حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
سير أعلام النبلاء

ذِكْرُ مَبْدَأِ خَبَرِ الْأَنْصَارِ وَالْعَقَبَةِ الْأُولَى

) ) ( وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ( 2 ) ) ( ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 3 ) ) فَقَالَ سَعْدٌ : مَا أَسْمَعُ إِلَّا مَا أَعْرِفُهُ . فَرَجَعَ سَعْدٌ وَقَدْ هَدَاهُ اللَّهُ ، وَلَمْ يُظْهِرْ لَهُمَا إِسْلَامَهُ ، حَتَّى رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَدَعَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَأَظْهَرَ لَهُمْ إِسْلَامَهُ وَقَالَ : مَنْ شَكَّ مِنْكُمْ فِيهِ فَلْيَأْتِ بِأَهْدَى مِنْهُ ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ جَاءَ أَمْرٌ لَتُحَزَّنَّ مِنْهُ الرِّقَابُ . فَأَسْلَمَتْ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ عِنْدَ إِسْلَامِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، إِلَّا مَنْ لَا يُذْكَرُ .

ثُمَّ إِنَّ بَنِي النَّجَّارِ أَخْرَجُوا مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ ، وَاشْتَدُّوا عَلَى أَسْعَدَ ، فَانْتَقَلَ مُصْعَبٌ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ يَدْعُو آمِنًا وَيَهْدِي اللَّهُ بِهِ . وَأَسْلَمَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ ، وَكُسِّرَتْ أَصْنَامُهُمْ ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ أَعَزَّ مَنْ بِالْمَدِينَةِ ، وَكَانَ مُصْعَبٌ أَوَّلَ مَنْ جَمَّعَ الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . هَكَذَا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : إِنَّ مُصْعَبًا أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِالْمَدِينَةِ .

وَقَالَ الْبَكَّائِيُّ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُعَيْقِيبٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ، أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ خَرَجَ بِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ ، يُرِيدُ بِهِ دَارَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ، وَدَارَ بَنِي ظَفَرٍ ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ابْنَ خَالَةِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ ، فَدَخَلَ بِهِ حَائِطًا مِنْ حَوَائِطِ بَنِي ظَفَرٍ ، وَقَالَا : عَلَى بِئْرِ مَرْقٍ ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمَا نَاسٌ ، وَكَانَ سَعْدٌ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ سَيِّدَيْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ، فَلَمَّا سَمِعَا بِهِ قَالَ سَعْدٌ لِأُسَيْدٍ ، انْطَلِقْ إِلَى هَذَيْنِ فَازْجُرْهُمَا وَانْهَهُمَا عَنْ أَنْ يَأْتِيَا دَارَيْنَا ، فَلَوْلَا أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ ابْنُ خَالَتِي كَفَيْتُكَ ذَلِكَ . فَأَخَذَ أُسَيْدٌ حَرْبَتَهُ ، ثُمَّ أَقْبَلُ إِلَيْهِمَا ، فَلَمَّا رَآهُ أَسْعَدُ قَالَ : هَذَا سَيِّدُ قَوْمِهِ قَدْ جَاءَكَ فَاصْدُقِ اللَّهَ فِيهِ . قَالَ مُصْعَبٌ : إِنْ يَجْلِسْ أُكَلِّمْهُ .

قَالَ : فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا ، فَقَالَ : مَا جَاءَ بِكُمَا إِلَيْنَا تُسَفِّهَانِ ضُعَفَاءَنَا ، اعْتَزِلَانَا إِنْ كَانَ لَكُمَا بِأَنْفُسِكُمَا حَاجَةٌ . فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ . أَوَتَجْلِسُ فَتَسْمَعَ ؟ فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ كُفَّ عَنْكَ مَا تَكْرَهُ .

