ابْنُ الْأَثِيرِ
ابْنُ الْأَثِيرِ الْقَاضِي الرَّئِيسُ الْعَلَّامَةُ الْبَارِعُ الْأَوْحَدُ الْبَلِيغُ مَجْدُ الدِّينِ أَبُو السَّعَادَاتِ الْمُبَارَكُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الشَّيْبَانِيُّ الْجَزَرِيُّ ثُمَّ الْمَوْصِلِيُّ ، الْكَاتِبُ ابْنُ الْأَثِيرِ صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ وَ غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . مَوْلِدُهُ بِجَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ فِي أَحَدِ الرَّبِيعَيْنِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمائة وَنَشَأَ بِهَا ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَوْصِلِ ، وَسَمِعَ مِنْ يَحْيَى بْنِ سَعْدُونَ الْقُرْطُبِيِّ ، وَخَطِيبِ الْمَوْصِلِ وَطَائِفَةٍ . وَرَوَى الْكُتُبَ نَازِلًا فَأَسْنَدَ صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ سَرَايَا عَنْ أَبِي الْوَقْتِ ، وَ صَحِيحَ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي يَاسِرِ بْنِ أَبِي حَبَّةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ السَّمَرْقَنْدِيِّ ، عَنِ التُّنْكُتِيِّ ، عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ .
ثُمَّ عَنِ ابْنِ سُكَيْنَةَ إِجَازَةً عَنِ الْفُرَاوِيِّ ، وَ الْمُوَطَّأَ عَنِ ابْنِ سَعْدُونَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَتَّابٍ عَنِ ابْنِ مُغِيثٍ فَوَهِمَ ، وَ سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ بِسَمَاعِهِ مِنَ ابْنِ سُكَيْنَةَ ، وَ سُنَنَ النَّسَائِيِّ ، أَخْبَرَنَا يَعِيشُ بْنُ صَدَقَةَ عَنِ ابْنِ مَحْمَوَيْهِ . ثُمَّ اتَّصَلَ بِالْأَمِيرِ مُجَاهِدِ الدِّينِ قَيْمَازَ الْخَادِمِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ مَخْدُومُهُ ، فَكَتَبَ الْإِنْشَاءَ لِصَاحِبِ الْمَوْصِلِ عِزِّ الدِّينِ مَسْعُودٍ الْأَتَابِكِيِّ ، وَوَلِيَ دِيوَانَ الْإِنْشَاءِ ، وَعَظُمَ قَدْرُهُ . وَلَهُ الْيَدُ الْبَيْضَاءُ فِي التَّرَسُّلِ ، وَصَنَّفَ فِيهِ .
ثُمَّ عَرَضَ لَهُ فَالِجٌ فِي أَطْرَافِهِ ، وَعَجَزَ عَنِ الْكِتَابَةِ ، وَلَزِمَ دَارَهُ ، وَأَنْشَأَ رِبَاطًا فِي قَرْيَةٍ وَقَفَ عَلَيْهِ أَمْلَاكَهُ ، وَلَهُ نَظْمٌ يَسِيرٌ . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو شَامَةَ قَرَأَ الْحَدِيثَ وَالْعِلْمَ وَالْأَدَبَ ، وَكَانَ رَئِيسًا مُشَاوِرًا ، صَنَّفَ جَامِعُ الْأُصُولِ وَ النِّهَايَةُ وَشَرْحًا لِمُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ وَكَانَ بِهِ نِقْرِسٌ ، فَكَانَ يُحْمَلُ فِي مَحَفَّةٍ ، قَرَأَ النَّحْوَ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ سَعِيدِ ابْنِ الدَّهَّانِ ، وَأَبِي الْحَرَمِ مَكِّيٍّ الضَّرِيرِ . إِلَى أَنْ قَالَ : وَلَمَّا حَجَّ سَمِعَ بِبَغْدَادَ مِنَ ابْنِ كُلَيْبٍ وَحَدَّثَ ، وَانْتَفَعَ بِهِ النَّاسُ ، وَكَانَ وَرِعًا ، عَاقِلًا ، بَهِيًّا ، ذَا بِرٍّ وَإِحْسَانٍ .
