حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
سير أعلام النبلاء

الْهِجْرَةُ الْأُولَى إِلَى الْحَبَشَةِ ثُمَّ الثَّانِيَةُ

) ) ( ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ( 20 ) )، فَأَلْقَى الشَّيْطَانُ عِنْدَهَا كَلِمَاتٍ وَإِنَّهُنَّ الْغَرَانِيقُ الْعُلَا ، وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ تُرْتَجَى فَوَقَعَتْ فِي قَلْبِ كُلِّ مُشْرِكٍ بِمَكَّةَ ، وَذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ وَتَبَاشَرُوا بِهَا . وَقَالُوا : إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ رَجَعَ إِلَى دِينِنَا . فَلَمَّا بَلَغَ آخِرَ النَّجْمِ سَجَدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَجَدَ كُلُّ مَنْ حَضَرَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ مُشْرِكٍ ، غَيْرَ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةَ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا رَفَعَ مَلْءَ كَفَّيْهِ تُرَابًا فَسَجَدَ عَلَيْهِ ، فَعَجِبَ الْفَرِيقَانِ كِلَاهُمَا مِنْ جَمَاعَتِهِمْ فِي السُّجُودِ ، بِسُجُودِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَجِبَ الْمُسْلِمُونَ بِسُجُودِ الْمُشْرِكِينَ مَعَهُمْ ، وَلَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ سَمِعُوا مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ ، وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَاطْمَأَنُّوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، لِمَا أُلْقِيَ فِي أُمْنِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَحَدَّثَهُمُ الشَّيْطَانُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَرَأَهَا فِي السَّجْدَةِ ، فَسَجَدُوا تَعْظِيمًا لِآلِهَتِهِمْ .

وَفَشَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ فِي النَّاسِ ، وَأَظْهَرَهَا الشَّيْطَانُ ، حَتَّى بَلَغَتْ أَرْضَ الْحَبَشَةِ وَمَنْ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَأَصْحَابُهُ ، وَحُدِّثُوا أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ قَدْ أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ وَصَلَّوْا ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَمِنُوا بِمَكَّةَ ، فَأَقْبَلُوا سِرَاعًا ، وَقَدْ نَسَخَ اللَّهُ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ ، وَأُنْزِلَتْ ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ( 52 ) ) الْآيَاتِ . فَلَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ قَضَاءَهُ وَبَرَّأَهُ مِنْ سَجْعِ الشَّيْطَانِ انْقَلَبَ الْمُشْرِكُونَ بِضَلَالَتِهِمْ وَعَدَاوَتِهِمْ . وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَأَصْحَابُهُ ، فِيمَنْ رَجَعَ ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ إِلَّا بِجِوَارٍ ، فَأَجَارَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ ، فَلَمَّا رَأَى عُثْمَانُ مَا يَلْقَى أَصْحَابُهُ مِنَ الْبَلَاءِ ، وَعُذِّبَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بِالسِّيَاطِ وَالنَّارِ ، وَعُثْمَانُ مُعَافًى لَا يُعْرَضُ لَهُ ، اسْتَحَبَّ الْبَلَاءَ ، فَقَالَ لِلْوَلِيدِ : يَا عَمِّ ، قَدْ أَجَرْتَنِي ، وَأُحِبُّ أَنْ تُخْرِجَنِي إِلَى عَشِيرَتِكَ فَتَبْرَأَ مِنِّي .

فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي لَعَلَّ أَحَدًا آذَاكَ أَوْ شَتَمَكَ ؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ مَا اعْتَرَضَ لِي أَحَدٌ وَلَا آذَانِي . فَلَمَّا أَبَى إِلَّا أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْهُ أَخْرَجَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ ، وَقُرَيْشٌ فِيهِ ، كَأَحْفَلِ مَا كَانُوا وَلَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ الشَّاعِرُ يُنْشِدُهُمْ ، فَأَخَذَ الْوَلِيدُ بِيَدِ عُثْمَانَ وَقَالَ : إِنَّ هَذَا قَدْ حَمَلَنِي عَلَى أَنْ أَتَبَرَّأَ مِنْ جِوَارِهِ ، وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُ ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ . فَقَالَ عُثْمَانُ : صَدَقَ ، أَنَا وَاللَّهِ أَكْرَهْتُهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَهُوَ مِنِّي بَرِيءٌ .

