ابْنُ الْأَثِيرِ
ابْنُ الْأَثِيرِ الصَّاحِبُ الْعَلَّامَةُ الْوَزِيرُ ضِيَاءُ الدِّينِ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الشَّيْبَانِيُّ الْجَزَرِيُّ الْمُنْشِئُ صَاحِبُ كِتَابِ الْمَثَلِ السَّائِرِ فِي أَدَبِ الْكَاتِبِ وَالشَّاعِرِ . مَوْلِدُهُ بِجَزِيرَةِ بْنِ عُمَرَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِ مِائَةٍ وَتَحَوَّلَ مِنْهَا مَعَ أَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ ، فَنَشَأَ بِالْمَوْصِلِ ، وَحَفِظَ الْقُرْآنَ ، وَأَقْبَلَ عَلَى النَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالشِّعْرِ وَالْأَخْبَارِ . وَقَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوَشْيِ لَهُ : حَفِظْتُ مِنَ الْأَشْعَارِ مَا لَا أُحْصِيهِ ، ثُمَّ اقْتَصَرْتُ عَلَى الدَّوَاوِينِ لِأَبِي تَمَّامٍ وَالْبُحْتُرِيِّ وَالْمُتَنَبِّي فَحَفِظْتُهَا .
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ : قَصَدَ السُّلْطَانَ صَلَاحَ الدِّينِ فَقَدَّمَهُ وَوَصَلَهُ الْقَاضِي الْفَاضِلُ ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ أَشْهُرًا ، ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إِلَى وَلَدِهِ الْمَلِكِ الْأَفْضَلِ فَاسْتَوْزَرَهُ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ صَلَاحُ الدِّينِ تَمَلَّكَ الْأَفْضَلُ دِمَشْقَ وَفَوَّضَ الْأُمُورَ إِلَى الضِّيَاءِ ، فَأَسَاءَ الْعِشْرَةَ ، وَهَمُّوا بِقَتْلِهِ ، فَأُخْرِجَ فِي صُنْدُوقٍ ، وَسَارَ مَعَ الْأَفْضَلِ إِلَى مِصْرَ ، فَرَاحَ الْمُلْكُ مِنَ الْأَفْضَلِ ، وَاخْتَفَى الضِّيَاءُ ، وَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْأَفْضَلُ بِسُمَيْسَاطَ ذَهَبَ إِلَيْهِ الضِّيَاءُ ، ثُمَّ فَارَقَهُ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَسِتِّ مِائَةٍ ، فَاتَّصَلَ بِصَاحِبِ حَلَبَ ، فَلَمْ يَنْفُقْ ، فَتَأَلَّمَ ، وَذَهَبَ إِلَى الْمَوْصِلِ فَكَتَبَ لِصَاحِبِهَا . وَلَهُ يَدٌ طُولَى فِي التَّرَسُّلِ ، كَانَ يُجَارِي الْقَاضِيَ الْفَاضِلَ وَيُعَارِضُهُ ، وَبَيْنَهُمَا مُكَاتَبَاتٌ وَمُحَارَبَاتٌ . وَقَالَ ابْنُ النَّجَّارِ : قَدِمَ بَغْدَادَ رَسُولًا غَيْرَ مَرَّةٍ ، وَحَدَّثَ بِهَا بِكِتَابِهِ ، وَمَرِضَ فَتُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَسِتِّ مِائَةٍ وَقِيلَ : كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ عِزِّ الدِّينِ مُقَاطَعَةٌ وَمُجَانَبَةٌ شَدِيدَةٌ .