وَأَخُوهُ عِزُّ الدِّينِ عَلِيٌّ صَاحِبُ التَّارِيخِ ، وَأَخُوهُمَا الصَّاحِبُ ضِيَاءُ الدِّينِ مُصَنِّفُ كِتَابِ الْمَثَلُ السَّائِرُ . وَقَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ لِمَجْدِ الدِّينِ كِتَابُ الْإِنْصَافُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْكَشْفِ وَالْكَشَّافِ تَفْسِيرَيِ الثَّعْلَبِيِّ وَالزَّمَخْشَرِيِّ ، وَلَهُ كِتَابُ الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارُ فِي الْأَدْعِيَةِ وَالْأَذْكَارِ وَكِتَابٌ لَطِيفٌ فِي صِنَاعَةِ الْكِتَابَةِ ، وَكِتَابُ الْبَدِيعُ فِي شَرْحِ مُقَدَّمَةِ ابْنِ الدَّهَّانِ وَلَهُ دِيوَانُ رَسَائِلَ . قُلْتُ : رَوَى عَنْهُ وَلَدُهُ ، وَالشِّهَابُ الْقُوصِيُّ ، وَالْإِمَامُ تَاجُ الدِّينِ ، عَبْدُ الْمُحْسِنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَامِضِ شَيْخُ الْبَاجَرْبَقِيِّ وَطَائِفَةٌ .
وَآخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ بِالْإِجَازَةِ الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّينِ ابْنُ الْبُخَارِيِّ . قَالَ ابْنُ الشَّعَّارِ كَانَ كَاتِبَ الْإِنْشَاءِ لِدَوْلَةِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ نُورِ الدِّينِ أَرَسْلَانَ شَاهْ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ مَوْدُودٍ ، وَكَانَ حَاسِبًا ، كَاتِبًا ، ذَكِيًّا ، إِلَى أَنْ قَالَ : وَمِنْ تَصَانِيفِهِ كِتَابُ الْفُرُوقُ فِي الْأَبْنِيَةِ وَكِتَابُ الْأَذْوَاءُ وَالذَّوَاتُ وَكِتَابُ الْمُخْتَارُ فِي مَنَاقِبِ الْأَخْيَارِ وَ شَرْحُ غَرِيبِ الطِّوَالِ . قَالَ : وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بُخْلًا .
قُلْتُ : مَنْ وَقَفَ عَقَارَهُ لِلَّهِ فَلَيْسَ بِبَخِيلٍ ، فَمَا هُوَ بِبَخِيلٍ ، وَلَا بِجَوَادٍ ، بَلْ صَاحِبُ حَزْمٍ وَاقْتِصَادٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ ! عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً . تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّمائة بِالْمَوْصِلِ . حَكَى أَخُوهُ الْعِزُّ ، قَالَ : جَاءَ مَغْرِبِيٌّ عَالَجَ أَخِي بِدُهْنٍ صَنَعَهُ ، فَبَانَتْ ، ثَمَرَتُهُ ، وَتَمَكَّنَ مَنْ مَدِّ رِجْلَيْهِ ، فَقَالَ لِي : أَعْطِهِ مَا يُرْضِيهِ وَاصْرِفْهُ قُلْتُ : لِمَاذَا وَقَدْ ظَهَرَ النَّجْحُ ؟ قَالَ : هُوَ كَمَا تَقُولُ ، وَلَكِنِّي فِي رَاحَةٍ مَنْ تَرْكِ هَؤُلَاءِ الدَّوْلَةَ ، وَقَدْ سَكَنَتْ نَفْسِي إِلَى الِانْقِطَاعِ وَالدَّعَةِ ، وَبِالْأَمْسِ كُنْتُ أُذَلُّ بِالسَّعْيِ إِلَيْهِمْ ، وَهُنَا فَمَا يَجِيئُوَنِي إِلَّا فِي مَشُورَةٍ مُهِمَّةٍ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنَ الْعُمْرِ إِلَّا الْقَلِيلُ .