ثُمَّ جَلَسَ مَعَ الْقَوْمِ فَنَالُوا مِنْهُ . قَالَ مُوسَى : وَخَرَجَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِرَارًا بِدِينِهِمْ إِلَى الْحَبَشَةِ ، فَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ، وَعِمَارَةَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَأَمَرُوهُمَا أَنْ يُسْرِعَا فَفَعَلَا ، وَأَهْدَوْا لِلنَّجَاشِيِّ فَرَسًا وَجُبَّة دِيبَاجً ، وَأَهْدَوْا لِعُظَمَاءِ الْحَبَشَةِ هَدَايَا ، فَقَبِلَ النَّجَاشِيُّ هَدِيَّتَهُمْ ، وَأَجْلَسَ عَمْرًا عَلَى سَرِيرِهِ ، فَقَالَ : إِنَّ بِأَرْضِكَ رِجَالًا مِنَّا سُفَهَاءَ لَيْسُوا عَلَى دِينِكَ وَلَا دِينِنَا ، فَادْفَعْهُمْ إِلَيْنَا . فَقَالَ : حَتَّى أُكَلِّمَهُمْ وَأَعْلَمَ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ هُمْ .

فَقَالَ عَمْرٌو : هُمْ أَصْحَابُ الرَّجُلِ الَّذِي خَرَجَ فِينَا ، وَإِنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَ أَنَّ عِيسَى ابْنُ اللَّهِ ، وَلَا يَسْجُدُونَ لَكَ إِذَا دَخَلُوا . فَأَرْسَلَ النَّجَاشِيُّ إِلَى جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ ، فَلَمْ يَسْجُدْ لَهُ جَعْفَرٌ وَلَا أَصْحَابُهُ وَحَيَّوْهُ بِالسَّلَامِ ، فَقَالَ عَمْرٌو : أَلَمْ نُخْبِرْكَ خَبَرَ الْقَوْمِ . فَقَالَ النَّجَاشِيُّ : حَدِّثُونِي أَيُّهَا الرَّهْطُ ، مَا لَكُمْ لَا تُحَيُّونِي كَمَا يُحَيِّينِي مَنْ أَتَانِي مِنْ قَوْمِكُمْ ، وَأَخْبِرُونِي مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى وَمَا دِينُكُمْ ؟ أَنَصَارَى أَنْتُمْ ؟ قَالُوا : لَا .

قَالَ : أَفَيَهُودُ أَنْتُمْ ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : فَعَلَى دِينِ قَوْمِكُمْ ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : فَمَا دِينُكُمْ ؟ قَالُوا : الْإِسْلَامُ .

قَالَ : وَمَا الْإِسْلَامُ ؟ قَالُوا : نَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا . قَالَ : مَنْ جَاءَكُمْ بِهَذَا ؟ قَالُوا : جَاءَنَا بِهِ رَجُلٌ مِنَّا قَدْ عَرَفْنَا وَجْهَهُ وَنَسَبَهُ ، بَعَثَهُ اللَّهُ كَمَا بَعَثَ الرُّسُلَ إِلَى مَنْ كَانَ قَبْلَنَا ، فَأَمَرَنَا بِالْبِرِّ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَفَاءِ وَالْأَمَانَةِ ، وَنَهَانَا أَنْ نَعْبُدَ الْأَوْثَانَ ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ ، فَصَدَّقْنَاهُ ، وَعَرَّفَنَا كَلَامَ اللَّهِ ، فَعَادَانَا قَوْمُنَا وَعَادَوْهُ وَكَذَّبُوهُ ، وَأَرَادُونَا عَلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ ، فَفَرَرْنَا إِلَيْكَ بِدِينِنَا وَدِمَائِنَا مِنْ قَوْمِنَا . فَقَالَ النَّجَاشِيُّ : وَاللَّهِ إِنْ خَرَجَ هَذَا الْأَمْرُ إِلَّا مِنَ الْمِشْكَاةِ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا أَمْرُ عِيسَى .

قَالَ : وَأَمَّا التَّحِيَّةُ فَإِنَّ رَسُولَنَا أَخْبَرَنَا أَنَّ تَحِيَّةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ السَّلَامُ ، فَحَيَّيْنَاكَ بِهَا ، وَأَمَّا عِيسَى فَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ، وَرُوحٌ مِنْهُ وَابْنُ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ . فَخَفَّضَ النَّجَاشِيُّ يَدَهَ إِلَى الْأَرْضِ ، وَأَخَذَ عُودًا فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا زَادَ ابْنُ مَرْيَمَ عَلَى هَذَا وَزْنَ هَذَا الْعُودِ . فَقَالَ عُظَمَاءُ الْحَبَشَةِ : وَاللَّهِ لَئِنْ سَمِعَتْ هَذَا الْحَبَشَةُ لَتَخْلَعَنَّكَ .

فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَقُولُ فِي عِيسَى غَيْرَ هَذَا أَبَدًا ، وَمَا أَطَاعَ اللَّهُ النَّاسَ فِي حِينِ رَدَّ إِلَيَّ مُلْكِي ، فَأَنَا أُطِيعُ النَّاسَ فِي دِينِ اللَّهِ! مَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ . وَكَانَ أَبُو النَّجَاشِيِّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ ، فَمَاتَ وَالنَّجَاشِيُّ صَبِيٌّ ، فَأَوْصَى إِلَى أَخِيهِ أَنَّ إِلَيْكَ مُلْكَ قَوْمِكَ حَتَّى يَبْلُغَ ابْنِي ، فَإِذَا بَلَغَ فَلَهُ الْمُلْكُ . فَرَغِبَ أَخُوهُ فِي الْمُلْكِ ، فَبَاعَ النَّجَاشِيَّ لِتَاجِرٍ ، وَبَادَرَ بِإِخْرَاجِهِ إِلَى السَّفِينَةِ ، فَأَخَذَ اللَّهُ عَمَّهُ قَعْصًا فَمَاتَ ، فَجَاءَتِ الْحَبَشَةُ بِالتَّاجِ ، وَأَخَذُوا النَّجَاشِيَّ فَمَلَّكُوهُ ، وَزَعَمُوا أَنَّ التَّاجِرَ قَالَ : مَا لِي بُدٌّ مِنْ غُلَامِي أَوْ مَالِي .

قَالَ النَّجَاشِيُّ : صَدَقَ ، ادْفَعُوا إِلَيْهِ مَالَهُ . قَالَ : فَقَالَ النَّجَاشِيُّ حِينَ كَلَّمَهُ جَعْفَرٌ : رُدُّوا إِلَى هَذَا هَدِيَّتَهُ - يَعْنِي عَمْرًا - وَقَالَ لَوْ رَشَوْنِي عَلَى هَذَا دَبَرَ ذَهَبٍ - وَالدَّبَرُ بِلُغَتِهِ الْجَبَلُ - مَا قَبِلْتُهُ ، وَقَالَ لِجَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ : امْكُثُوا آمِنِينَ ، وَأَمَرَ لَهُمْ بِمَا يُصْلِحُهُمْ مِنْ الرِّزْقِ . وَأَلْقَى اللَّهُ الْعَدَاوَةَ بَيْنَ عَمْرٍو وَعِمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ فِي مَسِيرِهِمَا ، فَمَكَرَ بِهِ عَمْرٌو وَقَالَ : إِنَّكَ رَجُلٌ جَمِيلٌ ، فَاذْهَبْ إِلَى امْرَأَةِ النَّجَاشِيِّ فَتَحَدَّثْ عِنْدَهَا إِذَا خَرَجَ زَوْجُهَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ عَوْنٌ لَنَا فِي حَاجَتِنَا .

