ابْنُ النَّجَّارِ
ابْنُ النَّجَّارِ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْحَافِظُ الْبَارِعُ مُحَدِّثُ الْعِرَاقِ مُؤَرِّخُ الْعَصْرِ مُحِبُّ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ حَسَنِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ مَحَاسِنَ الْبَغْدَادِيُّ ، ابْنُ النَّجَّارِ . مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ . أَوَّلُ سَمَاعِهِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَهُوَ قَلِيلٌ ، وَأَوَّلُ دُخُولِهِ فِي الطَّلَبِ وَهُوَ حَدَثٌ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ ; فَسَمِعَ مِنْ : أَبِي الْفَرَجِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ كُلَيْبٍ ، وَيَحْيَى بْنِ بَوْشٍ ، وَذَاكِرِ بْنِ كَامِلٍ ، وَالْمُبَارَكِ ابْنِ الْمَعْطُوشِ ، وَأَبِي الْفَرَجِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ ، وَأَصْحَابِ ابْنِ الْحُصَيْنِ ، وَقَاضِي الْمَرَسْتَانِ ، ثُمَّ أَصْحَابِ ابْنِ نَاصِرٍ ، وَأَبِي الْوَقْتِ ، ثُمَّ يَنْزِلُ إِلَى أَصْحَابٍ ابْنِ الْبَطِّيِّ ، وَشُهْدَةَ ، وَتَلَا بِالْعَشَرَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى أَبِي أَحْمَدَ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ سُكَيْنَةَ ، وَجَمَاعَةٍ ، وَارْتَحَلَ إِلَى أَصْبَهَانَ ، فَسَمِعَ بِهَا مِنْ عَيْنِ الشَّمْسِ الثَّقَفِيَّةِ ، وَالْمَوْجُودِينَ ، وَإِلَى هَرَاةَ فَسَمِعَ مِنْ أَبِي رَوْحٍ عَبْدِ الْمُعِزِّ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَإِلَى نَيْسَابُورَ فَسَمِعَ مِنَ : الْمُؤَيَّدِ الطُّوسِيِّ ، وَزَيْنَبَ بِنْتِ الشِّعْرِيِّ ، وَبِمِصْرَ مِنَ الْحَافِظِ عَلِيِّ بْنِ الْمُفَضَّلِ ، وَخَلْقٍ ، وَبِدِمَشْقَ مِنْ : أَبِي الْيُمْنِ الْكِنْدِيِّ ، وَابْنِ الْحَرَسْتَانِيِّ .
قَالَ فِي أَوَّلِ تَارِيخِهِ : كُنْتُ وَأَنَا صَبِيٌّ عَزَمْتُ عَلَى تَذْيِيلِ الذَّيْلِ لِابْنِ السَّمْعَانِيِّ ، فَجَمَعْتُ فِي ذَلِكَ مُسَوَّدَةً ، وَرَحَلْتُ وَأَنَا ابْنُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً ، فَدَخَلْتُ الْحِجَازَ وَالشَّامَ وَمِصْرَ وَالثَّغْرَ وَبِلَادَ الْجَزِيرَةِ وَالْعِرَاقَ وَالْجِبَالَ وَخُرَاسَانَ ، وَقَرَأْتُ الْكُتُبَ الْمُطَوَّلَاتِ ، وَرَأَيْتُ الْحُفَّاظَ ، وَكُنْتُ كَثِيرَ التَّتَبُّعِ لِأَخْبَارِ فُضَلَاءِ بَغْدَادَ وَمَنْ دَخَلَهَا . قُلْتُ : سَادَ فِي هَذَا الْعِلْمِ . حَدَّثَ عَنْهُ أَبُو حَامِدِ ابْنُ الصَّابُونِيِّ ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْفَارُوثِيُّ ، وَأَبُو بَكْرٍ الشَّرِيشِيُّ ، وَالْغَرَّافِيُّ ، وَابْنُ بَلْبَانَ النَّاصِرِيُّ ، وَالْفَتْحُ مُحَمَّدُ الْقَزَّازُ ، وَآخَرُونَ .
وَبِالْإِجَازَةِ جَمَاعَةٌ . وَاشْتَهَرَ ، وَكَتَبَ عَمَّنْ دَبَّ وَدَرَجَ مِنْ عَالٍ وَنَازِلٍ ، وَمَرْفُوعٍ وَأَثَرٍ ، وَنَظْمٍ وَنَثْرٍ ، وَبَرَعَ وَتَقَدَّمَ ، وَصَارَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِبَلَدِهِ ، وَرَحَلَ ثَانِيًا إِلَى أَصْبَهَانَ فِي حُدُودِ الْعِشْرِينَ ، وَحَجَّ وَجَاوَرَ ، وَعَمِلَ تَارِيخًا حَافِلًا لِبَغْدَادَ ذَيَّلَ بِهِ وَاسْتَدْرَكَ عَلَى الْخَطِيبِ ، وَهُوَ فِي مِائَتَيْ جُزْءٍ يُنْبِئُ بِحِفْظِهِ وَمَعْرِفَتِهِ ، وَكَانَ مَعَ حِفْظِهِ فِيهِ دِينٌ وَصِيَانَةٌ وَنُسُكٌ . قَالَ ابْنُ السَّاعِي : اشْتَمَلَتْ مَشْيَخَتُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ آلَافِ شَيْخٍ وَأَرْبَعِ مِائَةِ امْرَأَةٍ .
