ذِكْرُ أَوَّلِ مَنْ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ
) ) ، فَكَتَبْتُهَا بِيَدِي كِتَابًا ، ثُمَّ بَعَثْتُ بِهَا إِلَى هِشَامٍ ، فَقَالَ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِ : فَلَمَّا قَدِمَتْ عَلَيَّ خَرَجْتُ بِهَا إِلَى ذِي طُوًى أُصَعِّدُ فِيهَا النَّظَرَ وَأُصَوِّبُهُ لِأَفْهَمَهَا ، فَقُلْتُ : اللَّهُمَّ فَهِّمْنِيهَا ، فَعَرَفْتُ أَنَّمَا أُنْزِلَتْ فِينَا لِمَا كُنَّا نَقُولُ فِي أَنْفُسِنَا ، وَيُقَالُ فِينَا ، فَرَجَعْتُ فَجَلَسْتُ عَلَى بَعِيرِي ، فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَقُتِلَ هِشَامٌ بِأَجْنَادِينَ . وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَدِمْنَا مِنْ مَكَّةَ فَنَزَلْنَا الْعُصْبَةَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ ، وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ ، فَكَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ ، لِأَنَّهُ كَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا . وَقَالَ إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ ، قَالَ : أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ، فَقُلْنَا لَهُ : مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : هُوَ مَكَانَهُ وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَثَرِي .
ثُمَّ أَتَى بَعْدَهُ عَمْرُو بْنُ أَمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى أَخُو بَنِي فِهْرٍ ، ثُمَّ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَبِلَالٌ ، ثُمَّ أَتَانَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ رَاكِبًا ، ثُمَّ أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ ، فَلَمْ يَقْدِمْ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قَرَأْتُ سُوَرًا مِنَ الْمُفَصَّلِ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، قَالَ : وَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْحَجِّ بَقِيَّةَ ذِي الْحِجَّةِ ، وَالْمُحَرَّمِ ، وَصَفَرٍ ، وَإِنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَمَكْرَهُمْ ، عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِمَّا أَنْ يَقْتُلُوهُ أَوْ يَحْبِسُوهُ أَوْ يُخْرِجُوهُ ، فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ بِمَكْرِهِمْ فِي قَوْلِهِ : ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ( 30 ) ) الْآيَةَ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ تَحْتَ اللَّيْلِ قِبَلَ الْغَارِ بِثَوْرٍ ، وَعَمَدَ عَلِيٌّ فَرَقَدَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوَارِي عَنْهُ الْعُيُونَ .
وَكَذَا قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، وَزَادَ : فَبَاتَتْ قُرَيْشٌ يَخْتَلِفُونَ وَيَأْتَمِرُونَ أَيُّهُمْ يَجْثُمُ عَلَى صَاحِبِ الْفِرَاشِ فَيُوثِقُهُ ، إِلَى أَنْ أَصْبَحُوا ، فَإِذَا هُمْ بِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَسَأَلُوهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ ، فَعَلِمُوا عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ فَارًّا مِنْهُمْ ، فَرَكِبُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ يَطْلُبُونَهُ . وَكَذَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، وَقَالَ : لَمَّا أَيْقَنَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بُويِعَ ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يَلْحَقُوا بِإِخْوَانِهِمْ بِالْمَدِينَةِ ، تَوَامَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فَقَالُوا : الْآنَ ، فَأَجْمِعُوا فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّهُ قَدْ كَرَّ عَلَيْكُمْ بِالرِّجَالِ ، فَأَثْبِتُوهُ أَوِ اقْتُلُوهُ أَوِ أَخْرِجُوهُ . فَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيَقْتُلُوهُ ، فَلَمَّا دَخَلُوا الدَّارَ اعْتَرَضَهُمُ الشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ جَمِيلٍ فِي بَتٍّ لَهُ فَقَالَ : أَأَدْخُلُ ؟ قَالُوا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ، سَمِعَ بِالَّذِي اجْتَمَعْتُمْ لَهُ ، فَأَرَادَ أَنْ يَحْضُرَهُ مَعَكُمْ ، فَعَسَى أَنْ لَا يَعْدِمَكُمْ مِنْهُ نُصْحٌ وَرَأْيٌ .