فَرَاسَلَهَا عِمَارَةُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا انْطَلَقَ عَمْرٌو إِلَى النَّجَاشِيِّ ، فَقَالَ : إِنَّ صَاحِبِي هَذَا صَاحِبُ نِسَاءٍ ، وَإِنَّهُ يُرِيدُ أَهْلَكَ فَاعْلَمْ عِلْمَ ذَلِكَ . فَبَعَثَ النَّجَاشِيُّ ، فَإِذَا عِمَارَةُ عِنْدَ امْرَأَتِهِ ، فَأَمَرَ بِهِ فَنَفَخَ فِي إِحْلِيلِهِ شَحْوَةً ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي جَزِيرَةٍ مِنَ الْبَحْرِ ، فَجُنَّ ، وَصَارَ مَعَ الْوَحْشِ ، وَرَجَعَ عَمْرٌو خَائِبَ السَّعْيِ . وَقَالَ الْبَكَّائِيُّ : قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ ، جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ النَّجَاشِيَّ ، أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا ، وَعَبَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى ، لَا نُؤْذَى ، وَلَا نَسْمَعُ مَا نَكْرَهُ ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا ائْتَمَرُوا أَنْ يَبْعَثُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ ، وَأَنْ يُهْدُوا لِلنَّجَاشِيِّ ، فَبَعَثُوا بِالْهَدَايَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ .

وَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا ، وَسَتَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، رَوَاهَا جَمَاعَةٌ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ . وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْهِجْرَةَ الثَّانِيَةَ كَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الْمَبْعَثِ . وَقَالَ حُدَيْجُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى النَّجَاشِيِّ ، وَنَحْنُ ثَمَانُونَ رَجُلًا ، وَمَعَنَا جَعْفَرٌ ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ ، وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ عِمَارَةَ ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ، وَبَعَثُوا مَعَهُمَا بِهَدِيَّةٍ إِلَى النَّجَاشِيِّ ، فَلَمَّا دَخَلَا عَلَيْهِ سَجَدَا لَهُ ، وَبَعَثَا إِلَيْهِ بِالْهَدِيَّةِ ، وَقَالَا : إِنَّ نَاسًا مِنْ قَوْمِنَا رَغِبُوا عَنْ دِينِنَا ، وَقَدْ نَزَلُوا أَرْضَكَ .

فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ ، فَقَالَ لَنَا جَعْفَرٌ : أَنَا خَطِيبُكُمُ الْيَوْمَ . قَالَ : فَاتَّبَعُوهُ حَتَّى دَخَلُوا عَلَى النَّجَاشِيِّ ، فَلَمْ يَسْجُدُوا لَهُ ، فَقَالَ : وَمَا لَكُمْ لَمْ تَسْجُدُوا لِلْمَلِكِ ؟ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ إِلَيْنَا نَبِيَّهُ ، فَأَمَرَنَا أَنْ لَا نَسْجُدَ إِلَّا لِلَّهِ . فَقَالَ النَّجَاشِيُّ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ عَمْرٌو : إِنَّهُمْ يُخَالِفُونَكَ فِي عِيسَى .

