غَزْوَةُ أُحُدٍ
وَقَالَ سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ مِرْطًا أَسْوَدَ كَانَ لِعَائِشَةَ ، وَرَايَةُ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهَا الْعُقَابُ ، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ عَلِيٌّ ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو السَّاعِدِيُّ ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ كَانَ عَلَى الرِّجَالِ ، وَيُقَالُ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، وَكَانَ حَمْزَةُ عَلَى الْقَلْبِ ، وَاللِّوَاءُ مَعَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ ، فَقُتِلَ ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا ، قَالَ : وَيُقَالُ : كَانَتْ لَهُ ثَلَاثَةُ أَلْوِيَةٍ ، لِوَاءٌ إِلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ لِلْمُهَاجِرِينَ ، وَلِوَاءٌ إِلَى عَلِيٍّ ، وَلِوَاءٌ إِلَى الْمُنْذِرِ . وَقَالَ ثَابِتٌ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ سَيْفًا يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ : مَنْ يَأْخُذُ مِنِّي هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ ؟ فَبَسَطُوا أَيْدِيَهُمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ يَقُولُ : أَنَا ، أَنَا . فَقَالَ : مَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ ؟ فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكٌ : أَنَا آخُذُهُ بِحَقِّهِ .
قَالَ : فَأَخَذَهُ فَفَلَقَ بِهِ هَامَ الْمُشْرِكِينَ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَتَّى قَامَ إِلَيْهِ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ ، أَخُو بَنِي سَاعِدَةَ ، فَقَالَ : وَمَا حَقُّهُ ؟ قَالَ : أَنْ تَضْرِبَ بِهِ فِي الْعَدُوِّ حَتَّى يَنْحَنِيَ .
قَالَ : فَأَنَا آخُذُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ ، وَكَانَ رَجُلًا شُجَاعًا يَخْتَالُ عِنْدَ الْحَرْبِ ، وَكَانَ إِذَا قَاتَلَ عُلِّمَ بِعِصَابَةٍ لَهُ حَمْرَاءَ فَاعْتَصَبَ بِهَا عَلَى رَأْسِهِ ، ثُمَّ جَعَلَ يَتَبَخْتَرُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ . فَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حِينَ رَآهُ يَتَبَخْتَرُ : إِنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إِلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ .
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ الْكِلَابِيُّ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَازِعِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ، قَالَ : عَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيْفًا يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ : مَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ ؟ فَقُمْتُ فَقُلْتُ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَأَعْرَضَ عَنِّي ، ثُمَّ قَالَ : مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ ؟ فَقَامَ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ فَقَالَ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَمَا حَقُّهُ ؟ قَالَ : أَنْ لَا تَقْتُلَ بِهِ مُسْلِمًا وَلَا تَفِرَّ بِهِ عَنْ كَافِرٍ . قَالَ : فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ ، وَكَانَ إِذَا أَرَادَ الْقِتَالَ أَعْلَمَ بِعِصَابَةٍ ، فَقُلْتُ : لَأَنْظُرَنَّ إِلَيْهِ كَيْفَ يَصْنَعُ .
قَالَ : فَجَعَلَ لَا يَرْتَفِعُ لَهُ شَيْءٌ إِلَّا هَتَكَهُ وَأَفْرَاهُ ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى نِسْوَةٍ فِي سَفْحِ جَبَلٍ مَعَهُنَّ دُفُوفٌ لَهُنَّ ، فِيهِنَّ امْرَأَةٌ وَهِيَ تَقُولُ : نَحْنُ بَنَاتُ طَارِقْ نَمْشِي عَلَى النَّمَارِقْ إِنْ تُقْبِلُوا نُعَانِقْ أَوْ تُدْبِرُوا نُفَارِقْ فَرَاقَ غَيْرِ وَامِقْ . قَالَ : فَأَهْوَى بِالسَّيْفِ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَضْرِبَهَا ، ثُمَّ كَفَّ عَنْهَا . فَلَمَّا انْكَشَفَ الْقِتَالُ قُلْتُ لَهُ : كُلُّ عَمَلِكَ قَدْ رَأَيْتُ مَا خَلَا رَفْعَكَ السَّيْفَ عَلَى الْمَرْأَةِ ثُمَّ لَمْ تَضْرِبْهَا .
قَالَ أَكْرَمْتُ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَقْتُلَ بِهِ امْرَأَةً . وَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَسْلَمَ ، مَوْلَى عُمَرَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حِينَ رَأَى أَبَا دُجَانَةَ يَتَبَخْتَرُ : إِنَّهَا لِمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إِلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِ : إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ خَرَجَ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَدَعَا إِلَى الْبِرَازِ ، فَأَحْجَمَ النَّاسُ عَنْهُ حَتَّى دَعَا ثَلَاثًا ، وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ ، فَقَامَ إِلَيْهِ الزُّبَيْرُ فَوَثَبَ حَتَّى اسْتَوَى مَعَهُ عَلَى بَعِيرِهِ ، ثُمَّ عَانَقَهُ فَاقْتَتَلَا فَوْقَ الْبَعِيرِ جَمِيعًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الَّذِي يَلِي حَضِيضَ الْأَرْضِ مَقْتُولٌ .
فَوَقَعَ الْمُشْرِكُ وَوَقَعَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ فَذَبَحَهُ . ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَّبَ الزُّبَيْرَ فَأَجْلَسَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَقَالَ : إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَالزُّبَيْرُ حِوَارِيَّ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَاقْتَتَلَ النَّاسُ حَتَّى حَمِيَتِ الْحَرْبُ ، وَقَاتَلَ أَبُو دُجَانَةَ حَتَّى أَمْعَنَ فِي النَّاسِ ، وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَآخِرُونَ .
وَقَالَ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يُحَدِّثُ ، قَالَ : جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرُّمَاةِ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَكَانُوا خَمْسِينَ ، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ ، وَقَالَ : إِذَا رَأَيْتُمُونَا تَخَطَّفُنَا الطَّيْرُ فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا الْقَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ ، قَالَ : فَهَزَمَهُمْ . فَأَنَا وَاللَّهِ رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ عَلَى الْجَبَلِ قَدْ بَدَتْ خَلَاخِيلُهُنَّ وَسُوقُهُنَّ رَافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ . فَقَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ : الْغَنِيمَةَ ، أَيْ قَوْمِ ، الْغَنِيمَةَ ، ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ فَمَا تَنْتَظِرُونَ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَهُمْ : أَنَسِيتُمْ مَا قَالَ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالُوا : لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ : فَأَتَوْهُمْ فَصُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ فَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ .
فَذَلِكَ إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ . فَلَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا . فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ .
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجِيبُوهُ . ثُمَّ قَالَ : أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ، أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ؟ ثُمَّ قَالَ : أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ ؟ ثَلَاثًا .
ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ : أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ قُتِلُوا . فَمَا مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ أَنْ قَالَ : كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ ، إِنَّ الَّذِينَ عَدَّدْتَ لَأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ ، وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوؤُكَ . فَقَالَ : يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ ، إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي .
ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ : اعْلُ هُبَلْ ، اعْلُ هُبَلْ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا تُجِيبُوهُ ؟ قَالُوا : مَا نَقُولُ ؟ قَالَ : قُولُوا : اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ . ثُمَّ قَالَ : لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَلَا تُجِيبُوهُ ؟ قَالُوا : مَا نَقُولُ ؟ قَالَ : قُولُوا : اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .