدِيثِ بِالْأَنْدَلُسِ ، بَارِعًا فِي لُغَتِهِ ، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُجَارِيهِ فِي مَعْرِفَةِ الرِّجَالِ ، وَلَهُ خُطَبٌ حِسَانٌ ، وَتَصَانِيفُ وَسَعَةُ عِلْمٍ كَثِيرٍ جِدًّا . تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ : هُوَ أَعْلَمُ أَهْلِ طَبَقَتِهِ بِصِنَاعَةِ الْحَدِيثِ ، وَأَبْرَعُهُمْ فِي ذَلِكَ ، مَعَ مُشَارَكَتِهِ فِي عُلُومٍ ، وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ ، أَمْعَنَ النَّاسُ فِي الْأَخْذِ عَنْهُ .
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَيَّادٍ : كَانَ عَالِمًا بِالْقُرْآنِ ، إِمَامًا فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ ، وَاقِفًا عَلَى رِجَالِهِ ، لَمْ يَكُنْ بِالْأَنْدَلُسِ مَنْ يُجَارِيهِ فِيهِ ، أَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ أَهْلُ عَصْرِهِ ، مَعَ تَقَدُّمِهِ فِي اللُّغَةِ وَالْأَدَبِ ، وَاسْتِقْلَالِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الْفُنُونِ . قَالَ : وَكَانَ لَهُ حَظٌّ مِنَ الْبَلَاغَةِ وَالْبَيَانِ ، صَارِمًا فِي أَحْكَامِهِ ، جَزْلًا فِي أُمُورِهِ ، تَصَدَّرَ لِلْإِقْرَاءِ وَالتَّسْمِيعِ وَالْعَرَبِيَّةِ ، وَكَانَتِ الرِّحْلَةُ إِلَيْهِ فِي زَمَانِهِ ، وَطَالَ عُمُرُهُ ، وَلَهُ كِتَابُ الْمَغَازِي فِي خَمْسِ مُجَلَّدَاتٍ ، حَمَلَهُ عَنْهُ النَّاسُ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَبَّارُ : مَاتَ بِمُرْسِيَةَ فِي رَابِعَ عَشَرَ صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ، وَلَهُ ثَمَانُونَ سَنَةً ، وَكَادَ النَّاسُ أَنْ يَهْلِكُوا مِنَ الزَّحْمَةِ عَلَى نَعْشِهِ .
قُلْتُ : حَمَلَ عَنْهُ : مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ الدَّانِيُّ أَيْضًا ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَبُّونٍ الْمِصْرِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْمَالِقِيُّ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ بْنُ دِحْيَةَ وَأَخُوهُ ، وَالْعَلَّامَةُ أَبُو عَلِيٍّ الشَّلَوْبِينُ ، وَخَلْقٌ . فَقَالَ أَبُو الرَّبِيعِ الْكَلَاعِيُّ فِي شُيُوخِهِ : الْقَاضِي الْعَلَّامَةُ ابْنُ حُبَيْشٍ آخِرُ أَئِمَّةِ الْمُحَدِّثِينَ بِالْمَغْرِبِ ، وَالْمُسَلَّمُ لَهُ فِي حِفْظِ أَغْرِبَةِ الْحَدِيثِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ مَعَ مَتَانَةِ الدِّينِ ، لَقِيتُهُ بِمُرْسِيَةَ ، وَأَخَذْتُ عَنْهُ مُعْظَمَ مَا عِنْدَهُ ، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ ، وَسَمِعَهُ مِنِ ابْنِ مُغِيثٍ سَنَةَ 530 ، قَالَ : سَمِعْتُهُ عَلَى أَبِي عُمَرَ ابْنِ الْحَذَّاءِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ سَنَةَ 395 ، حَدَّثَنَا ابْنُ السَّكَنِ سَنَةَ 343 ، حَدَّثَنَا الْفَرَبْرِيُّ ، عَنِ الْبُخَارِيِّ ، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ مُصَنَّفَ النَّسَائِيِّ بِسَمَاعِهِ مِنِ ابْنِ مُغِيثٍ ، قَالَ : قَرَأْتُهُ عَلَى مَوْلَى ابْنِ الطَّلَّاعِ ، وَأَخْبَرَنَا بِهِ ابْنُ الْحَذَّاءِ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَسَدٍ ، أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ الْكِنَانِيُّ ، حَدَّثَنَا النَّسَائِيُّ .