غَزْوَةُ أُحُدٍ
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : ذَكَرَ الزُّهْرِيُّ ، قَالَ : كَانَ أَوَّلَ مَنْ عَرَفَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ وَقَوْلِ النَّاسِ : قُتِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ . قَالَ : عَرَفْتُ عَيْنَيْهِ تُزْهِرَانِ مِنْ تَحْتِ الْمِغْفَرِ ، فَنَادَيْتُ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ . أَبْشِرُوا ، هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنْ أَنْصِتْ ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ . فَلَمَّا أَسْنَدَ فِي الشِّعْبِ أَدْرَكَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وَهُوَ يَقُولُ : يَا مُحَمَّدُ ، لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَوْتَ . الْحَدِيثَ .
وَقَالَ هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ الزُّهْرِيُّ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، سَمِعَ سَعْدًا يَقُولُ : نَثَلَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِنَانَتَهُ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَقَالَ : ارْمِ ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ الزُّبَيْرِ ، قَالَ : فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ يَوْمَئِذٍ ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَنْهَضَ إِلَيْهَا ، يَعْنِي إِلَى صَخْرَةٍ فِي الْجَبَلِ ، فَجَلَسَ تَحْتَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَنَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى اسْتَوَى عَلِيْهَا .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْجَبَ طَلْحَةُ . وَقَالَ حُمَيْدٌ وَغَيْرُهُ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : غَابَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ ، عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ ، فَقَالَ : غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُشْرِكِينَ ، لَئِنِ اللَّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالًا لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ . فَلَمَا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ ، يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ ، وَأَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ ، يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْهَزِيمَةِ .
فَمَشَى بِسَيْفِهِ فَلَقِيَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ، فَقَالَ : أَيْ سَعْدُ ، إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ ، وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ ! فَقَالَ : سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ . قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : فَوَجَدْنَاهُ بَيْنَ الْقَتْلَى ، بِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ جِرَاحَةً مِنْ ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ وَطَعْنَةٍ بِرُمْحٍ وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ ، فَمَا عَرِفْنَاهُ ، حَتَّى عَرِفَتْهُ أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ ، فَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) ، نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، لَكِنْ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ أُقَيْشٍ كَانَ لَهُ رِبًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَكَرِهَ أَنْ يُسْلِمَ حَتَّى يَأْخُذَهُ . فَجَاءَ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ : أَيْنَ بَنُو عَمِّي ؟ قَالُوا : بِأُحُدٍ . فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ وَرَكِبَ فَرَسَهُ ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَهُمْ ، فَلَمَّا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ قَالُوا : إِلَيْكَ عَنَّا .
قَالَ : إِنِّي قَدْ آمَنْتُ . فَقَاتَلَ حَتَّى جُرِحَ ، فَحُمِلَ جَرِيحًا ، فَجَاءَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ لِأُخْتِهِ : سَلِيهِ ، حَمِيَّةً لِقَوْمِكِ أَوْ غَضَبًا لِلَّهِ ؟ قَالَ : بَلْ غَضَبًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ . فَمَاتَ فَدَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَا صَلَّى صَلَاةً .
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ . وَقَالَ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْمِصْرِيُّ : حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ ، أَنَّ يَحْيَىَ بْنَ النَّضْرِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ، قَالَ : أَتَى عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى أُقْتَلَ ، أَمْشِي بِرِجْلِي هَذِهِ صَحِيحَةً فِي الْجَنَّةِ ؟ وَكَانَ أَعْرَجَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ ، فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ هُوَ وَابْنُ أَخِيهِ وَمَوْلًى لَهُمْ ، فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : كَأَنِّي أَرَاكَ تَمْشِي بِرِجْلِكَ هَذِهِ صَحِيحَةً فِي الْجَنَّةِ . وَأَمَرَ بِهِمَا وَبِمَوْلَاهُمَا فَجُعِلُوا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ .