حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
سير أعلام النبلاء

النَّاصِرُ

النَّاصِرُ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ صَلَاحُ الدُّنْيَا وَالدِّينِ يُوسُفُ بْنُ الْمَلِكِ الْعَزِيزِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ غَازِي ابْنِ السُّلْطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ صَاحِبُ حَلَبَ وَدِمَشْقَ . مَوْلِدُهُ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّ مِائَةٍ . وَمَلَّكَهُ خَالُهُ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ الْكَامِلُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ رِعَايَةً لِأُخْتِهِ الصَّاحِبَةِ جَدَّةِ النَّاصِرِ ، فَدَبَّرَ دَوْلَتَهُ الْمُقِرُّ شَمْسُ الدِّينِ لُؤْلُؤٌ الْأَمِينِيُّ ، وَإِقْبَالٌ ، وَالْجَمَالُ الْقَفْطِيُّ الْوَزِيرُ ، وَالْأُمُورُ كُلُّهَا مَنُوطَةٌ بِالصَّاحِبَةِ ، وَتَوَجَّهَ رَسُولًا قَاضِيَ حَلَبَ زَيْنُ الدِّينِ ابْنُ الْأُسْتَاذِ إِلَى الْكَامِلِ وَمَعَهُ سِلَاحُ الْعَزِيزِ وَعُدَّتُهُ فَحَزِنَ عَلَيْهِ الْكَامِلُ .

وَفِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ نَازَلَ السُّلْطَانُ دِمَشْقَ فَفُتِحَتْ لَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَجَعَلَهَا دَارَ مُلْكِهِ ، ثُمَّ سَارَعَ لِيَأْخُذَ مِصْرَ فَانْكَسَرَ وَقُتِلَ نَائِبُهُ لُؤْلُؤٌ . وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ كَانَ عُرْسُهُ عَلَى بِنْتِ صَاحِبِ الرُّومِ وَأَوْلَدَهَا . وَكَانَ جَوَادًا مُمَدَّحًا ، حَسَنَ الْأَخْلَاقِ ، مَزَّاحًا ، لَعَّابًا ، كَثِيرَ الْحِلْمِ ، مُحِبًّا لِلْأَدَبِ وَالْعِلْمِ ، وَفِي دَوْلَتِهِ انْحِلَالٌ وَانْخِنَاثٌ ; لِعَدَمِ سَطْوَتِهِ ، وَكَانَ يُمَدُّ سِمَاطَهُ بَاهِرًا مِنَ الدَّجَاجِ الْمُحْشِيِّ وَيُذْبَحُ لَهُ فِي الْيَوْمِ أَرْبَعُ مِائَةِ رَأْسٍ ، فَيَبِيعُ الْفَرَّاشُونَ مِنَ الزَّبَادِيِّ الْكِبَارِ الْفَاخِرَةِ الْأَطْعِمَةِ شَيْئًا كَثِيرًا ; بِحَيْثُ إِنَّ النَّاصِرَ زَارَ يَوْمًا الْعِزَّ الْمُطَرِّزِ فَمَدَّ لَهُ أَطْعِمَةً فَاخِرَةً فَتَعَجَّبَ وَكَيْفَ تَهَيَّأَ ذَلِكَ ، فَقَالَ : يَا خُونْدُ لَا تَعْجَبْ فَكُلُّهُ مِنْ فَضْلَةِ سِمَاطِ السُّلْطَانِ أَيَّدَهُ اللَّهُ .

وَكَانَ السُّلْطَانُ يَحْفَظُ كَثِيرًا مِنَ النَّوَادِرِ وَالْأَشْعَارِ ، وَيُبَاسِطُ جُلَسَاءَهُ ، وَقِيلَ : رُبَّمَا غَرِمَ عَلَى السِّمَاطِ عِشْرِينَ أَلْفًا . أَنْشَأَ مَدْرَسَتَهُ بِدِمَشْقَ ، وَحَضَرَهَا يَوْمَ التَّدْرِيسِ ، وَأَنْشَأَ الرِّبَاطَ الْكَبِيرَ ، وَأَنْشَأَ خَانَ الطُّعْمِ ، وَلَمَّا أَقْبَلَتِ التَّتَارُ ، تَأَخَّرَ إِلَى قَطْيَا ، ثُمَّ خَافَ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ ، فَشَرَّقَ نَحْوَ التِّيهِ ، وَرَدَّ إِلَى الْبَلْقَاءِ فَكَبَسَتْهُ التَّتَارُ فَهَرَبَ ، ثُمَّ انْخَدَعَ وَاغْتَرَّ بِأَمَانِهِمْ ، فَذَهَبَ وَنَدِمَ ، وَبَقِيَ فِي هَوَانٍ وَغُرْبَةٍ ، هُوَ وَأَخُوهُ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ . وَقِيلَ : لَمَّا كَبَسُوهُ دَخَلَ الْبَرِّيَّةَ فَضَايَقُوهُ حَتَّى عَطِشَ فَسَلَّمَ نَفْسَهُ ، فَأَتَوْا بِهِ إِلَى كَتْبُغَا وَهُوَ يُحَاصِرُ عَجْلُونَ فَوَعَدَهُ وَكَذَبَهُ وَسَقَاهُ خَمْرًا ، وَقِيلَ : أَكْرَمَهُ هُولَاوَو مُدَّةً ، فَلَمَّا جَاءَهُ قَتْلُ كَتْبُغَا انْزَعَجَ وَأَخْرَجَ غَيْظَهُ فِي النَّاصِرِ وَأَخِيهِ ، فَيُقَالُ : قُتِلَ بِالسَّيْفِ بِتِبْرِيزَ رَمَاهُ بِسَهْمٍ ، وَضُرِبَتْ عُنُقَ أَخِيهِ وَجَمَاعَةٍ مِمَّنْ مَعَهُ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّ مِائَةٍ وَعَاشَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سَنَةً رَحِمَهُ اللَّهُ .

