الْفَخْرُ
الْفَخْرُ الصَّاحِبُ الْكَبِيرُ مَلِكُ الْأُمَرَاءِ فَخْرُ الدِّينِ يُوسُفُ ابْنُ شَيْخِ الشُّيُوخِ . مَوْلِدُهُ بِدِمَشْقَ بَعْدَ الثَّمَانِينَ وَخَمْسِ مِائَةٍ . وَسَمِعَ مِنْ مَنْصُورٍ الطَّبَرِيِّ ، وَالشِّهَابِ الْغَزْنَوِيِّ .
وَحَدَّثَ ، وَكَانَ صَدْرًا مُعَظَّمًا عَاقِلًا شُجَاعًا مَهِيبًا جَوَادًا خَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ ، غَضِبَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ نَجْمُ الدِّينِ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَسَجَنَهُ ثَلَاثَ سِنِينَ ، وَقَاسَى شَدَائِدَ ، ثُمَّ أَنْعَمَ عَلَيْهِ ، وَوَلَّاهُ نِيَابَةَ الْمَمْلَكَةِ ، وَكَانَ يَتَنَاوَلُ الْمُسْكِرَ ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ نَدَبُوا فَخْرَ الدِّينِ إِلَى السَّلْطَنَةِ ، فَامْتَنَعَ ، وَلَوْ أَجَابَ لَتَمَّ له . قِيلَ : إِنَّهُ لَمَّا قَدِمَ مَعَ السُّلْطَانِ دِمَشْقَ نَزَلَ فِي دَارِ سَامَةَ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ الْعِمَادُ ابْنُ النَّحَّاسِ ، فَقَالَ لَهُ : يَا فَخْرَ الدِّينِ ، إِلَى كَمْ ؟ مَا بَعْدَ هَذَا شَيْءٌ ؟ . فَقَالَ : يَا عِمَادَ الدِّينِ وَاللَّهِ لَأَسْبِقَنَّكَ إِلَى الْجَنَّةِ ، فَصَدَّقَ اللَّهُ قَوْلَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ وَقْعَةِ الْمَنْصُورَةِ .
وَلَمَّا مَاتَ الصَّالِحُ نَهَضَ بِأَعْبَاءِ الْأَمْرِ ، وَأَحْسَنَ ، وَأَنْفَقَ فِي الْجُنْدِ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ ، وَبَطَّلَ بَعْضَ الْمُكُوسِ ، وَرَكِبَ بِالشَّاوِيشِيَّةِ ، وَبَعَثَ الْفَارِسَ أَقْطَايَا إِلَى حِصْنِ كِيفَا لِإِحْضَارِ وَلَدِ الصَّالِحِ الْمُعَظَّمِ تُورَانْشَاهْ ، فَأَقْدَمَهُ ، وَلَقَدْ هَمَّ تُورَانْشَاهْ بِإِمْسَاكِهِ لِمَا رَأَى مِنْ تَمَكُّنِهِ فَاتَّفَقَ قَصْدُ الْفِرِنْجِ وَزَحْفُهُمْ عَلَى الْجَيْشِ فَتَقَهْقَرَ الْجَيْشُ وَانْهَزَمُوا ، فَرَكِبَ فَخْرُ الدِّينِ وَقْتَ السَّحَرِ وَبَعَثَ النُّقَبَاءَ وَرَاءَ الْمُقَدَّمِينَ ، وَسَاقَ فِي طَلَبِهِ ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ طَلَبُ الدَّيْوِيَّةَ فَتَفَلَّلَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ ، وَجَاءَتْهُ طَعْنَةٌ ، فَسَقَطَ وَقُتِلَ ، وَنَهَبَتْ مَمَالِيكُهُ أَمْوَالَهُ ، وَقُتِلَ مَعَهُ جَمْدَارُهُ ، وَقُتِلَ عِدَّةٌ . ثُمَّ تَنَاخَى الْمُسْلِمُونَ ، وَحُمِلَ فَدُفِنَ بِالْقَاهِرَةِ . قُتِلَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّ مِائَةٍ .