قَالَ : فَمَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى وَأُمِّهِ ؟ قَالَ : نَقُولُ كَمَا قَالَ اللَّهُ ، هُوَ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ ، الَّتِي لَمْ يَمَسَّهَا بَشَرٌ ، وَلَمْ يَفْرِضْهَا وَلَدٌ . فَتَنَاوَلَ النَّجَاشِيُّ عُودًا ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ ، مَا تَزِيدُونَ عَلَى مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ مَا يَزِنُ هَذَا ، فَمَرْحَبًا بِكُمْ وَبِمَنْ جِئْتُمْ مِنْ عِنْدِهِ ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّهُ نَبِيٌّ ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي عِنْدَهُ فَأَحْمِلُ نَعْلَيْهِ - أَوْ قَالَ : أَخْدِمُهُ - فَانْزِلُوا حَيْثُ شِئْتُمْ مِنْ أَرْضِي . فَجَاءَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَشَهِدَ بَدْرًا .

رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ حديجٍ . وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَنْطَلِقَ مَعَ جَعْفَرٍ إِلَى الْحَبَشَةِ . وَسَاقَ كَحَدِيثِ حُدَيْجٍ .

وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ إِسْرَائِيلَ وَهِمَ فِيهِ ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ حَدِيثٌ فِي حَدِيثٍ ، وَإِلَّا أَيْنَ كَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ذَلِكَ الْوَقْتَ . رَجَعْنَا إِلَى تَمَامِ الْحَدِيثِ الَّذِي سُقْنَاهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : فَلَمْ يَبْقَ بِطْرِيقٌ مِنْ بَطَارِقَةِ النَّجَاشِيِّ إِلَّا دَفَعَا إِلَيْهِ هَدِيَّةً ، قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَا النَّجَاشِيَّ ، وَأَخْبَرَا ذَلِكَ الْبِطْرِيقَ بِقَصْدِهِمَا ، لِيُشِيرَ عَلَى الْمَلِكِ بِدَفْعِ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِمْ ، ثُمَّ قَرَّبَا هَدَايَا النَّجَاشِيِّ فَقَبِلَهَا ، ثُمَّ كَلَّمَاهُ فَقَالَا : أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّهُ قَدِمَ إِلَى بِلَادِكَ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ ، فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ ، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكَ ، جَاءُوا بِدِينٍ ابْتَدَعُوهُ ، لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ ، وَلَا أَنْتَ ، فَقَدْ بَعَثَنَا إِلَيْكَ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ مِنْ أَقَارِبِهِمْ لِتَرُدَّهُمْ عَلَيْهِمْ ، فَهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا ، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ . قَالَتْ : وَلَمْ يَكُنْ أَبْغَضَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَهُمُ النَّجَاشِيُّ ، فَقَالَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ : صَدَقَا أَيُّهَا الْمَلِكُ ، قَوْمُهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا ، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ مِنْ دِينِهِمْ ، فَأَسْلِمْهُمْ إِلَيْهِمَا .

فَغَضِبَ ثُمَّ قَالَ : لَاهَا اللَّهِ إِذَنْ لَا أُسْلِمُهُمْ إِلَيْهِمَا ، وَلَا يَكَادُ قَوْمٌ جَاوَرُونِي ، وَنَزَلُوا بِلَادِي ، وَاخْتَارُونِي عَلَى مَنْ سِوَايَ ، حَتَّى أَدْعُوَهُمْ فَأَسْأَلَهُمْ عَمَّا تَقُولَانِ . فَأَرْسَلَ إِلَى الصَّحَابَةِ فَدَعَاهُمْ ، فَلَمَّا جَاءُوا وَقَدْ دَعَا النَّجَاشِيُّ أَسَاقِفَتَهُ فَنَشَرُوا مَصَاحِفَهُمْ ، سَأَلَهُمْ فَقَالَ : مَا دِينُكُمْ ؟ فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرٌ ، فَقَالَ : أَيُّهَا الْمَلِكُ ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ ، وَيَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ ، وَصِدْقَهُ ، وَأَمَانَتَهُ ، وَعَفَافَهُ ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا مِنَ الْحِجَارَةِ ، وَأَمَرَنَا بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ - وَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ - فَصَدَّقْنَاهُ وَاتَّبَعْنَاهُ ، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَعَذَّبُونَا ، وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا ، وَضَيَّقُوا عَلَيْنَا ، فَخَرَجْنَا إِلَى بِلَادِكَ وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ ، وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ . قَالَتْ : فَقَالَ : وَهَلْ مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ؟ قَالَ جَعْفَرٌ : نَعَمْ ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْرًا مِنْ ( كهيعص ( 1 ) ) فَبَكَى وَاللَّهِ النَّجَاشِيُّ ، حَتَّى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ ، وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ ، حَتَّى أَخْضَلُوا مَصَاحِفَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ : إِنَّ هَذَا ، وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ ، انْطَلِقَا ، فَلَا وَاللَّهِ لَا أُسْلِمُهُمْ إِلَيْكُمَا وَلَا يَكَادُ .

قَالَتْ : فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ عَمْرٌو : وَاللَّهِ لِآتِيَنَّهُمْ غَدًا بِمَا أَسْتَأْصِلُ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ . فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي رَبِيعَةَ ، وَكَانَ أَتْقَى الرَّجُلَيْنِ فِينَا : لَا تَفْعَلْ ، فَإِنَّ لَهُمْ أَرْحَامًا . قَالَ : وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّهُ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ عِيسَى عَبْدٌ .

ثُمَّ غَدَا عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ ، فَطَلَبَنَا ، قَالَتْ : وَلَمْ يَنْزِلْ بِنَا مِثْلُهَا ، فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إِذَا سَأَلَكُمْ عَنْهُ ؟ قَالُوا : نَقُولُ ، وَاللَّهِ ، مَا قَالَ اللَّهُ ، كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا كَانَ ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ لَهُمْ : مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ؟ فَقَالَ لَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : نَقُولُ : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، وَرُوحُهُ ، وَكَلِمَتُهُ ، أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ . فَأَخَذَ النَّجَاشِيُّ عُودًا ثُمَّ قَالَ : مَا عَدَا عِيسَى مَا قُلْتَ هَذَا الْعُودَ . فَتَنَاخَرَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ ، فَقَالَ : وَإِنْ نَخَرْتُمْ ، وَاللَّهِ ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بِأَرْضِي ، وَالسُّيُومُ : الْآمِنُونَ مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ ، مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي دَبَرًا مِنْ ذَهَبٍ ، وَأَنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ ، رُدُّوا هَدَايَاهُمَا فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهَا ، فَوَاللَّهِ مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي ، فَآخُذَ الرِّشْوَةَ فِيهِ ، وَمَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ فَأُطِيعَهُمْ فِيهِ .

قَالَتْ : فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ مَقْبُوحَيْنِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ . قَالَتْ : فَإِنَّا عَلَى ذَلِكَ ، إِذْ نَزَلَ بِهِ رَجُلٌ مِنَ الْحَبَشَةِ يُنَازِعُهُ فِي مُلْكِهِ ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْنَا حُزْنًا حزنا قَطُّ كَانَ أَشَدَّ عَلَيْنَا مِنْ حُزْنٍ حَزِنَّاهُ عِنْدَ ذَلِكَ ، تَخَوُّفًا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي سيأتي رجل لا يعرف من حقنا مَا كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ مِنْهُ . فَسَارَ إِلَيْهِ النَّجَاشِيُّ ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا عُرْضُ النِّيلِ ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَتَّى يَحْضُرَ الْوَقْعَةَ ، ثُمَّ يَأْتِينَا بِالْخَبَرِ ؟ فَقَالَ الزُّبَيْرُ : أَنَا ، فَنَفَخُوا لَهُ قِرْبَةً ، فَجَعَلَهَا فِي صَدْرِهِ ، ثُمَّ سَبَحَ عَلَيْهَا حَتَّى خَرَجَ إِلَى نَاحِيَةِ النِّيلِ الَّتِي بِهَا يَلْتَقِي الْقَوْمُ ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى حَضَرَهُمْ ، وَدَعَوْنَا اللَّهَ تَعَالَى لِلنَّجَاشِيِّ ، فَإِنَّا لَعَلَى ذَلِكَ ، إِذْ طَلَعَ الزُّبَيْرُ يَسْعَى فَلَمَعَ بِثَوْبِهِ ، وَهُوَ يَقُولُ : أَلَا أَبْشِرُوا ، فَقَدْ ظَهَرَ النَّجَاشِيُّ ، وَقَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ عَدُّوَهُ ، وَمَكَّنَ لَهُ فِي بِلَادِهِ .

قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَحَدَّثْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا قَوْلُهُ : مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ إِلَى آخِرِهِ ؟ قُلْتُ : لَا . قَالَ : فَإِنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَدَّثَتْنِي أَنَّ أَبَاهُ كَانَ مَلِكَ قَوْمِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ إِلَّا النَّجَاشِيَّ ، وَكَانَ لِلنَّجَاشِيِّ عَمٌّ مِنْ صُلْبِهِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا ، فَقَالَتِ الْحَبَشَةُ : لَوْ أَنَّا قَتَلْنَا هَذَا وَمَلَّكْنَا أَخَاهُ ، فَإِنَّهُ لَا وَلَدَ غَيْرَ هَذَا الْغُلَامِ ، وَلِأَخِيهِ اثْنَا عَشَرَ وَلَدًا ، فَتَوَارَثُوا مُلْكَهُ مِنْ بَعْدِهِ بَقِيَتِ الْحَبَشَةُ بَعْدَهُ دَهْرًا ، فَعَدَوْا عَلَى أَبِي النَّجَاشِيِّ فَقَتَلُوهُ ، وَمَلَّكُوا أَخَاهُ . فَمَكَثُوا حِينًا ، وَنَشَأَ النَّجَاشِيُّ مَعَ عَمِّهِ ، فَكَانَ لَبِيبًا حَازِمًا فَغَلَبَ عَلَى أَمْرِ عَمِّهِ ، وَنَزَلَ مِنْهُ بِكُلِّ مَنْزِلَةٍ ، فَلَمَّا رَأَتِ الْحَبَشَةُ مَكَانَهُ مِنْهُ قَالَتْ بَيْنَهَا : وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبَ هَذَا عَلَى عَمِّهِ ، وَإِنَّا لَنَتَخَوَّفُ أَنْ يُمَلِّكَهُ عَلَيْنَا ، وَإِنْ مَلَكَ لَيَقْتُلُنَا بِأَبِيهِ ، فَكَلَّمُوا الْمَلِكَ ، فَقَالَ : وَيْلَكُمْ ، قَتَلْتُ أَبَاهُ بِالْأَمْسِ ، وَأَقْتُلُهُ الْيَوْمَ! ، بَلْ أُخْرِجُهُ مِنْ بِلَادِكُمْ .

قَالَتْ : فَخَرَجُوا بِهِ فَبَاعُوهُ لِتَاجِرٍ بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَقَذَفَهُ فِي سَفِينَةٍ وَانْطَلَقَ بِهِ ، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرَ النَّهَارِ ، هَاجَتْ سَحَابَةٌ ، فَخَرَجَ عَمُّهُ يَسْتَمْطِرُ تَحْتَهَا ، فَأَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ فَقَتَلَتْهُ ، فَفَزِعَتِ الْحَبَشَةُ إِلَى وَلَدِهِ ، فَإِذَا هُوَ مُحْمَقٌ لَيْسَ فِي وَلَدِهِ خَيْرٌ ، فَمَرَجَ الْأَمْرُ ، فَقَالُوا : تَعْلَمُوا ، وَاللَّهِ إِنَّ مَلِكَكُمُ الَّذِي لَا يُقِيمُ أَمْرَكُمْ غَيْرُهُ لَلَّذِي بِعْتُمُوهُ غَدْوَةً . فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ فَأَدْرَكُوهُ ، وَأَخَذُوهُ مِنَ التَّاجِرِ ، ثُمَّ جَاءُوا بِهِ فَعَقَدُوا عَلَيْهِ التَّاجَ ، وَأَقْعَدُوهُ عَلَى سَرِيرِ مُلْكِهِ ، فَجَاءَ التَّاجِرُ فَقَالَ : مَالِي . قَالُوا : لَا نُعْطِيكَ شَيْئًا ، فَكَلَّمَهُ ، فَأَمَرَهُمْ فَقَالَ : أَعْطُوهُ دَرَاهِمَهُ أَوْ عَبْدَهُ .