وَقِيلَ : إِنَّهُ مَا سَلَّمَ نَفْسَهُ إِلَى التَّتَارِ حَتَّى بَلَغَتْ عِنْدَهُ الشَّرْبَةُ مِائَةَ دِينَارٍ . ذَكَرَ قُطْبُ الدِّينِ إِنَّ هُولَاكُو لَمَّا سَمِعَ بِهَزِيمَةِ عَيْنِ جَالُوتَ غَضِبَ وَتَنَكَّرَ لِلنَّاصِرِ ، وَلَمَّا بَلَغَهُ وَقْعَةُ حِمْصَ انْزَعَجَ ، وَقَتَلَهُ ، وَقِيلَ : خَصَّهُ بِعَذَابٍ دُونَ رِفَاقِهِ ، وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ . قَالَ ابْنُ وَاصِلٍ : عُمِلَ عَزَاؤُهُ بِدِمَشْقَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ تِسْعٍ ، قَالَ : وَصُورَةُ ذَلِكَ مَا تَوَاتَرَ أَنَّ هُولَاكُو لَمَّا بَلَغَهُ كَسْرَةُ جَيْشِهِ بِعَيْنِ جَالُوتَ وَحِمْصَ ، أَحْضَرَ النَّاصِرَ وَأَخَاهُ وَقَالَ لِلتُّرْجُمَانِ : قُلْ أَنْتَ زَعَمْتَ الْبِلَادَ مَا فِيهَا أَحَدٌ وَهُمْ فِي طَاعَتِكَ حَتَّى غَرَّرْتَ بِي ، فَقَالَ النَّاصِرُ : هُمْ فِي طَاعَتِي لَوْ كُنْتُ هُنَاكَ ، وَمَا كَانَ يُشْهِرُ أَحَدٌ سَيْفًا ، أَمَّا مَنْ هُوَ بِتُورِيزَ كَيْفَ يَحْكُمُ عَلَى الشَّامِ ؟ فَرَمَاهُ هُولَاكُو بِسَهْمٍ أَصَابَهُ فَاسْتَغَاثَ ، فَقَالَ أَخُوهُ : اسْكُتْ وَلَا تَطْلُبْ مِنْ هَذَا الْكَلْبِ عَفْوًا ، فَقَدْ حُضِرْتَ ، ثُمَّ رَمَاهُ بِسَهْمٍ آخَرَ أَتْلَفَهُ ، وَضُرِبَتْ عُنُقُ الظَّاهِرِ وَأَتْبَاعِهِمَا .

وَفِيهَا قُتِلَ السُّلْطَانُ قُطُزُ بَعْدَ الْمَصَافِّ مِائَةً ، [وَ ]صَاحِبُ الصُّبَيْبَةِ الْمَلِكُ السَّعِيدُ حَسَنُ ابْنُ الْعَزِيزِ عُثْمَانَ ابْنِ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ ، تَمَلَّكَ الصُّبَيْبَةَ بَعْدَ أَخِيهِ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ ، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْهُ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ الصَّالِحُ بَعْدَ سِنِينَ ، وَأَعْطَاهُ خُبْزًا بِمِصْرَ ، فَلَمَّا قَتَلُوا الْمُعَظَّمَ سَاقَ إِلَى غَزَّةَ ، وَأَخَذَ مَا فِيهَا ، ثُمَّ تَسَلَّمَ الصُّبَيْبَةَ ، فَلَمَّا تَمَلَّكَ النَّاصِرُ دِمَشْقَ ، أَخَذَ السَّعِيدَ ، وَسَجَنَهُ بِقَلْعَةِ إِلْبِيرَةَ ، فَلَمَّا أَخَذَ أَصْحَابُ هُولَاكُو إِلْبِيرَةَ أَحْضَرُوهُ مُقَيَّدًا عِنْدَ الْقَانِ ، فَأَطْلَقَهُ ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ بِسَرَاقُوجَ وَصَارَ تَتَرِيًّا ، فَرَدُّوا إِلَيْهِ الصُّبَيْبَةَ ، وَلَازَمَ خِدْمَةَ كَتْبُغَا وَقَاتَلَ مَعَهُ يَوْمَ عَيْنِ جَالُوتَ ، ثُمَّ جَاءَ بِوَجْهٍ بَسِيطٍ إِلَى بَيْنِ يَدَيْ قُطُزَ ، فَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ فِي آخِرِ رَمَضَانَ . وَكَانَ بَطَلًا شُجَاعًا .

موقع حَـدِيث