قَالُوا : أَجَلْ فَادْخُلْ . فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : قَدْ كَانَ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ عَلِمْتُمْ ، فَأَجْمِعُوا رَأْيًا فِي هَذَا الرَّجُلِ ، فَقَالَ قَائِلٌ : أَرَى أَنْ تَحْبِسُوهُ . فَقَالَ النَّجْدِيُّ : مَا ذَا بِرَأْيٍ ، وَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتُمْ لِيَخْرُجَنَّ رَأْيُهُ وَحَدِيثُهُ إِلَى مَنْ وَرَاءَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَأَوْشَكَ أَنْ يَنْتَزِعُوهُ مِنْ أَيْدِيكُمْ ، ثُمَّ يَغْلِبُوكُمْ عَلَى مَا فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ .
فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ : بَلْ نُخْرِجُهُ فَنَنْفِيهِ ، فَإِذَا غُيِّبَ عَنَّا وَجْهُهُ وَحَدِيثُهُ مَا نُبَالِي أَيْنَ وَقَعَ . قَالَ النَّجْدِيُّ : مَا ذَا بِرَأْيٍ ، أَمَا رَأَيْتُمْ حَلَاوَةَ مَنْطِقِهِ ، وَحُسْنَ حَدِيثِهِ ، وَغَلَبَتِهِ عَلَى مَنْ يَلْقَاهُ ، وَلَئِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَيَدْخُلُ عَلَى قَبِيلَةٍ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ فَأَصْفَقَتْ مَعَهُ عَلَى رَأْيِهِ ، ثُمَّ سَارَ بِهِمْ إِلَيْكُمْ حَتَّى يَطَأَكُمْ بِهِمْ . فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ : وَاللَّهِ إِنَّ لِي فِيهِ لَرَأْيًا ، مَا أَرَاكُمْ وَقَعْتُمْ عَلَيْهِ ، قَالُوا : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : أَرَى أَنْ تَأْخُذُوا مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ غُلَامًا جَلْدًا نَهْدًا نَسِيبًا وَسِيطًا ، ثُمَّ تُعْطُوهُمْ شِفَارًا صَارِمَةً ، فَيَضْرِبُوهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، فَإِذَا قَتَلْتُمُوهُ تَفَرَّقَ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ ، فَلَمْ تَدْرِ عَبْدُ مَنَافٍ بَعْدَ ذَلِكَ مَا تَصْنَعُ ، وَلَمْ يَقْوَوْا عَلَى حَرْبِ قَوْمِهِمْ ، وَإِنَّمَا غَايَتُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذُوا الْعَقْلَ فَتَدُونَهُ لَهُمْ .
قَالَ النَّجْدِيُّ : لِلَّهِ دَرُّ هَذَا الْفَتَى ، هَذَا الرَّأْيُ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ ، فَتَفَرَّقُوا عَلَى ذَلِكَ وَاجْتَمَعُوا لَهُ ، وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَبَرُ وَأُمِرَ أَنْ لَا يَنَامَ عَلَى فِرَاشِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، فَلَمْ يَبِتْ مَوْضِعَهُ ، بَلْ بَيَّتَ عَلِيًّا فِي مَضْجَعِهِ . رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ . حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
( ح ) قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَحَدَّثَنِي الْكَلْبِيُّ عَنْ بَاذَانَ مَوْلَى أَمِّ هَانِئٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَذَكَرَ مَعْنَى الْحَدِيثِ ، وَزَادَ فِيهِ : وَأَذِنَ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِالْخُرُوجِ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ ( الْأَنْفَالَ ) يَذْكُرُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ وَبَلَاءَهُ عِنْدَهُ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ الْآيَةَ .