قَالَ : أَنْصَفْتَ . ثُمَّ رَكَزَ حَرْبَتَهُ وَجَلَسَ إِلَيْهِمَا ، فَكَلَّمَهُ مُصْعَبٌ بِالْإِسْلَامِ ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ ، فَقَالَا فِيمَا بَلَغَنَا : وَاللَّهِ لَعَرَفْنَا فِي وَجْهِهِ الْإِسْلَامَ ، قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي إِشْرَاقِهِ وَتَسَهُّلِهِ ، ثُمَّ قَالَ : مَا أَحْسَنَ هَذَا وَأَجْمَلَهُ ! كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا فِي هَذَا الدِّينِ ؟ قَالَا : تَغْتَسِلُ وَتَطَهَّرُ وَتُطَهِّرُ ثَوْبَيْكَ ، ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ ، ثُمَّ تُصَلِّي ، فَقَامَ فَاغْتَسَلَ وَأَسْلَمَ وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ لَهُمَا : إِنَّ وَرَائِي رَجُلًا إِنِ اتَّبَعَكُمَا لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ مِنْ قَوْمِهِ أَحَدٌ ، وَسَأُرْسِلُهُ إِلَيْكُمَا . ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَقَوْمِهِ ، وَهُمْ جُلُوسٌ فِي نَادِيهِمْ ، فَلَمَّا رَآهُ سَعْدٌ مُقْبِلًا قَالَ : أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ أُسَيْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي وَلَّى بِهِ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : مَا فَعَلْتَ ؟ قَالَ : كَلَّمْتُ الرَّجُلَيْنِ ، فَمَا رَأَيْتُ بِهِمَا بَأْسًا ، وَقَدْ تَهَيَّبْتُهُمَا فَقَالَا : لَا نَفْعَلُ مَا أَحْبَبْتَ ، وَقَدْ حُدِّثْتُ أَنَّ بَنِي حَارِثَةَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى أَسْعَدَ لِيَقْتُلُوهُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّهُ ابْنُ خَالَتِكَ لِيُخْفِرُوكَ .

فَقَامَ سَعْدٌ مُغْضَبًا مُبَادِرًا مُتَخَوِّفًا ، فَأَخَذَ الْحَرْبَةَ ، وَقَالَ : وَاللَّهِ مَا أَرَاكَ أَغْنَيْتَ عَنَّا شَيْئًا . ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمَا ، فَلَمَّا رَآهُمَا سَعْدٌ مُطْمَئِنَّيْنِ عَرَفَ أَنَّ أُسَيْدًا إِنَّمَا أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا مُتَبَسِّمًا . ثُمَّ قَالَ لِأَسْعَدَ : يَا أَبَا أُمَامَةَ ، وَاللَّهِ لَوْلَا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنَ الْقَرَابَةِ مَا رُمْتَ مِنِّي هَذَا ، أَتَغْشَانَا فِي دَارَيْنَا بِمَا نَكْرَهُ ! وَقَدْ قَالَ أَسْعَدُ لِمُصْعَبٍ : أَيْ مُصْعَبُ جَاءَكَ وَاللَّهِ سَيِّدُ مَنْ وَرَاءَهُ ، إِنْ يَتَّبِعْكَ لَا يَتَخَلَّفْ عَنْكَ مِنْهُمُ اثْنَانِ .

فَقَالَ : أَوَتَقْعُدُ فَتَسْمَعَ ؟ فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا وَرَغِبْتَ فِيهِ قَبِلْتَهُ ، وَإِنْ كَرِهْتَ عَزَلْنَا عَنْكَ مَا تَكْرَهُ . قَالَ : أَنْصَفْتَ . فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ ، فَعَرَفْنَا فِي وَجْهِهِ ، وَاللَّهِ ، الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ ، لِإِشْرَاقِهِ وَتَسَهُّلِهِ .

ثُمَّ فَعَلَ كَمَا عَمِلَ أُسَيْدٌ ، وَأَسْلَمَ ، وَأَخَذَ حَرْبَتَهُ ، وَأَقْبَلَ عَامِدًا إِلَى نَادِي قَوْمِهِ ، وَمَعَهُ أُسَيْدٌ ، فَلَمَّا رَآهُ قَوْمُهُ ، قَالُوا : نَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَجَعَ سَعْدٌ إِلَيْكُمْ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ ، فَقَالَ : يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ كَيْفَ تَعْرِفُونَ أَمْرِي فِيكُمْ ؟ قَالُوا : سَيِّدُنَا وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا وَأَيْمَنُنَا نَقِيبَةً . قَالَ : فَإِنَّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا . فَوَاللَّهِ مَا أَمْسَى فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمًا وَمُسْلِمَةً ، وَرَجَعَ مُصْعَبٌ وَأَسْعَدُ إِلَى مَنْزِلِهِمَا ، وَلَمْ تَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ مُسْلِمُونَ ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ دَارِ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَخَطْمَةَ ، وَوَائِلٍ ، وَوَاقِفٍ ، وَتِلْكَ أَوْسُ اللَّهِ وَهُمْ مِنَ الْأَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ ، وَهُوَ صَيْفِيٌّ ، وَكَانَ شَاعِرًا لَهُمْ وَقَائِدًا ، يَسْتَمِعُونَ مِنْهُ وَيُطِيعُونَهُ فَوَقَفَ بِهِمْ عَنِ الْإِسْلَامِ ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَضَتْ أُحُدُ وَالْخَنْدَقُ .

موقع حَـدِيث