فَتْحُ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ وَعَظَّمَهَا
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهُوَ عَلَى دَرَجَةِ الْكَعْبَةِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ . أَلَا إِنَّ قَتِيلَ الْعَمْدِ الْخَطَأِ بِالسَّوْطِ أَوِ الْعَصَا فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ خِلْفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا . أَلَا إِنَّ كُلَّ مَأْثُرَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَدَمٍ وَمَالٍ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ سِدَانَةِ الْبَيْتِ وَسِقَايَةِ الْحَاجِّ ، فَقَدْ أَنْضَيْتُهَا لِأَهْلِهَا ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ عَامَ الْفَتْحِ ، ثُمَّ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ; أَلَا إِنَّهُ لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَمَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا شِدَّةً . وَالْمُؤْمِنُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ ، يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ ، تَرُدُّ سَرَايَاهُمْ عَلَى قَعِيدَتِهِمْ . لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ ، دِيَةُ الْكَافِرِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ .
لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ . وَلَا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلَّا فِي دُورِهِمْ . وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْزِلُنَا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِذَا فَتَحَ اللَّهُ ، الْخَيْفُ ; حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .
وَقَالَ أَبُو الْأَزْهَرِ النَّيْسَابُورِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُرَحْبِيلَ الْأَبْنَاوِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ خَلَفٍ ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ الْأَسْوَدَ حَضَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَايِعُ النَّاسَ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَجَلَسَ عِنْدَ قَرْنِ مَسْقَلَةَ ، فَجَاءَهُ الصِّغَارُ وَالْكِبَارُ وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالشَّهَادَةِ . وَقَالَ يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَتْ : لَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَا طُوَى ، قَالَ أَبُو قُحَافَةَ لِابْنَةٍ لَهُ كَانَتْ مِنْ أَصْغَرِ وَلَدِهِ : أَيْ بُنَيَّةَ ، أَشْرِفِي بِي عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ ، وَقَدْ كُفَّ بَصَرُهُ . فَأَشْرَفَتْ بِهِ عَلَيْهِ .
فَقَالَ : مَاذَا تَرَيْنَ ؟ قَالَتْ : أَرَى سَوَادًا مُجْتَمِعًا ، وَأَرَى رَجُلًا يَشْتَدُّ بَيْنَ ذَلِكَ السَّوَادِ مُقْبِلًا وَمُدْبِرًا . فَقَالَ : تِلْكَ الْخَيْلُ يَا بُنَيَّةُ ، وَذَلِكَ الرَّجُلُ الْوَازِعُ ، ثُمَّ قَالَ : مَاذَا تَرَيْنَ ؟ قَالَتْ : أَرَى السَّوَادَ انْتَشَرَ . فَقَالَ : فَقَدْ وَاللَّهِ إِذَنْ دُفِعَتِ الْخَيْلُ ، فَأَسْرِعِي بِي إِلَى بَيْتِي .
فَخَرَجْتُ سَرِيعًا ، حَتَّى إِذَا هَبَطْتُ بِهِ إِلَى الْأَبْطَحِ ، لَقِيَتْهَا الْخَيْلُ ، وَفِي عُنُقِهَا طَوْقٌ لَهَا مِنْ وَرِقٍ ، فَاقْتَطَعَهُ إِنْسَانٌ مِنْ عُنُقِهَا . فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ ، خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى جَاءَ بِأَبِيهِ يَقُودُهُ ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : هَلَّا تَرَكْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى أَجِيئَهُ ؟ فَقَالَ : يَمْشِي هُوَ إِلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَقُّ مِنْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَيْهِ . فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ صَدْرَهُ وَقَالَ : أَسْلِمْ تَسْلَمْ فَأَسْلَمَ .
ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِيَدِ أُخْتِهِ فَقَالَ : أَنْشُدُ بِاللَّهِ وَالْإِسْلَامِ طَوْقَ أُخْتِي . فَوَاللَّهِ مَا أَجَابَهُ أَحَدٌ ، ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَةَ ، فَمَا أَجَابَهُ أَحَدٌ ، فَقَالَ : يَا أُخَيَّةَ ، احْتَسِبِي طَوْقَكِ ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الْأَمَانَةَ الْيَوْمَ فِي النَّاسِ لَقَلِيلٌ . وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ عُمَرَ أَخَذَ بِيَدِ أَبِي قُحَافَةَ فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : غَيِّرُوا هَذَا الشَّيْبَ وَلَا تُقَرِّبُوهُ سَوَادًا .
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَنَّأَ أَبَا بَكْرٍ بِإِسْلَامِ أَبِيهِ . مُرْسَلٌ . وَقَالَ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلَى عَهْدِهِ نِسَاءٌ يُسْلِمْنَ بِأَرْضِهِنَّ ، مِنْهُنَّ ابْنَةُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَكَانَتْ تَحْتَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، فَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ وَهَرَبَ صَفْوَانُ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَ عَمِّهِ عُمَيْرَ بْنَ وَهْبٍ بِرِدَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَانًا لِصَفْوَانَ ، وَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَأَنْ يَقْدُمَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ رَضِيَ أَمْرًا قَبِلَهُ ، وَإِلَّا سَيَّرَهُ شَهْرَيْنِ .
فَقَدِمَ فَنَادَى عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ : يَا مُحَمَّدُ ، هَذَا عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ جَاءَنِي بِرِدَائِكَ وَزَعَمَ أَنَّكَ دَعَوْتَنِي إِلَى الْقُدُومِ عَلَيْكَ ، فَإِنْ رَضِيتُ أَمْرًا قَبِلْتُهُ ، وَإِلَّا سَيَّرْتَنِي شَهْرَيْنِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : انْزِلْ أَبَا وَهْبٍ . فَقَالَ : لَا وَاللَّهِ ، لَا أَنْزِلُ حَتَّى تُبَيِّنَ لِي .
فَقَالَ : بَلْ لَكَ تَسْيِيرُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ . فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ هَوَازِنَ ، فَأَرْسَلَ إِلَى صَفْوَانَ يَسْتَعِيرُهُ أَدَاةً وَسِلَاحًا . فَقَالَ صَفْوَانُ : أَطَوْعًا أَوْ كَرْهًا ؟ فَقَالَ : بَلْ طَوْعًا .
فَأَعَارَهُ الْأَدَاةَ وَالسِّلَاحَ . وَخَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ كَافِرٌ ، فَشَهِدَ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ ، وَهُوَ كَافِرٌ وَامْرَأَتُهُ مُسْلِمَةٌ ، فَلَمْ يُفَرِّقْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا حَتَّى أَسْلَمَ ، وَاسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ بِذَلِكَ النِّكَاحِ ، وَكَانَ بَيْنَ إِسْلَامِهِمَا نَحْوٌ مِنْ شَهْرٍ . وَكَانَتْ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ تَحْتَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ ، فَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَهَرَبَ عِكْرِمَةُ حَتَّى قَدِمَ الْيَمَنَ ، فَارْتَحَلَتْ أُمُّ حَكِيمٍ حَتَّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ بِالْيَمَنِ وَدَعَتْهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ .
وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا رَآهُ وَثَبَ فَرَحًا بِهِ ، وَرَمَى عَلَيْهِ رِدَاءَهُ حَتَّى بَايَعَهُ . فَثَبَتَا عَلَى نِكَاحِهِمَا ذَلِكَ . وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْهُذَلِيُّ ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ الْهُذَلِيِّ ، قَالَ : اسْتَقْرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ خَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، وَمِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا ، وَمِنْ حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى أَرْبَعِينَ أَلْفًا ، فَقَسَّمَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ مِنْ أَهْلِ الضَّعْفِ .
وَمِنْ ذَلِكَ الْمَالِ بَعَثَ إِلَى جَذِيمَةَ .