عَرَضُوا عَلَيْهِ السُّكْنَى فِي رِبَاطِ شَيْخِ الشُّيُوخِ فَأَبَى ، وَقَالَ : مَعِي ثَلَاثُ مِائَةِ دِينَارٍ فَلَا يَحْلُ لِي أَنْ أَرْتَفِقَ مِنْ وَقْفٍ ، فَلَمَّا فُتِحَتِ الْمُسْتَنْصِرِيَّةِ كَانَ قَدِ افْتَقَرَ فَجَعَلَ مُشْغلًا بِهَا فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ . أَلَّفَ كِتَابَ الْقَمَرِ الْمُنِيرِ فِي الْمُسْنَدِ الْكَبِيرِ ، فَذَكَرَ كُلَّ صَحَابِيٍّ وَمَا لَهُ مِنَ الْحَدِيثِ ، وَكِتَابَ كَنْزِ الْإِمَامِ فِي السُّنَنِ وَالْأَحْكَامِ ، وَكِتَابَ الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ ذَيَّلَ بِهِ عَلَى الْأَمِيرِ ابْنِ مَاكُولَا ، وَكِتَابَ الْمُتَّفِقِ وَالْمُفْتَرِقِ ، وَكِتَابَ انْتِسَابِ الْمُحْدَثِينَ إِلَى الْآبَاءِ وَالْبُلْدَانِ ، وَكِتَابَ عَوَالِيهِ ، وَكِتَابَ جَنَّةِ النَّاظِرِينَ فِي مَعْرِفَةِ التَّابِعِينَ ، وَكِتَابَ الْعَقْدِ الْفَائِقِ وَكِتَابَ الْكَمَالِ فِي الرِّجَالِ . وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ ذَيْلَ التَّارِيخِ ، وَلَهُ كِتَابُ الدُّرَرِ الثَّمِينَةِ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ ، وَكِتَابُ رَوْضَةِ الْأَوْلِيَاءِ فِي مَسْجِدِ إِيلِيَاءَ ، وَكِتَابُ نُزْهَةِ الْقِرَى فِي ذِكْرِ أُمِّ الْقُرَى ، وَكِتَابُ الْأَزْهَارِ فِي أَنْوَاعِ الْأَشْعَارِ ، وَكِتَابُ عُيُونِ الْفَوَائِدِ سِتَّةُ أَسْفَارٍ ، وَكِتَابُ مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ ، وَأَوْصَى إِلَيَّ ، وَوَقَفَ كُتُبَهُ بِالنِّظَامِيَّةِ ، فَنَفَّذَ إِلَيَّ الشَّرَابِيُّ مِائَةَ دِينَارٍ لِتَجْهِيزَ جِنَازَتِهِ .
وَرَثَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ ، وَكَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الدُّنْيَا ، تُوُفِّيَ فِي خَامِسِ شَعْبَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ . قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ فِي تَرْجَمَةِ ابْنِ دِحْيَةَ : لَمَّا دَخَلْتُ مِصْرَ طَلَبَنِي السُّلْطَانُ - يَعْنِي الْكَامِلَ - فَحَضَرْتُ عِنْدَهُ ، وَكَانَ يَسْأَلُنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنَ الْحَدِيثِ ، وَأَيَّامِ النَّاسِ ، وَأَمَرَنِي بِمُلَازَمَةِ الْقَلْعَةِ ، فَكُنْتُ أَحْضَرُ فِيهَا كُلَّ يَوْمٍ . أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْعَلَوِيُّ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودٍ الْحَافِظُ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمُعِزِّ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ، أَخْبَرَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَيُّوبَ ، أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ ، أَخْبَرَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ كَتَمَ عِلْمًا عَلِمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ .
وَأَخْبَرْنَاهُ عَالِيًا أَحْمَدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ الْمُعِزِّ بْنِ مُحَمَّدٍ . وَفِي تَارِيخِ ابْنِ النَّجَّارِ أَنَّ وَالِدَهُ مَاتَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ وَلَهُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً ، وَكَانَ مُقَدَّمَ النَّجَّارِينَ بِدَارِ الْخِلَافَةِ ، وَكَانَ مِنَ الْعَوَامِّ .