قَالُوا : بَلْ نُعْطِيهِ دَرَاهِمَهُ ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلُ مَا خُبِرَ مِنْ عَدْلِهِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، قَالَ : إِنَّمَا كَانَ يُكَلِّمُ النَّجَاشِيَّ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْدٍ ، وَجَمَاعَةٌ ، قَالُوا : أَخْبَرَنَا ابْنُ مُلَاعِبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَرْمَوِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ يَاسِينَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْمُخَلِّصُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَجَلِيُّ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : بَعَثَتْ قُرَيْشٌ عَمْرًا وَعِمَارَةَ بِهَدِيَّةٍ إِلَى النَّجَاشِيِّ لِيُؤْذُوا الْمُهَاجِرِينَ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ : أَعَبِيدٌ هُمْ لَكُمْ ؟ قَالُوا : لَا .

قَالَ : فَلَكُمْ عَلَيْهِمْ دَيْنٌ ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : فَخَلُّوهُمْ . فَقَالَ عَمْرٌو : إِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي عِيسَى غَيْرَ مَا تَقُولُ .

فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا ، وَكَانَتِ الدَّعْوَةُ الثَّانِيَةُ أَشَدَّ عَلَيْنَا ، فَقَالَ : مَا يَقُولُ صَاحِبُكُمْ فِي عِيسَى ؟ قَالَ : يَقُولُ : هُوَ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى عَذْرَاءَ بَتُولٍ . فَقَالَ : ادْعُوا لِي فُلَانًا الْقَسَّ ، وَفُلَانًا الرَّاهِبَ ، فَأَتَاهُ أُنَاسٌ مِنْهُمْ ، فَقَالَ : مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ؟ قَالُوا : أَنْتَ أَعْلَمُنَا . قَالَ : وَأَخَذَ شَيْئًا مِنَ الْأَرْضِ ، فَقَالَ : مَا عَدَا عِيسَى مَا قَالَ هَؤُلَاءِ مِثْلَ هَذَا .

ثُمَّ قَالَ : أَيُؤْذِيكُمْ أَحَدٌ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . فَنَادَى : مَنْ آذَى أَحَدًا مِنْهُمْ فَأَغْرِمُوهُ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ ، ثُمَّ قَالَ : أَيَكْفِيكُمْ ؟ قُلْنَا : لَا . فَأَضْعَفَهَا ، قَالَ : فَلَمَّا ظَهَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَاجَرَ أَخْبَرْنَاهُ ، قَالَ : فَزَوَّدَنَا وَحَمَلَنَا ، ثُمَّ قَالَ : أَخْبِرْ صَاحِبَكَ بِمَا صَنَعْتُ إِلَيْكُمْ ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، وَقُلْ لَهُ يَسْتَغْفِرْ لِي .

فَأَتَيْنَا الْمَدِينَةَ ، فَتَلَقَّانِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَنَقَنِي وَقَالَ : مَا أَدْرِي أَنَا بِقُدُومِ جَعْفَرٍ أَفْرَحُ أَمْ بِفَتْحِ خَيْبَرَ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلنَّجَاشِيِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : آمِينَ .

موقع حَـدِيث