حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
سير أعلام النبلاء

ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ

ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ ، الْفَقِيهُ الْبَارِعُ ، الْمُقْرِئُ الْأَوْحَدُ ، شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ ، قَاضِي الْقُضَاةِ ، شَرَفُ الدِّينِ ، عَالِمُ أَهْلِ الشَّامِ أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ ابْنِ الْمُطَهَّرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي عَصْرُونَ بْنِ أَبِي السَّرِيِّ التَّمِيمِيُّ الْحَدِيثِيُّ الْأَصْلُ ، الْمَوْصِلِيُّ ، الشَّافِعِيُّ . وُلِدَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ . وَتَفَقَّهَ عَلَى الْمُرْتَضَى الشَّهْرُزُورِيِّ وَالِدِ الْقَاضِي كَمَالِ الدِّينِ ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ خَمِيسٍ الْمَوْصِلِيِّ ، وَتَلَقَّنَ عَلَى الْمُسْلِمِ السُّرُوجِيِّ .

وَتَلَا بِالسَّبْعِ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَارِعِ ، وَبِالْعَشْرِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الْمَزْرَفِيِّ ، وَدَعْوَانَ بْنِ عَلِيٍّ ، وَسِبْطِ الْخَيَّاطِ . وَتَفَقَّهَ بِوَاسِطَ مُدَّةً عَلَى الْقَاضِي أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِقِيِّ ، وَتَلَا بِالرِّوَايَاتِ عَلَى أَبِي الْعِزِّ القَلَانِسِيِّ ؛ قَالَهُ ابْنُ النَّجَّارِ . وَعَلَّقَ بِبَغْدَادَ عَنْ أَسْعَدَ الْمِيهَنِيِّ ، وَأَخَذَ الْأُصُولَ عَنْ أَبِي الْفَتْحِ أَحْمَدَ بْنِ بَرْهَانَ ، وَسَمِعَ مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْحُصَيْنِ ، وَأَبِي الْبَرَكَاتِ ابْنِ الْبُخَارِيِّ ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، وَفِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِمِائَةٍ مِنْ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ طَوْقٍ ، وَحَصَّلَ عِلْمًا جَمًّا .

وَرَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ ، فَدَرَّسَ بِالْمَوْصِلِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ، ثُمَّ سَكَنَ سِنْجَارَ مُدَّةً ، وَقَدِمَ حَلَبَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَدَرَّسَ بِهَا ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ صَاحِبُهَا نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِيٍّ ، ثُمَّ قَدِمَ مَعَهُ دِمَشْقَ إِذْ تَمَلَّكَهَا ، وَدَرَّسَ بِالْغَزَّالِيَّةِ ، وَوَلِيَ نَظَرَ الْأَوْقَافِ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَلَبَ ، ثُمَّ وَلِيَ قَضَاءَ حَرَّانَ وَسِنْجَارَ وَدِيَارِ رَبِيعَةَ ، وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ أَئِمَّةٌ ، ثُمَّ عَادَ إِلَى دِمَشْقَ سَنَةَ سَبْعِينَ ، ثُمَّ وَلِيَ قَضَاءَهَا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَصَنَّفَ التَّصَانِيفَ ، وَأَقْرَأَ الْقِرَاءَاتِ وَالْفِقْهَ ، وَاشْتَهَرَ ذِكْرُهُ ، وَعَظُمَ قَدْرُهُ . أَلَّفَ كِتَابَ صَفْوَةُ الْمَذْهَبِ فِي نِهَايَةِ الْمَطْلَبِ وَهُوَ سَبْعُ مُجَلَّدَاتٍ ، وَكِتَابَ الِانْتِصَارُ فِي أَرْبَعِ مُجَلَّدَاتٍ ، وَكِتَابَ الْمُرْشِدُ فِي مُجَلَّدَيْنِ ، وَكِتَابَ الذَّرِيعَةُ فِي مَعْرِفَةِ الشَّرِيعَةِ ، وَكِتَابَ التَّيْسِيرُ فِي الْخِلَافِ أَرْبَعَةُ أَجْزَاءٍ ، وَكِتَابَ مَآخِذُ النَّظَرِ ، وَكِتَابَ الْفَرَائِضُ ، وَكِتَابَ الْإِرْشَادُ فِي نُصْرَةِ الْمَذْهَبِ ، وَمَا كَمُلَ . وَبَنَى لَهُ نُورُ الدِّينِ مَدَارِسَ بِحَلَبَ وَحَمَاةَ وَحِمْصَ وَبَعْلَبَكَّ ، وَبَنَى لِنَفْسِهِ مَدْرَسَةً بِحَلَبَ وَمَدْرَسَةً بِدِمَشْقَ ، وَقَبْرُهُ بِهَا .

مِنْ تَأْلِيفِهِ : كِتَابُ التَّنْبِيهُ فِي مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ ، وَكِتَابُ فَوَائِدُ الْمُهَذَّبِ مُجَلَّدَانِ ، وَصَنَّفَ جُزْءًا فِي صِحَّةِ قَضَاءِ الْأَعْمَى لَمَّا أُضِرَّ ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ وَفِي ذَلِكَ وَجْهٌ قَوِيٌّ . وَلَمَّا وَلِيَ قَضَاءَ دِمَشْقَ ، نَابَ عَنْهُ الْقَاضِي مُحْيِي الدِّينِ مُحَمَّدُ ابْنُ الزَّكِيِّ ، وَأَوْحَدُ الدِّينِ دَاوُدُ ، وَكُتِبَ لَهُمَا تَقْلِيدٌ مِنَ السُّلْطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ بِالنِّيَابَةِ ، وَلَمَّا فَقَدَ بَصَرَهُ ، قَلَّدَ السُّلْطَانُ الْقَضَاءَ وَلَدَهُ مُحْيِي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْزِلَ الْوَالِدَ ، وَاسْتَقَلَّ مُحْيِي الدِّينِ ابْنُهُ إِلَى سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ ، ثُمَّ صَرَفَ بِمُحْيِي الدِّينِ ابْنِ الزَّكِيِّ . حَدَّثَ عَنْ أَبِي سَعْدٍ جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ : الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ ابْنُ قُدَامَةَ ، وَأَبُو الْقَاسِمِ بْنُ صَصْرَى ، وَالْقَاضِي أَبُو نَصْرِ بْنُ الشِّيرَازِيِّ ، وَعَبْدُ اللَّطِيفِ بْنُ سِيمَا ، وَ [ مَحْمُودُ بْنُ ] عَلِيِّ بْنِ قَرْقِينَ وَصِدِّيقُ بْنُ رَمَضَانَ ، وَالْعِمَادُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ النَّحَّاسِ ، وَالْإِمَامُ بَهَاءُ الدِّينِ ابْنُ الْجُمَّيْزِيِّ .

وَلِأَبِي سَعْدٍ نَظْمٌ جَيِّدٌ ، مِنْهُ أَمُسْتَخْبِرِي عَنْ حَنِينِي إِلَيْهِ وَعَنْ زَفَرَاتِي وَفَرْطِ اشْتِيَاقِي لَكَ الْخَيْرُ إِنَّ بِقَلْبِي إِلَيْكَ ظَمًا لَا يُرَوِّيهِ إِلَّا التَّلَاقِي وَلَهُ : يَا سَائِلِي كَيْفَ حَالِي بَعْدَ فُرْقَتِهِ حَاشَاكَ مِمَّا بِقَلْبِي مِنْ تَنَائِيكَا قَدْ أَقْسَمَ الدَّمْعُ لَا يَجْفُو الْجُفُونَ أَسًى وَالنَّوْمُ لَا زَارَهَا حَتَّى أُلَاقِيكَا وَقَرَأْتُ بِخَطِّ الشَّيْخِ الْمُوَفَّقِ ، قَالَ : سَمِعْنَا دَرْسَهُ مَعَ أَخِي أَبِي عُمَرَ وَانْقَطَعْنَا ، فَسَمِعْتُ أَخِي يَقُولُ : دَخَلْتُ عَلَيْهِ بَعْدُ ، فَقَالَ : لِمَ انْقَطَعْتُمْ عَنِّي ؟ قُلْتُ : إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ : إِنَّكَ أَشْعَرِيٌّ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا أَنَا أَشْعَرِيٌّ . هَذَا مَعْنَى الْحِكَايَةِ . وَتَلَا عَلَيْهِ بِالْعَشْرِ ابْنُ الْجُمَّيْزِيِّ .

تُوُفِّيَ فِي حَادِي عَشْرَ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ .

موقع حَـدِيث